النسخة الكاملة

قصة أحمد عبدالهادي

الأربعاء-2019-11-06 01:17 pm
جفرا نيوز - جفرا نيوز- الدكتور محمد أبوعمارة   لم يكن أحمد عبدالهادي مستعداً لهذا الموقف، فهو لم يتخيل في يوم من الأيام أن يحدث ما حدث كيف لا وهو المعطاء دوماً في أسرته وبين أصدقائه وجيرانه.... فلم يعتد على قول كلمة لا لأي موضوع وكان يرفض مبدأ لا أستطيع و يحارب لعدم قول كلمة آسف، فكان يلبي طلبات الجميع ولو كانت على حساب وقته وماله وصحته، وتطور الموضوع عنده وزاد عندما صار أباً فبعد زواج أحمد وإنجابه لإبنه الوحيد (عبدالهادي) لم يستطع ولا لمره واحده أن يبخل على إبنه في مال ولم يستطع أيضاً قول كلمة لا له أبداً أو رفض أي طلب فكانت طلبات (عبود) الصغير أوامر وكان يُصّر على أنه وبالحنان والعطاء يستطيع كسب قلوب الجميع وتعديل سلوكياتهم من السيء للحسن.
وتوالت الأيام مع أحمد وبدأت بعض الأمور تنكشف له إلا أنه بقي كما هو دون أن يغير أي شيء في سلوكه أو عطائه وزاد إصراره على أن اللين والعطاء هما أهم أسباب النجاح وكان المحيطون به يعاتبونه دوماً على كثرة العطاء وأن هناك عددٌ من الأشخاص يحيطون به لا لشيء إلا لعطائه ولو أنه توقف عن عطائه ولو لمره واحدة لشاهد وجوهاً أخرى لهؤلاء وسلوكيات مفاجئة لهم... إلا أنه أصر على الإستمرار بأسلوبه معللاً أن "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"... ولكن حادث ما حصل معه جعله يعيد حساباته ولكن ربما في وقت متأخر فبعض الأمور يفسدها مرور الوقت ولا تصلح إلا بوقتها....
استيقظ أحمد عبدالهادي يومها مبكراً كعادته ليتوجه إلى الشركة التي يديرها ليتفاجأ بأن ابنه الوحيد (عبود) غير موجود في المنزل وصلت مفاجأته للدهشة حينما سأل والدته والتي أجابت وهي تبكي بأنه في المركز الأمني منذ ليلة الأمس ولا تدري هي لماذا؟! 
وعند سؤالها لماذا لم تخبره بذلك !!! أجابت بأنها لم تعتقد بأنه سيتأخر إلى هذا الوقت لأنه عادة ما يتأخر لوجه الصبح، ولكن في هذه المره طال التأخر كثيراً واتصل بها المركز الأمني قبل قليل ليخبرها بذلك!!! يتأخر دوماً وأين كنت أنا؟!! سؤال دار في بال أحمد...
-أنت لم تكن تسأل ولم تكن  تعاقب لذلك لم أعد أخبرك بجميع الأمور لم يستفق (أحمد عبدالهادي) من صدمته إلا عندما توجه مسرعاً للمركز الأمني الذي يتم توقيف ابنه فيه، لم يستطع مقابلة مدير المركز مباشرة لإنشغال الثاني بأمور كثيرة ولدى سؤاله عن ابنه لم يكترث العاملون في المركز بسؤاله كثيراً وكانوا يجيبونه: "هو أنت مش عارف؟!!" أو "بالله عليك جد جاي تسأل عن عبدالهادي؟!"، انتظر بفارغ الصبر قدوم مدير المركز الأمني وما أن سُمح له بالدخول حتى قال: "سيدي... أنا ابني معتقل لديكم من امبارح والشباب المحترمين مش راضيين يحكولي ليش!!! ممكن أعرف ليش ابني محبوس، بعد إذنك طبعاً وآسف للشباب ما بدي تأخذ إجراء معهم لأنهم مؤدبين..." -مين ابنك؟  -عبود... عفواً عبدالهادي ونادى مدير المركز: "جيبولي ملف عبدالهادي"، وعندما وصله الملف كان عبارة عن مجموعة أوراق وقلب أحمد ينبض بسرعة... قال مدير المركز : انت لم تزرنا سابقاً؟! ياسيد... سيد أبوعبود! -لا يا سيدي ولا مره بحياتي... ولا حتى عمري خالفت مخالفة سير! -طيب يا سيد أحمد، ابنك أحد اصحاب القيود الجرميه وكمان تم القبض عليه وهو يتعاطى مخدرات!!! -قيود جرميه؟!! شو يعني -الشباب بره بشرحولك.... -طيب يا بيك، بقدر آخذه معي!!! -لا والله يا سيدي رح يطول هالمره عنا شوي!!! -هالمره!! ليش كان قبلها؟! -لا حول ولا قوة إلا بالله يا رجل لا تجنني عامل حالك مش عارف إنه ابنك مجرم!! -أنا إبني مجرم؟ مستحيل يا بيك شو اللي بتحكيه!! -لو سمحت استنى بره لأنه عندي شغل كتير... -لا يا بيك والله ما أنا عارف، وهنا سقط أحمد نفسياً، جلس على كرسي وإنهارت الذكريات أمام ناظريه!!! فعلاً عبود كل يوم كان يتأخر وعند سؤاله كان يجيب كنت أدرس عندي صديقي وكنت أصدقه وكان يغيب بالأيام ويغلق تلفونه وعند سؤاله كان يجيب عند صاحبي وأنا أصدق – دايماً أعطيه نقوداً- نقوداً... نقوداً...نقود ... شعور بالخيبة والإحباط والإنهزام والفشل كان شعور أحمد... وبعد مرور عدة ساعات سمح لأحمد بمشاهدة ولده عبود الذي قال لأبيه حينما رآه: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك أنت اللي دمرتني!!" أحمد : أنا اللي دمرتك!! عبود: طبعاً، عمرك ماربيتني كل شيء مسموح مسموح مسموح... بس أنت كنت بنظري بنك نقود عمرك ما قلتلي لا... أحمد: لأني بحبك ما حرمتك من إشي... ووفرتلك كل شي... عبود: وفرتلي كل شي إلا الأب... وحرمتني من التربية وهنا إقتاد الشرطة عبود إلى سيارة الأمن لنقله لمكان آخر... وكانت هذه الكلمات أصعب وأقصى ما سمع أحمد في حياته... غادر أحمد المركز الأمني وهام بالطريق لا يدري أين وجهته ولكن فكرة أنه هو من دمرّ ابنه كانت تسيطر على تفكيره!! مرّت الأيام على أحمد حبيس المنزل دون أن يطرق بابه أحد وهو الذي توقع أن لا يفرغ بيته من المواسين الذين طالما أحسن إليهم بل وعلى العكس كان يصل إلى مسامعه كم الإشاعات التي تشاع عن قصته وقصة ولده أشياء لا تخطر على البال فتارة أن ابنه تم القبض عليه وهو يروج للمخدات التي يبيعها والده وتارة أن سبب ثراء أحمد هو الإتجار بالمخدرات وتارة غسيل أموال وقصص بدأت ولم تنتهي.. عاد أحمد إلى عمله وحياته ولكنه كان منكسراً وشعور بخيبة الأمل يسيطر على تفكيره وتساؤلات عنده كانت تثار كل لحظة هل أخطأت في الإفراط بالدلال؟!!
هل أخطأت في الإفراط بتصديق الآخرين؟! هل أخطأت في الإفراط بجلد الذات؟!
مرت الأيام سراعاً وخرج عبود من السجن بعد انتهاء فتره الحكم ليستنتج أحمد بأن ابنه بحاجة لعلاج من الإدمان وعلاج نفسي... زاد موضوع أحمد تدهوراً، تدهورت صحته ونفسيته وكان كلما زار ابنه في مركز علاج الادمان يزداد تأنيب ضميره... يا ترى هل فرط الدلال هو ما أدى لذلك!! سؤال طارد أحمد طيلة الوقت وكم حاول التهرب منه إلا أنه لم يفارق تفكيره إلا عندما فارق الحياة!!
مدير عام مدارس الرأي      ومؤسس مدارس كنجستون الدولية
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير