النسخة الكاملة

‏مبادرة «التوافق الوطني» وهذه عناوينها

الثلاثاء-2025-08-12 10:35 am
جفرا نيوز -
حسين الرواشدة

‏أسوأ ما يمكن أن تفرزه الأزمات الكبرى اختلاق الثنائيات، وتأجيج الصراعات، وتعميق الاختلافات داخل المجتمع ؛ التاريخ مزدحم بالشواهد، وفي ذاكرتنا الأردنية القريبة ما يؤكد ذلك، لا يوجد أمة إلا ومرت بفتنة أو محنة، ، وما أكثر الفتن التي مرت بها أمتنا، وحدهم العقلاء من بأيديهم حبلُ إنقاذ مجتمعاتهم، وواجبهم، باعتبارهم يمثلون الضمير العام، أن يتحركوا ويسارعوا لاستدراك أي خطأ، او مواجهة أي خطر، قبل أن يقع.

‏أرجو أن لا يسألني القارئ الكريم عن مناسبة ما ذكرته سلفاً، يكفي أن يدقق في مشهدين، الأول: داخل بلدنا، حيث كشفتنا الحرب على غزة، اخرجت منا أفضل ما لدينا، وأسوأ ما لدينا أيضاً، تجاهل بعضنا الأفضل، وشككوا فيه، ثم استدعوا الاسوأ ونفخوا فيه، وهنا للأسف افترقنا، كان يجب أن نتوحد على خطاب واحد، وموقف واحد، نحتشد كلنا حول الدولة وقراراتها ومؤسساتها، لكن ربما أخطأنا وضيعنا الفرصة، الآن، لا بد، أن نتوافق ونتجاوز كل ما اختلفنا عليه.

‏المشهد الآخر ما يحدث في الإقليم من حولنا، لقد فشلت إسرائيل، حتى الان، بإخضاع المنطقة وفرض قبضتها عليها من خلال القوة العسكرية، وكان لابد من العبث بالثنائيات الديمغرافية داخل المجتمعات، حدث ذلك في سوريا ولبنان وفي فلسطين أيضاً، والحبل مازال على الجرار ؛ زعزعة المجتمع -أي مجتمع- يبدأ من العزف على أوتار المظلومات والمحاصصات والأقليات، الدين يصبح أداة صراع، والعرق ورقة سياسية للمساومة، والتاريخ والهوية منجم ثمين لاستخراج الثارات وتوزيع حصص الكراهية، هنا لابد أن ينتبه الأردنيون، الحذر واجب، وأخذ الحيطة قضية وطنية، ثم يصبح الحزم بالقانون واجباً على الدولة لدرء أي مفسدة.

‏السؤال : كيف نحمي بلدنا ونحافظ على وحدة جبهتنا الداخلية ونحصنها من أي اختراق ؟ سبق أن أشرت، منذ نحو عامين، إلى عنوانين أساسيين يشكلان ضرورة وطنية، الأول : عقلنة الخطاب العام، والآخر الاستدارة نحو الداخل وترتيب البيت الأردني، يمكن أن أضيف عناوين أخرى يفترض أن يتوافق عليها الأردنيون، خذ، مثلاً، احترام الاختلاف حول أي قضية خارج حدودنا مهما كانت، بعيداً عن تبادل الاتهامات والتشكيك، ورفض الاختلاف على خيارات الدولة الأردنية ومصالحها العليا تحت أي ذريعة، خذ، أيضاً، التوافق على الهوية الوطنية الأردنية كإطار يجمع الأردنيين ويصهر هوياتهم الفرعية، ثم الاعتزاز بها وبما تفرزه من رمزيات، وعدم تجاوزها نحو أي مسميات أو مظلات أخرى.

‏يمكن، أيضاً، إضافة عناوين أخرى عديدة، ترسيم حدود النقد السياسي في هذه المرحلة، تأجيل الاختلافات حول أداء الإدارات العامة أو جدولتها، تصويب البوصلة نحو الأعداء الحقيقيين الذين يشكلون تهديداً لبلدنا، سواء على حدودنا الغربية أو الشمالية أو غيرها، كل هذا يجب أن يتم في سياق إطلاق مبادرة» التوافق الوطني» (كما حصل مثلا العام 1991 /الميثاق الوطني )على قاعدة الحوار والمشاركة والعدالة، وتعزيز الاستقرار والوحدة الوطنية، ونبذ دعوات الفرقة، وترسيم حدود العلاقة الأردنية الفلسطينية في المرحلة القادمة على أساس اللاءات الملكية الثلاثة.

من يطلق المبادرة، ومن يتولى إدارة النقاش العام؟ وحدهم العقلاء من يستطيع أن يفعل ذلك، ويقدم ما يلزم من إجابات وازنة ومتوازنة تكفل تحصين جبهتنا الداخلية، لكن أين هم هؤلاء العقلاء؟ أكيد موجودون، ونريد أن نسمع صوتهم.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير