النسخة الكاملة

في حضرة الملك… حيث تُكتب غنائم العمر

الثلاثاء-2025-02-18 10:09 am
جفرا نيوز -
المحامي سلطان نايف العدوان


في كل عام، وعند كل لقاء يجمع جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله برفاق السلاح، هناك ما لا يُكتب ولا يُحكى، لكنه يُقرأ في العيون.
ومثل ما جدودنا قالوا العيون مغاريف الحكي ،فكيف إذا كانت العيون التي تروي القصة هي عيون القائد، محاطة برجال حملوا السلاح معه وحملوا الأردن في قلوبهم؟

بالأمس، كان اللقاء مختلفًا منذ لحظته الأولى.
لم يبدأ الملك حديثه كما تُفتتح اللقاءات المعتادة في كل عام، بل اختار أن يبدأ من حيث يجب أن يبدأ: من واشنطن.
كأنما أراد أن يضع رفاق السلاح أولًا في قلب الصورة، وأن يطلعهم كما يطلع أقرب الناس إليه. فالقضية ليست شأنًا خارجيًا، بل شأن من كانوا دومًا في قلب القرار وصُنّاعه الأوائل.

قالها بصوته الواضح: "نستمد قوتنا وشجاعتنا من شعبنا العزيز ونشامى الجيش العربي المصطفوي والأجهزة الأمنية ورفاق السلاح المتقاعدين.”
لم تكن مجرد عبارة تُقال، بل وعد متجدد، وقسم غير مكتوب بين القائد ورجاله، يحمل من الثبات بقدر ما يحمل من الوفاء.
ونحن، سيدي، نستمد قوتنا من طمأنينة الموقف الذي لا يتغير، ومن الكلمات التي لا تتردد، ومن الثقة بأن الثوابت لا تُراجع، بل تُثبت مع الوقت، أي أننا نستمد قوتنا منك أنت.

ثم جاء السؤال، بسيطًا في شكله، ثقيلًا في معناه: "ليش بدي أغير موقفي بعد 25 سنة عن التوطين ورفضي له؟”
هناك أسئلة لا تُطرح بحثًا عن إجابة، بل تُسأل لأنها هي الإجابة. فسؤاله لم يكن استفهامًا، بل تأكيدًا على أن الثوابت لا تُراجع، والمواقف لا تُعاد صياغتها لتناسب الظرف،
كلا للتهجير، كلا للتوطين، كلا للوطن البديل.
ليست شعارات تُرفع، بل موقف هاشمي أصيل اختُبر في كل محطة، وحُمل كالتزام، دون أن يتغير أو يتبدل، كما لو أنه أصبح جزءًا من هوية المكان وثقله.

لم يكن الحديث خطابًا سياسيًا، ولم يكن اللقاء رسميًا بالمعنى التقليدي، بل كان أقرب إلى حديث صديق لأصدقائه، حديث يعرف فيه الجميع ما يُقال، ويعرفون أيضًا ما لا يحتاج إلى أن يُقال.
وما استوقفنا حين قال الملك: "هناك أشخاص من البلد يأخذون أوامرهم من الخارج”، ثم لم يُكمل عنهم حرفًا واحدًا، لأنهم لا يستحقون سوى العيب.
لم يكن بحاجة إلى تفسير أو إطالة في الشرح.
كان يعلم أن من يجلسون أمامه يفهمونه دون تفسير، ويدركون تمامًا كيف تُصنع المواقف، ومن يصنعها، ومن يحاول أن يعبث بها.
بعض الأمور لا تحتاج إلى توضيح، فالمشهد يُفسّر نفسه، ويكفي أن تُقال الجملة لتُفهم تفاصيلها كلها.

لم يكن اللقاء عن سياسة فقط، بل كان عن شيء أعمق، عن الثقة، عن الصدق في الحديث، عن معرفة أن بعض المواقف لا تحتاج إلى زخرفة بالكلمات، بل تحتاج فقط إلى أن تُقال كما هي، واضحة، مباشرة، بقدر وضوح من يقولها.

عندما عاد الملك من واشنطن، لم يكن هناك ما يحتاج إلى إعادة تأكيد.
فالموقف لم يتغير ليُشرح، والثبات عليه لم يكن يومًا موضع نقاش.
في هذا اللقاء، لم يكن هناك إلا كلمات يعرفها الجميع، ورسائل تصل دون أن تُقال.
لأن بعض الثوابت لا تُعاد صياغتها، وبعض التاريخ لا يُكتب إلا بأيدي أصحابه.

في حضرة الملك… حيث تُكتب غنائم العمر، وحيث المواقف لا تحتاج إلى تبرير، وحيث الكلمات تترك أثرها كما تفعل القرارات، وحيث الوفاء للأردن يبقى العنوان الذي لا يتغير.

١٨-٢-٢٠٢٥
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير