مأزق استراتيجي أردني: الاحتفاظ بسياسة «الحياد والتوازن» يزداد صعوبة والخسائر تكبر
الأربعاء-2017-11-08 01:22 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز- بسام البدارين:
يعزف المدعو محمد علي الحوثي رئيس ما يسمى باللجنة الثورية الممثلة للحوثيين باليمن على الوتر الحساس الغامض، عندما يُصنّف الأردن ضمن الدول التي تحارب الشعب اليمني، مع أن الجانب الأردني رفض المشاركة عسكرياً من البداية في تحالف عاصفة الحزم، ودفع ثمناً لذلك من عمق علاقاته مع السعودية.
الحوثي الثوري كما يُلقّب في صنعاء وبرغم أن عمّان سبق أن استقبلت خلال الحرب قيادات من أقربائه على أمل تفعيل الحوار اليمني الداخلي، قصد أن يجمع الأردن ومصر في تحذير واحد خلال مخاطبته تجمعًا لأنصاره في العاصمة اليمنية لمناصرة الشعب الفلسطيني. وكان لافتًا جدًا للناظر أن يوجه الحوثي علنًا تهمة مخالفة للمنطق والواقع، ولا سند لها بعنوان مشاركة الأردن في حصار الشعب الفلسطيني مع النظام المصري، مع أن الأردن ليس طرفاً بحكم الجغرافيا في حصار غزة وحدوده مع فلسطين هي الرئة الوحيدة لأهل الضفة الغربية.
هذا النمط من الاتهام يبدو سياسيًا في المقام الأول وقبل أي اعتبار آخر خصوصًا في حالة جمعه مع تهمة أخرى غير صحيحة باسم المشاركة في الحرب على الشعب اليمني، علمًا أن الأردن رفض منذ انطلقت عاصفة الحزم إرسال أي قوات إلى اليمن وتأثرت علاقاته العميقة مع السعودية والإمارات نتيجة هذا الموقف.
في كل الأحوال وزن هذه الاتهامات من الحوثي خفيف وبعيد عن مصداقيتها المشكوك فيها، عمليًا تبقى اتهامات تثير الارتياب بأن الحوثيين يوجهون رسالة غامضة للأردن هنا تمثل سابقة في مجمل التعاطي مع الملف اليمني.
وهي رسالة توحي ضمنًا بدور خفي للأردن أو دور مستقبلي وشيك خلف الكواليس من دون قرائن أو أدلة. والمرجح أن اتخاذ الأردن مواقف سياسية متوازنة ودقيقة تحاول إرضاء الأطراف كلها لم يعد مقبولاً من جهة الأطراف نفسها المتصارعة بشكل متزاحم على أجندات إقليمية أقرب للمواجهة والصدام المفتوح بين كتلتين، الأولى؛ سنّية بقيادة السعودية. والثانية؛ شيعية بقيادة إيران، خلافاً للمنطق الفكري والسياسي الأردني الذي يدعو إلى حوار المذاهب، ويحذر من الهلال الشيعي ومن الحَقْن الطائفي، الأمر الذي ورد على لسان الملك عبد الله الثاني شخصيًا مرات عدة.
قبل ذلك في سياق مشابه، لكن أكثر غرابة، وجه كاتب وناشط قَطَري بارز هو الدكتور محمد المسفر الصديق القريب للدولة الأردنية رسالة تحذير لم تتفكك ألغازها بعد، عندما حذر الأردن علنًا، في مقال نشر محليًا في عمّان من التورط في مخططات معادية لدولة قَطَر والتدخل لمصلحة طرف في أزمة الحصار. ولم يدلِ المسفر هنا أيضاً بشروحات، وترك الساحة السياسية والإعلامية الأردنية أمام لغز محيِّر حيث لا يرصد الرأي العام أي تطور في الموقف الأردني ضد أو مع دولة قَطر وحيث قررت القيادة الأردنية مبكراً عدم التدخل.
تحذير المسفر هنا له بالتأكيد خلفية وبعض الساسة يجتهدون ومن باب التحليل بالإشارة إلى أن المخططات الإماراتية المصرية لا زالت مناهضة لدولة قَطر وتعمل تُجاه التصعيد العسكري ضدها، فيما يُعتقد أن عمّان لديها مستشارين في هذا السياق مع مصر والإمارات، الأمر الذي دفع المسفر من باب محبته المرصودة والمشهودة للأردن لإطلاق تحذيره.
معنى الكلام هنا أيضاً أن دول حصار قَطر تأخذ على الأردن عدم مشاركته في موقف يتجاوز مطالبة السفير القطري بمغادرة عمّان عندما تم تدشين الحصار فيما يبدو أن الجانب القَطري في المقابل يريد التخفيف من وطأة إصرار الأردنيين في كواليس العلاقة على أن موقفهم من الدوحة تميز بالتوازن ولم يتحمس للحصار، وإن كان قد رفض التوسط على أساس أن خلافات البيت الخليجي انفعالية ومعقدة ويخسر كل من يتدخل فيها.
يعني ذلك في المحصلة أن استراتيجية الأردن الدبلوماسية في الحرص على عدم اتخاذ موقف حاسم في الصراع الخليجي اليمني، وإن كانت مفيدة للمصالح الأردنية يثبت اليوم أنها قد لا تكون مرضية لكل الأطراف وسط استمرار الإيحاء بوجود أجندة خفية واحتمالات وسيناريوهات انحياز لطرف دون آخر يحتفظ بها الأردنيون، وهو ما لم يثبت على الأقل علنا في السياسات والمواقف المعلنة.
في المنطق عينه تفقد الدبلوماسية الأردنية وزنها النوعي المألوف وهي تعتزل كل الصراعات من دون مواقف حادة وجذرية لمصلحة أي من المحاور الإقليمية. ويرى سياسيون محليون أن البقاء في هذا المستوى من الحياد والاعتقاد بإنتاجية لعبة التوازن وسط المحاور والقفز بين المواقف أصبحت مكلفة اليوم وتؤثر في بنية المصالح الحيوية الأساسية والاقتصاد الأردني.
يسوق أصحاب هذه الحُجّة أدلة متعددة وقرائن على عدم انتاجية الاستثمار الدبلوماسي الأردني في أوراق مثل الحياد والتوازن فالموقف من الصراع في اليمن انتهى باتهامات الحوثي المشار إليها ووقف برنامج الاستثمار المالي السعودي. والعلاقات المتينة أمنياً وسياسياً مع موسكو أخفقت في إعادة فتح معبر نصيب. فيما الاتصالات المتنامية مع حكومة حيدر العبادي في بغداد لم تسمح بعد بإطلاق مشروعات اقتصادية وتجارية والميل لمصلحة دول الحصار الخليجي نتج عنه الحذر الشديد في الانفتاح مع تركيا.
يسأل الجميع في الحالة الأردنية اليوم عن إمكانية الاسترسال في لعبة الحياد والتوازن وسط أجواء الإقليم المشحونة في مواجهة اللعبة الأكبر بين المحاور ومراكز القوى ويسأل سياسيون كبار من بينهم الدكتور مروان المعشر عن الأدوات التي يمكن أن تقود المصالح الأردنية وسط هذا التلاطم.