النسخة الكاملة

جرار يكتب: والجَمال من الإحسان

الخميس-2026-01-08 11:10 am
جفرا نيوز -
بشار جرار

كم تباهينا بانتسابنا إلى أمة من تراثها الروحي وثقافتها الوطنية، قيم الحق والخير والجمال. تفاخرنا أيضا بكل ما يتصل بتلك القيم من النظافة والطهارة، توكيدا لارتباط الجوهر بالمظهر، فمن شروط الطهارة النظافة، وكما هي «النظافة من الإيمان»، فإن الجمال والسعي إلى الكمال من الإحسان.

أمس قدمت توطئة لهذه القضية الحاضرة الغائبة أمام ناظرينا، أحيانا فوق رؤوسنا، وأحيانا أخرى تحت أنوفنا. إن كان من حملة وطنية استعدادا لاستقبال موسم الربيع فالآن وقتها، على أن تبدأ أولا من البيت والمدرسة والحي (الحارة أو الضاحية أو المجمع السكني).

هنا في بلاد العم سام، وعلى كل ما فيها من الاحتفاء بالقيم الفردية والحريات بكل أشكالها، ثمة إطار عام يحدها، حرصا على دوامها ونمائها. الناس قطعا أحرار في أماكن سكناهم، وبقدر أكثر هم في غاية الحرية فيما يختارون من تصاميم وعناية ورعاية لواجهة العمارة أو البيت سواء كان بسيطا من طابق أرضي أحادي، أو فخما متعدد الطوابق، أم مستقلا على شكل «فيلا سوبر ديلوكس» أو قصر منيف. أحرار لكن بضوابط، يتم الاتفاق عليها بين جهتين: الأولى ما يعادل أمانة عمّان الكبرى أو بلدية إحدى المدن الأردنية، أو المحافظة والبلدية بكل درجاتها الإدارية والتنظيمية، والجهة الأخرى تتعلق بالسكان أنفسهم مالكين أو مستأجرين.

كون كل منها من الهيئات المنتخبة بشكل مباشر من الناس، لا يكتفي الأهالي -السكان- بالتوافق على القيم المعيارية التي قد تكون فضفاضة أو حمّالة أوجه، فيتم مسبقا وعلى نحو دوري برسائل تصل عبر البريد، تحديد معايير ما يحقق النظافة والجمال، لا بل الأمن والأمان والسلامة العامة. بطبيعة الحال في ذلك منفعة تعود على الجميع، وتخفف أعباء -مالية وأخرى أهم- من على كاهل رجال إنفاذ القانون كشرطة المقاطعة والولاية، بما فيها المطافئ والإسعاف.

الأخذ بأسباب النظافة والجمال يرفع قيمة المباني والمحال، سواء كانت ملكية خاصة أو مستأجرة. وفي المجمل يجذب إلى الحي والمدينة والمقاطعة والولاية، سكان جدد وأموال خاصة مما يحدث فارقا في قوى الجذب الاستثماري واستقطاب الكفاءات، فالناس تسعى إلى ما يسعد أسرها، وينجح أعمالها ومشاريعها، ويحقق لها فرص الأمان والنماء.  لذلك يحرص الجميع على تلك المعايير والضوابط الخاصة بالنظافة والجمال، ودا وتحفيزا. وفي حال الحاجة إلى مزيد من الدافعية، يتم اللجوء إلى الغرامات المالية، وحتى المصادرات فيما لا يخطر على بال.

