النسخة الكاملة

السيطرة على العقول

الأربعاء-2026-01-07 11:22 am
جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف

ليست وسيلة لرؤية الحقيقة، بل نافذة يمكن للعدو أن ينظر من خلالها إليك- من فيلم سيد الخواتم.

نشر أخي وصديقي الصيدلاني المبدع أحمد أبو غنيمة، سليل العائلة الفكرية والتربوية، على صفحته في فيسبوك إجابةً صادرة عن الذكاء الاصطناعي لسؤالٍ ذكيٍّ صاغه بعناية، عقد فيه مقارنة لافتة بين اختطاف قوات دلتا للرئيس الفنزويلي من داخل قصره، وعجزها عن اعتقال قادة غزة. وقد حقق المنشور انتشارًا واسعًا، إذ تجاوز عدد مشاهداته 3.9 مليون مشاهدة حتى لحظة كتابة هذه المقالة، وحصد أكثر من 7500 مشاركة، حتى إنني تلقيته من عشرات الأصدقاء عبر واتس آب، وبعضهم كان ينسبه إلى نفسه. وربما يكون الدكتور أحمد ، من حيث لا يقصد، قد فتح بهذا المنشور الباب على مصراعيه أمام تعميم ونشر إجابات الذكاء الاصطناعي في القضايا العامة، وهو أمر يدعو إلى القلق .

في مقالة مطوّلة، تطرح الصحفية والباحثة كارين هاو، عبر موقع «الإنترسبت» الحصيف، فكرة مقلقة مفادها أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا يمكن اختزالها في كونها قفزة تقنية محايدة، بل هي مشروع يعيد إنتاج منطق الإمبراطوريات القديمة ونتائجها. فكما راكمت تلك الإمبراطوريات ثروتها ونفوذها عبر نهب البشر واستغلالهم تحت لافتة «التمدّن»، تمضي شركات الذكاء الاصطناعي اليوم في المسار ذاته، مستحوذة على البيانات والملكية الفكرية والطاقة والمياه والجهد البشري الرخيص، ثم تسوّق هذا النهب بوصفه «مستقبل البشرية». ولعل أخطر ما تشير إليه الكاتبة أن من بين الأهداف الجوهرية لهذه الشركات السعي إلى السيطرة على المعرفة ذاتها؛ فتُبرز ما تشاء وتُغيّب ما تشاء، وتفرض هيمنتها على السردية في عدد متزايد من القضايا.

ولتقريب صورة عمل أنظمة الدردشة مثل «شات جي بي تي»، فهي نماذج لغوية ضخمة جرى تدريبها على كميات هائلة من النصوص لتعلّم أنماط اللغة، وتعمل وفق مبدأ بسيط في جوهره: توقّع الكلمة التالية الأكثر احتمالًا استنادًا إلى السياق السابق، بعد تحويل اللغة إلى رموز رقمية يتعامل معها النموذج. أما «شات جي بي تي» نفسه، فهو برنامج اطّلع على كمٍّ هائل من الكتابات البشرية؛ وعندما تطرح عليه سؤالًا، لا يبحث عن الحقيقة ولا يفكّر فيها، بل يحاول تخمين الصياغة الأرجح اعتمادًا على ما كتبه البشر في ظروف مشابهة. يشبه ذلك شخصًا حفظ ملايين النصوص دون أن يفهمها؛ لا وعي لديه ولا إدراك، وإنما يسأل نفسه باستمرار: ما الكلمة التي غالبًا تأتي بعد هذه؟ ثم يضيفها، ويتبعها بما بعدها. ولهذا قد يبدو كلامه دقيقًا ومفيدًا أحيانًا، ومضللًا أو خاطئًا أحيانًا أخرى، لأنه في النهاية يحاكي أسلوب البشر في الكتابة والكلام، دون أن يمتلك فهمًا أو عقلًا أو نية.

هنا تتجلّى الخطورة الحقيقية؛ فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بأن يفكّر بدلًا عنك، بل يبدأ، بهدوء ومن دون ضجيج، بإعادة تشكيل طريقة تفكيرك نفسها. ومع الوقت، يتآكل التفكير النقدي حتى يبهت، لأن الإجابات دائمًا جاهزة، مصقولة، ومقنعة. فلا يعود السؤال: أهذه الإجابة صحيحة؟ بل: ماذا قال «شات جي بي تي»؟ وهكذا يتحوّل العقل من فاعلٍ ناقد إلى متلقٍّ سلبي.

والأشد خطورة أن الذكاء الاصطناعي، في كل إجابة، يرسم حدود القول وحدود الإهمال؛ فيتسلّل إلى الوعي بصمت، ويغرس قناعات تبدو وكأنها ثمرة تفكيرك الشخصي. ومع الاعتياد، يغدو مستشارك الدائم في تفاصيل الحياة كافة، فتتآكل ثقتك بالتفكير المستقل، وترهن وعيك لسلطة معرفية جاهزة. وحين يُستخدم على نطاق واسع، يتشكّل تجانس خانق في الأفكار: الحجج ذاتها، والصياغات ذاتها، والتفسيرات ذاتها، فتضعف التعدّدية والخيال والتمرّد والإبداع، ويغدو الجميع قطيعًا تقوده الخوارزميات، أكثر استعدادًا للانقياد، وأقل قابلية للمقاومة.

ومن المعلوم أن ثمة قوى عديدة تسعى للسيطرة على أنظمة الدردشة، ولكل منها مصالح مباشرة؛ من الشركات المالكة لهذه المنصات، إلى كبار أثرياء العالم، وصولًا إلى تشابك مصالح الدول وأجهزة الاستخبارات مع شركات التكنولوجيا، حيث يعمل كل طرف على توظيف هذه الأدوات لخدمة أجندته الخاصة. ومن بين أبرز الساعين للهيمنة على منصات الدردشة الصهاينة، وقد كتبتُ قبل أسابيع عن «مشروع 545»، الذي يهدف إلى تعزيز رسائله الاستراتيجية والدبلوماسية عبر الفضاء الرقمي، بما في ذلك التأثير المتعمّد على طريقة استجابة منصات الذكاء الاصطناعي، والتحكّم في المحتوى المتعلّق بالصهاينة، من خلال صناعة محتوى موجّه للرأي العام، وبناء مواقع ومضامين تتصدّر نتائج محادثات الذكاء الاصطناعي، وتُوظَّف لاحقًا في تدريب نماذج مثل «شات جي بي تي» و»نت غلوبال ون».

ولا ينتهي الأثر الاجتماعي للذكاء الاصطناعي عند حدود التطور التقني؛ إذ بات بعض الطلاب يتكئون عليه في التفكير قبل التعلّم، وفي الحل قبل الفهم، ما يوسّع فجوة التعليم بدل أن يعالجها. وفي الطرف الآخر، ظهر شكل جديد من العزلة: إنسان يأنس بكيان لا يملّ، يسايرك بلا اعتراض، يكسب ثقتك، يضخم غرورك، ثم يعيد تشكيل وعيك ببطء، إلى درجة قد تجعلك تقتل نفسك إن أمرك بذلك وهذا لم يعد افتراضًا نظريًا.

تذكّر دائمًا: في كل سؤال تطرحه على الدردشة، هناك من يريدك أن تسمع جوابًا بعينه.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير