النسخة الكاملة

أسواق العيد تجتر آمال تصدعت .. تبحث عن متسوقين جيوبهم لم تخو بعد

الخميس-2012-08-16 11:12 am
جفرا نيوز - جفرا نيوز - الهابطون إلى وسط البلد - البلدة القديمة - بعد الإفطار بقليل, يحتاجون إلى الانتظار إلى ما بعد منتصف الليل, حتى يعيشون أجواء "وقفات" الأعياد أيام زمان, حينما تبدأ جموع الباحثين عن مكان يتسع لهم جميعا, يحتمل فقر حالهم, يروي رغبات دفينة لم يتسنى لأصحابها الإفراج عنها سابقا, رغبات في تناول وجبة إفطار أو سحور في شهر رمضان, بعيدا عن نمطية الحياة داخل المنازل. كل ذلك يمكن تحقيقه لدى مطعم هاشم أولدى أي مكان للإطعام على شاكلة "هاشم", وهذه الأماكن تملىء اليوم وسط البلد, فوسط البلد وفقا لأحد عشاق المكان إبراهيم القنعير "أبو شادي" فقد طابعه المميز بعد أن رحل معظم تجاره التاريخيين إلى أحياء عمان الغربية, وانتشرت في شوارعه وأزقته عشرات المقاهي الحديثة و"الكوفي شوبات". الذاهبون إلى بعض أحياء عمان الغربية, التي تحولت إلى أسواق حديثة, يحتاجون حتى يستعيدون حالات الألق, التي كانوا يعيشونها, حينما كانوا يتسوقون قبل سنوات في هذه الأسواق, حينما كانت التجارة فيها رائجة, إلى أكثر من صبية وفتيات في مرحلة المراهقة, يملأون المقاهي و"الكفتيريات" و"الكوفي شوبات", يتسكعون بملابسهم الغريبة في شوارع الصويفية, وعبدون, وأم أذينة, والرابية وغيرها, فهم يحتاجون إلى أسواق محالها ممتلئة بمشترين جادين, يشجعونهم عاى الإفراج عن دنانيرهم القليلة القابعة داخل جيوبهم, يقولون للمترددين في ارتياد المحلات والشراء منها: "لا تقبضوا على أموالكم خشية إملاق, فالعيد آت لا محالة, ولا بد لكم أن تعيشوا فرحته, وهذه الفرحة لا تتم إلا بملابس جديدة للأبناء, ذكورا وإناثا على السواء, صغارا وكبارا, "شُطارهم" وغيرهم, فمن شهد منكم الشهر وصامه عليه أن يستقبل العيد وهو سعيد, فرح وأفرح كل من حوله, وإلا يكون كمن بارت تجارته في "رمضان". أمل إبليس في الجنة  المسافة بين المأمول أو المفترض حدوثه وما يحدث في الواقع المعاش اليوم, هي ذات المسافة بين آمال تبددت تفاصيلها, وواقع تجذرت مفاعيله. هذه المقاربة تنسحب اليوم على كل شيء, وقطعا لا يمكن استثناء واقع أسواق العيد من هذه المقاربة, فحسب صاحب محل "النوفيتية" ماجد الشريف "حساب القرايا لم يأت على مقاس السرايا" بالنسبة له في الموسم الحالي, فقد كان يأمل أن يتمكن من تعويض ما أصابه من خسائر جراء كساد أصاب الأسواق طوال أشهر هذا العام, والعام الماضي, لكنه اليوم -مساء الأحد الماضي- بات على يقين بأن تحسن أوضاع الأسواق في موسم العيد أمر مشكوك فيه, لجهة أن زبائنه التقليديين غالبا ما كانوا في مثل هذه الأيام, أي قبل يوم العيد بإسبوع أو أكثر, يبدأون بزيارته في محله, وشراء احتياجاتهم للعيد, أو حجز ما يحتاجونه, والعودة قبل العيد بيوم أو اثنين للشراء, وكان مَنْ لم تكن ظروفه تسعفه على الحضور إلى المحل يتصل تلفونيا, ويسأل عن "موديلات الملابس" المتوفرة, فكثيرة هي الحالات التي باع الشريف لزبائنه فيها ملابس عبر الاتصال التلفوني, لكنه لغاية مساء أمس الأول, حينما اتصلت "العرب اليوم" معه, لم يبع شيئا, برغم أنه لم يبقى إلى يوم العيد سوى خمسة أيام, ما جعله يرد على سؤال ل¯ "العرب اليوم" يتعلق بآماله بانكسار حالة الكساد السائدة منذ أكثر من عامين, بجملة واحدة, هي عبارة عن مثل شعبي أو قول مأثور "أمل إبليس في الجنة". تسوق وهمي  عدد من أصحاب محلات بيع الملابس والأحذية التقتهم "العرب اليوم"و اتفقوا مع معظم ما قاله الشريف, وحينما اعتقد كاتب السطور أنه ضبط أحد التجار بجرم إخفاء الحقيقة المشهود, بأن علق على شكواه من كساد الأسواق في وقت كان محله ممتلئا بالزبائن, بقوله له: يا رجل إحمد الله على نعمه, فمحلك يفيض عن سعته بالزبائن", أجاب التاجر, الذي فضل استعمال