معظم الأحياء السكنية الفاخرة ومتوسطة الدخل فيها تلك الجمعيات المراقبة لمستويات النظافة والأناقة والجمال موسميا، خاصة في الأسابيع السابقة والتالية للأعياد الوطنية والدينية. تقوم تلك الجمعيات بتحديد الفترة المسموح بها لعرض حتى زينة الأعياد -الأديان كلها- دون خروج من يحرّف الموضوع عن سياقه. ولأن «النظافة من الإيمان» يتم تحديد الموعد الأقصى لإزالة القمامة، ويتم فرض غرامات وعقوبات قد تصل إلى المصادرة والسجن لمن يفكر بكب نفاياته أو مخلّفات أو «كراكيب» بيته أو مشغله في غير المكان المخصص لذلك، ولا يسمح بأي حال لما يشاع في بعض المدن أو القرى من التراخي في «حرق» الأعشاب الجافة، لا بل يتم محاسبة المقصرين في جزّ الأعشاب وتعشيب حدائقهم الأمامية وحتى الخلفية، فتلك مسألة تدخل في نطاق البيئة التي إن تم إهمالها قد تحدث اختلالا في مكافحة الحشرات والقوارض والحيوانات الضالة وبعضها مفترس أو ناشر للأمراض.

ولأن النظافة والجمال في وجهنا جميعا كمجتمع وكأسرة، يتم تحفيز قادة المجتمع من أحزاب وجمعيات على تفعيل العمل التطوعي ليكون يد عون أو إسناد، عوضا عن تفعيل أصابع اللوم باتجاه الآخرين على قصور أو تقصير. تلك قيمة نذكرها كأبناء الجامعة الأردنية بخير، أيام مادة «خدمة وتنمية المجتمع» المحلي التي أسس لها من حظي بالتكريم الملكي السامي في عيد الاستقلال، الأستاذ الدكتور سري ناصر بارك الله في عمره.

مما تفرضه الجهات الرقابية على مستوى الحي والمقاطعة، التنظيف الإجباري للواجهات التي تراكم عليها الغبار أو حبيبات «الطّلع» التي تعتبر مشكلة صحية وليست جمالية فقط في عدد من الولايات الأمريكية. حساسية الربيع أو الرمد الربيعي وأمراض الربو والحساسية تعتبر من موجبات الإحسان بالجار، والإحسان إليه في عملية التنظيف الدوري، تلك التي تعتمد على ما يشبه مدفعا أو رشاشا مائيا بقوة ضغط مناسبة تنظف دون أن تخدش. وهي من الآلات التي بالإمكان استئجارها في حال عدم الرغبة أو القدرة على شرائها.

الناظر إلى أرشيف الأبيض والأسود والملوّن يرى جمال عمان الحبيبة خاصة في فيديوهات ما بعد «الشتوة» الأولى. الجميع يتغزل برائحة الأرض الزكية، والصور التي تخلفها الأمطار والثلوج، فمن لهذا الجمال عونا، حتى يدوم ويزداد ألقا؟ من يزيل أتربة السنين وما أحدثته عوادم السيارات غير المصانة على النحو الصحيح، من يزيلها عن مبانينا بجناحيها الخاص والعام وكثير من الرموز التي يجب أن تبقا علما وراية ناصعة الجمال في كل ألوانها. عاصمتنا الحبيبة سماها العرب والزوار الأجانب بالمدينة البيضاء والنظيفة فيما نصبو إلى أن تكون ذكية بالمعنى السيبراني والخدماتي والحضاري. قد يتطلب الأمر التفكير بطلاء موحد في موقع والملون في مواقع أخرى فهكذا اكتسبت مدن أوروبية خاصة في اليونان وإيطاليا ألقها السياحي أوروبيا وشرق أوسطيا وعالميا.

هي حملة قد تبدأ على نحو تطوعي، وقد تتم مأسستها. قد تنطلق كعمل من أعمال البر والإحسان ونحن نستعد لاستقبال رمضان الكريم والصوم الكبير لدى إخوتنا المسيحيين مع حلول فصل الربيع، فصل نيسان، فصل البدايات، وقد يتم إسنادها وتعزيزها بالثواب والعقاب (بمعنى تعديل السلوك لا بالمعنى السلبي للكلمة). فالنظافة والإحسان حق جماعي وواجب جماعي أيضا، يبدأ بالفرد والأسرة والحارة (الحي) خاصة إن كان راقيا والملّاك فيه من المقتدرين ماليا الذين نراهم في غاية الشياكة والأناقة والبشاشة في صور أخبار المجتمع!

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير