الملك حارس المقدسات والقوة الدافعة للدبلوماسية "الأردنية-الفلسطينية" في مواجهة برميل البارود الإسرائيلي
الأربعاء-2019-12-25 12:55 pm

جفرا نيوز -
جفرا نيوز – سعد الفاعور
"الملك حارس المقدسات والوصي الأول عليها دون منازع". بهذه الكلمات البسيطة والنابعة من القلب، اختصر الرئيس الفلسطيني محمود عباس كل سيناريوهات الفتنة، التي تحاول المس والنيل من جهود الدبلوماسية الأردنية والتنسيق الفلسطيني المشترك التي يقف جلالة الملك عبدالله الثاني قوة دافعة خلفها لتطويق وتحييد برميل البارود الإسرائيلي الذي يسعى أعداءٌ كثر لتحويله إلى مستنقعِ صراعٍ عسكري مسلحٍ ودامٍ، بوضع صاعق تفجير بداخله.
المراقب للصحافة الإسرائيلية يلحظ بسهولة بالغة حجم الحملة الإعلامية المضللة والشرسة التي يتناوب صقور اليمين الصهيوني المتطرف على تأجيجها ضد الدولة الأردنية وضد القصر الملكي الهاشمي وضد جلالة الملك، ففي خلال الشهر الماضي فقط، تناوب صقور اليمين الإسرائيلي الراديكالي: كارولين غليك، أريه إلداد، رابيه إليزار، إيمانويل شيلو، زيئيف بن يوسف وموتي كربيل، في بث مقالات مليئة بالسم والكراهية والتحريض على التصعيد السياسي والعسكري والاستيطاني لتقويض كل أسس الاستقرار الهش في المنطقة.
وفي صحف: إسرائيل هايوم، معاريف، ماكور ريشون وغيرها من وسائل الإعلام الإسرائيلي المرئي، تبارت الأقلام والأصوات الإسرائيلية المتطرفة في محاولة يائسة للي عنق الحقيقة وبث جملة من الافتراءات والأكاذيب والترويج لمخططات شيطانية تكرس النهج العدواني التوسعي لصقور اليمين الإسرائيلي الراديكالي المتطرف الذي يريد نسف اتفاقية السلام وتكريس الاستيطان الصهيوني كواقع وممارسة قانونية تحت مظلة الدولة القومية اليهودية التي لا تتسع إلا لليهود فقط وترحيل السكان العرب الأصليين وكذلك المهاجرين الأفارقة، في تكريس لسياسات الفصل العنصري!
هنا تستحضر "جفرا نيوز" تصريحات خاصة لعميد السياسيين الأردنيين، عدنان أبوعودة، يوضح من خلالها أن الأردن يشعر بقلقٍ حقيقي من الإجراءات الإسرائيلية الأحادية على الأرض، كما أنه غير راضٍ عن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، مؤكداً أن الأردن ينظر إلى هذه الإجراءات والتصريحات على أنها تشكل تهديداً مباشراً لكيان الدولة الأردنية ونقضاً صريحاً لأي إلتزام من جانب إسرائيل بمعاهدة السلام.
في مقابل تلك الاستفزازات نشطت دبلوماسية أردنية هادئة مع تنسيق فلسطيني مشترك، وقف خلفها كقوة دافعة ومؤثرة جلالة الملك، مستعيناً بكل قنوات وأجهزة الدولة الأردنية، وطواقمها الفاعلة، فبادر جلالته بالانفتاح شعبياً على مراكز الثقل الوطني العشائرية والعسكرية والنقابية والحزبية والبرلمانية.
أبوعودة يشير في تصريحاته إلى "جفرا نيوز" إلى أن جهود الملك على الساحة الدولية التي تسير بشكل موازٍ مع انفتاحه الكبير على أطياف وقوى الساحة الداخلية، تتركز خارجياً بتبليغ رسائل سياسية حازمة لا تقبل الشك أو التأويل للحليف الأميركي ملخصها أن الأردن لا يمكن أن يقبل بأي إجراءات إسرائيلية أحادية أو بغطاء أميركي تمس بوجود وكيان الدولة الأردنية وتهدد أمنها واستقرارها ومستقبلها.
مصدر رفيع على تماس بالملف السياسي الأردني الفلسطيني، ومطلع على الجهد الدبلوماسي الذي تقوده الخارجية الأردنية بقيادة الوزير أيمن الصفدي، يقول في هذا الشأن: عند الحديث عن القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة والوضع النهائي للحدود واللاجئين والمياه، فإن الأردن لا يمكن أن يكون متفرجاً فقط أو أن يتم النظر إليه باعتباره دولة مجاورة فقط.
وبنبرة حاسمة يقول المصدر إن الأردن ليس مجرد مراقب أو جار غير معني بتطورات الملف الفلسطيني، فكل صغيرة وكبيرة في فلسطين تنعكس على الأردن والأردنيين، والأردن رسمياً هو صاحب الشرعية بالوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، والتجاوزات الإسرائيلية التي ترقى إلى حد وصفها بجرائم حرب لا تعدُّ ولا تحصى في هذا المجال.
فالاقتحامات لباحة الأقصى وللحرم القدسي دائمة وشبه دورية، واعتقال مواطنين أردنيين وفلسطينيين في ظروف احتجاز مهينة ومخالفة للمعايير الدولية لا تذكر أمام جرائم اطلاق النار على مواطنين أردنيين والتسبب بقتلهم.
يضيف المصدر هنا، أن كل إجراء تتخذه إسرائيل في فلسطين المحتلة يرتد بطريقة أو بأخرى على الداخل الأردني، والدبلوماسية الأردنية بتوجيهات من جلالة الملك تدرك ذلك جيداً، وتتحرك في اتجاهات دولية عديدة لإعاقة المطامع الإسرائيلة والحد من الآثار السلبية للتحركات الصهيونية الأحادية.
يستذكر كذلك، التصريح الشهير لوزير الخارجية أيمن الصفدي، خلال رده على استفسارات لجنة فلسطين النيابية في مجلس النواب في نيسان الماضي، وما تلاه من جهود دبلوماسية دؤوبة وغير منقطة حتى اللحظة.
الوزير الصفدي، وكما يذكرنا المصدر، قال خلال إجابته على استفسارات أعضاء لجنة فلسطين النيابية: إن الأردن يواجه صعوبات في مساعيه للدفاع عن القدس والمقدسات إلا أنه مستمر في العمل ضمن الإطار العربي والدولي للوصول إلى سلام عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، مجدداً التأكيد على ثوابت جلالة الملك من القضية الفلسطينية وعملية السلام والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية ورفض أي حديث عن التوطين والوطن البديل والتجنيس".
وبحسب المصدر فإن جلالة الملك كان على الدوام القوة الدافعة والموجهة للجهد الدبلوماسي الأردني، بفضل ما يمتلكه من شبكة علاقات واسعة ومؤثرة في الإقليم والساحة الدولية، وبفضل ما يكنه له قادة العالم من إحترام وتقدير وإصرار على الاستماع بشكل دائم لتصوراته ومرئياته فيما يخص الحلول النهائية لمشاكل المنطقة.
يؤكد ذلك تصريحات خاصة سبق وأدلى بها رئيس الوزراء الأسبق ورئيس مجلس الأعيان الحالي فيصل الفايز إلى "جفرا نيوز" وهو يجيب على سؤال خاص عمّ إن كان جلالة الملك سيستغل الدعوة التي تلقاها من الجانب السعودي لحضور قمة العشرين في تسليط الضوء على الملف الفلسطيني والتجاوزات الإسرائيلية فيما يخص بناء المستوطنات في القدس والضفة الغربية واتخاذ إجراءات أحادية بضم المناطق الفلسطينية بما في ذلك الجزء الواقع غرب النهر من غور الأردن .
الفايز شدد خلال إجابته على تساؤل "جفرا نيوز" على أن الدعوة تمثل ما يكنه قادة المجتمع الدولي من احترام وتقدير كبيرين لجلالة الملك على كافة الصعد واعتراف بحقيقة الدور الكبير الذي يقوم به جلالته لضمان الأمن والاستقرار الإقليميين، مؤكداً بأن جلالة الملك لا يدخر جهداً ولا يترك مناسبة أو مؤتمراً دولياً أو فعالية إلا ويتطرق فيها للقدس وفلسطين ويدافع فيها عن حقوق الشعب الفلسطيني وما يتعرضون له من مضايقات واستفزازات إسرائيلية.
الجهود الملكية الدؤوبة في مواجهة الضغوطات الإقليمية والدولية من أجل الحفاظ على الحقوق التاريخية للأمة العربية ولشعبينا شرق وغرب النهر في فلسطين والقدس لا تخطئها العين، وهي تحركات تسير بمسارٍ موازٍ وعلى أكثر من صعيد لتمتين الجبهة الداخلية.
أولى الخطوات الملكية تمثلت بالمصارحة الشهيرة في آذار الماضي وإعلانه (اللاءات الثلاثة) خلال لقائه مع شيوخ ووجهاء عشائر ورجال دولة وحزبيين ونقابيين في مدينة الزرقاء التي تمثل رافعة ذات بعدين في صناعة السياسة الوطنية الأردن وعكس توجهات الشارع.
هذه المدينة لها قيمة استراتيجية ورمزية كبيرة لا يمكن إغفالها أو القفز عن أهميتها عندما اختار الملك أن يطلق لاءاته من قلبها متسلحاً ومستنداً على همة أهلها، فالزرقاء هي ثاني أكبر مدينة للجوء الفلسطيني في الأردن، وهي بلدة الفسيفساء الاردنية أيضاً، كما أنها تاريخياً ارتبطت بمعسكرات "خو" وسرايا التجنيد والمكلفين ومعسكرات الجيش العربي الممتدة من الزرقاء والهاشمية وحتى عمق الصحراء بمحاذاة الحدود العراقية والسورية.
إصرار الملك على تأكيد حجم التقارب الكبير ما بين القيادة والشعب، هو تكتيك هاشمي يحمل رسائل عديدة، سواء للطرف الإسرائيلي، أو لبعض الجهات التي تتقاطع أجنداتها مع الطرف الإسرائيلي، فهناك من يتوهم بأن التصعيد المتناهي دون سقف، والذهاب إلى المجهول في التعاطي مع استفزازات الكيان الصهيوني، هو الوسيلة المثلى للخروج من هذا البرميل القابل للانفجار وتحويل المنطقة إلى بركان مدمر.
الدبلوماسية الأردنية والتنسيق الأردني الفلسطيني المستمر لتطويق برميل البارود الإسرائيلي يتكرس وتكرس بشواهد كثيرة، ليس أقلها الزيارات المكوكية التي يتبادلها جلالة الملك مع الرئيس الفلسطيني في عمان ورام الله، وباللقاءات الثنائية المشتركة ما بين الوزير الصفدي ونظيره الفلسطيني صائب عريقات، والزيارات الأخيرة التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير علي بن الحسين إلى رام الله ولقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وكذلك زيارة وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء سامي الداوود إلى مقر المقاطعة في رام الله ولقائه الرئيس عباس ومشاركته نيابة عن الدولة الأردنية في احتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد المجيدة.
المحطات والخطوات الملكية الضاغطة على الجانب الإسرائيلي من جهة والرامية إلى ترتيب الجبهة الداخلية من جهة ثانية، لا تعد، وإن كان أبرزها توجيه الملك الحكومة ومجلس النواب بالعمل على استعادة أراضينا في الباقورة والغمر، ومناورة سيوف الكرامة، ولقاءات جلالته مع وجهاء وممثلي عشائر البلقاوية، وشيوخ ووجهاء عشائر بئر السبع ، ومتابعة جلالته تمريناً عسكرياً نفذته قيادة الحرس الملكي الخاص بعد أقل من أسبوعين على مناورة سيوف الكرامة.
وكذلك صدور الإرادة الملكية السامية بالموافقة على قرار مجلس الوزراء تعيين عطوفة اللواء الركن حسين محمد سالم الحواتمة، مديرا للأمن العام، اعتبارا من تاريخ 16 – 12 – 2019، وتكليفه بالإشراف على دمج الدفاع المدني وقوات الدرك تحت مظلة مديرية الأمن العام.
هذه الخطوات الملكية المتناغمة على مسارين متوازيين داخلياً وخارجياً بهدف رص وتمتين وحدة الجبهة الداخلية لمقاومة الضغوط الخارجية، لا يمكن فصلها عن الموقف الرسمي والشعبي الأردني من اتفاقية استيراد الغاز.
في هذا الصدد يقول رئيس لجنة فلسطين في مجلس النواب الأردني، النائب يحيى السعود، وفي معرض رده على سؤال "جفرا نيوز" إن كان سيمضي الأردن في تنفيذ اتفاقية استيراد الغاز؟ بالنسبة لنا في مجلس النواب هناك حراك نيابي مكثف في هذا الموضوع ونحن مصرون على أن نمنع الحكومة من المضي في تنفيذ الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي.
وبسؤاله إن كان النواب يلمسون استجابة من الحكومة لمطالبهم فيما يخص التراجع عن استيراد الغاز من الجانب الإسرائيلي، يوضح السعود أن المناقشات والمداولات مستمرة بين النواب والحكومة، لافتاً إلى أن الحكومة لم تبلغ مجلس النواب بموقفها النهائي من الاتفاقية حتى اللحظة.
حول ملف الغاز، يرى خبير اقتصادي تحدثت إليه "جفرا نيوز" ورفض الكشف عن هويته، أن هناك اعتبارات عديدة تتحكم بالموقف الأردني، فالمشروع ليس إسرائيلياً صرفاً، بل إن إسرائيل طرفاً فيه، لكن هناك أيضاً جهات دولية أخرى لها ثقلها في قطاع الطاقة تستثمر بالمشروع.
ووفقاً للخبير فإن لوبي الطاقة قوة دولية فاعلة لا تقل من حيث التأثير عن لوبيات ومجمعات صناعة الأسلحة، وهذه قوة تستثمر في مشاريعها العملاقة التي تشكل حزام أمني اقتصادي للقوى الغربية كل من البنك والصندوق الدوليين.
يلفت الخبير هنا إلى أن حجم الأموال التي تم ضخها في المشروع تنوف عن عشرات المليارات من الدولارات، وأن الأرقام التقديرية الأولية تشير إلى أن المشروع سيحقق عوائد استثمارية تزيد عن 15 مليار دولار سيتم اقتطاعها من الجانب المصري، فيما سيتم اقتطاع مالا يقل عن 10 مليارات دولار من الجانب الأردني، وهي أرقام تؤشر على مدى ضخامة المشروع.
الأردن هنا – بحسب الخبير الاقتصادي- هو الحلقة الأضعف، ولا يستطيع أن يبدو كمن يعرقل مشروعاً ممولاً من جهات دولية ترى أن المشروع سيكون نواة لتعزيز التقارب بين شعوب المنطقة ويسهم في تقليص أصوات النشاز اليمينية الراديكالية المتطرفة غرب وشرق النهر في ظل ما سوف يتحقق من ازدهار اقتصادي على مستويات أخرى يجري التخطيط لها.