كنيته لغايات النشر, وهي "أبو هاني", أجاب بمناداته أحد العاملين لديه وسؤاله عن مقدار ما باعه اليوم, فرد العامل بإشاره من يده تفيد بانه لم يبع شيئاو فنادى على عامل آخر, فلم تختلف إجابته عن سابقه, فباستثناء العامل الثالث الذي باع بعشرين دينارا, لم يبع محله المعروف ببضائعه ذات الجودة العالية, وأسعاره المعقولة, بأي مبلغ آخر, بالمناسبة كان الوقت الساعة الواحدة من ليلة امس الأول. صاحب محل آخر في مرج الحمام رفض رفضا قاطعا ذكر اسمه, خشية أن يتناهى إلى أسماع دائنيه من تجار الجملة والمستوردين أن حالة الكساد ما زالت مستبدة به, فيبيت بالسجن, لجهة أنه مهدد بالسجن بالشيكات الراجعة من البنك, لأنها من دون رصيد, فهو بالكاد تمكن من إقناع دائنيه بأن يصبروا عليه إلى ما بعد موسم عيد الفطر, يقول وهو يشير إلى عدد كبير من الزبائن كانوا يقلبون قطع الملابس ذلك الحين داخل محله: هؤلاء جميعا جاءوا ليتفرجوا على البضائع فقط, إنهم لا يشترون, بل يجترون تجاربهم السابقة في الشراء, لا يشترون لأنهم لا يحتاجون ما هو معروض في المحل من سلع, ولا لأنهم غير مقتنعين بال¯ "موديلات" أو بالأسعار, ولا لأنهم لا يحبون صاحب المحل, ولا لأنهم لا يمتلكون أثمان ما يحتاجونه, بل لأنهم يعيشون حالة من عدم اليقين, هم غير قادرين على الثقة بالغد, فتجد الواحد منهم وقد قبض على الدريهمات القليلة التي يمتلكها, كأنها طوق نجاة يحتفظ به, لمواجهة إعصار بات قريبا منه, "فهؤلاء جميعا يتسوقون بشكل وهمي, هم يتفقدون السلعة, يقلبونها, يجادلون في السعر, يساومون, لكنهم حينما يشعرون بأن التفاوض وصل إلى مرحلة حاسمة ينسحبون بهدوء, ويغادرون المحل بسرعة, واعدين بالعودة لشراء ذات القطعة من الملابس بعد حين, لكنهم لا يعودون, وإن عادوا تجد ذرائعهم الواهية وغير المقنعة هي سيدة الموقف". حينما يتكلمون  المتسوقون بشكل وهمي يتجنبون المواجهة, لأنهم يخشون انكشاف أمرهم أمام الآخرين, وأحيانا أمام أنفسهم, ويتجنبون الإفصاح عن مكنوناتهم, فهم غير قادرين على شراء ما يحتاجونه, لكنهم لا يريدون الاعتراف بذلك, وإن شعر أحدهم بأنه محاصر, كأن يتقابل مع أحد الأقارب أو الأصدقاء, فحتى لو كان هذا القريب أو الصديق على شاكلته, فإنه لا يتوانى عن شراء ما قل ثمنه, ليري الآخر بأنه قادر على الشراء, وقد يعود ذات الشخص عن قراره بالشراء بمجرد مغادرة القريب أوالصديق المكان, وهو ما حدث قبل يومين أمام كاتب السطور, فقد التقى أثناء تجوله لاستطلاع أوضاع أسواق العيد, بأحد الأصدقاء في محل "نوفيتية", وبعد السلام والكلام, وبدء الحوار مع صاحب المحل, قرر الصديق شراء "بنطلون" لابنه بسعر 15 دينارا, لكنه بعد أن اعتقد أن كاتب السطور قد ابتعد, حاول إعادة "البنطلون" إلى البائع, واستعادة دنانيره, ولما رفض البائع ذلك بذريعة أن " البضائع التي تباع لا ترد بل تستبدل", كما هو مكتوب على يافطة كرتونية معلقة في أعلى واجهة صدر المحل, تلاسنا بصوت عال وتفوها بكلام سوقي, ولولا أن كاتب السطور قد عاد في نفس اللحظة من نفس الشارع الواقع في الصويفية, لأنه كان قد أوقف مركبته بالقرب من ذات محل "النوفيتية", لاحتدم الخلاف بين الصديق والبائع, ووصل إلى ما لا يحمد عقباه, المهم في الأمر أن كاتب السطور تدخل, وأصلح بين المتخاصمين, فحمل الصديق على مضض "بنطلون ابنه", وغادر وهو يهذرب بكلام غير مفهوم. " العرب اليوم" التقت عشرات من المتسوقين, أغلبهم كانوا لا يشترون شيئا, بل يتمشون هكذا من دون هدى, هم راغبون في الشراء كما أكد عدد منهم كحاتم أبو شرخ, وهيام أبو شاويش, ومحمد النابلسي وزوجته, وحسن عمار وزوجته, أو أنهم يتفقدون الأسواق, ليتعرفوا على الأسعار, كما قال عدنان محمود, وتهاني المغربي, والشابان احمد بنات, ومصعب أبوعريش, وآخرون.               
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير