الهتاف لوصفي التل في الأردن… ما هي الرسالة؟
الأربعاء-2016-12-07 01:00 am

جفرا نيوز - جفرا نيوز- بقلم: بسام بدارين
لم يسبق للأردنيين في ملاعب كرة القدم تحديدا ان هتفوا باسم رئيس وزراء سابق كما حصل في ظاهرة لافتة للنظر الاسبوع الماضي خلال احدى المباريات حيث تم تداول شريط فيديو يظهر جمهور الكرة يهتف باسم رئيس الوزراء الراحل وصفي التل.
الهتاف كان يقول باختصار «فوق التل وتحت التل.. احنا رجالك وصفي التل».
قبل ذلك برز بشكل غريب وغير مسبوق ميل شعبي جارف لاستذكار الرجل واستعراض مسيرته ليس فقط عبر وسائط التواصل الاجتماعي ولكن عبر المنابر السياسية ايضا حيث كتب عنه آلاف المواطنين وزار قبره مئات النشطاء وعقدت في الذكرى الـ 45 لاغتياله المشؤوم سلسلة كبيرة من اللقاءات والندوات.
لا يحظى رئيس وزراء سابق بالمكانة الاجتماعية والوطنية المستقرة في وجدان الناس بالأردن كما حظي وصفي التل رغم الجدل السياسي الذي يطال تجربته وشخصيته في الكثير من الاوقات والاحيان.
الصور ومقاطع التسجيل الصوتي والفيديوهات التي نشرت خلال شهر فقط حول وصفي التل شكلت ظاهرة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها او اسقاطها من حسابات التحليل خصوصا في ابعاده المتعلقة بالعمق الاجتماعي ووظيفة النخبة السياسية.
وصفي التل يتحدث عن المزارعين.. ثم يقابل سفراء دول اجنبية.. ويحتضن اطفالا فقراء ويداهم مقرات حكومية للتفتيش عليها ثم يجمع ملفات الارشيف الامني ويحرقها امام الكاميرا بما في ذلك القيود المسجلة لدى المخابرات ويدلي بخطاب فصيح باللغة العربية ومؤثر باللغة الانكليزية.
تلك كانت بعض الصور التي ظهرت فيها سيرة الرجل خلال اربعة اسابيع فقط حيث احتار حتى السياسيون الكبار في محاولة تفكيك لغز هذا الاهتمام الشعبي الكبير بشخصية وطنية رحلت عن الدنيا قبل اقل من نصف قرن بقليل.
.. يحصل ذلك لهدف وفي اطار رسالة لا يمكن المبالغة فيها فالوجدان الشعبي لا يمكن تزييفه او تزويره بالعادة والقصة قد لا تكون وعلى الارجح ليست كذلك قصة وصفي التل الشخص او الفرد او المسؤول بقدر ما هي حكاية الحنين الكبير والشوق العظيم لشخصية ادارية من نخب رجال الدولة مثقفة وصلبة ومقنعة وقادرة على اتخاذ قرار.
الحديث عن مبالغات الاردنيين في الاحتفال في الذكرى الاخيرة لرحيل وصفي التل لأسباب سياسية او حتى جهوية وانقسامية قد لا يعكس حقيقة الامر والواقع لأن موجة الحنين لطبقة رجال الدولة يمكن تلمسها ورصدها ومصافحتها في كل ثنايا وزوايا المشهد الداخلي الاردني.
لا يناكف الاردنيون بعضهم او غيرهم بهذا التفاعل الكبير مع شخصية مؤثرة في تاريخهم السياسي الحديث فوصفي التل شخصية توافقية حتى رغم محاولات عدة جهات اختطافه لذاتها على حد تعبير المفكر الكبير عدنان ابو عودة ووصفي التل حالة نادرة في البعد الاداري لأنه كرس الكثير من وقته كرئيس وزراء للاختلاط بالناس والتحدث مع البسطاء منهم اكثر من الجلوس في المكاتب وادعاء الفخامة والوسامة.
لا يرصد الباحثون حتى في السنوات العشرين الاخيرة مؤشرات ترفع او غرور في تاريخ وصفي التل على المواطنين الاردنيين.. تلك مسألة اساسية في التحليل لأن الاحتفاء بسيرة الرئيس الراحل قد يعبر في جزء حيوي منه عن حالة الرفض المستقرة اجتماعيا في هذه المرحلة لطبقة رجال الادارة والحكم والدولة حيث لا مصداقية في بعض الاحيان ولا هيبة في الكثير منها ولا تأثير او بصمات مباشرة على الناس في كل الاحيان.
بهذا المعنى يمكن القول ان المبالغة في التعبير الرمزي عن استذكار مرحلة وصفي التل تعبر في نقطتها المكثفة عن شوق الشارع ولهفته لرموز مقنعة في الادارة العليا ولطبقة رجال الدولة التي اندثرت من الذين لا يمكن المزاودة على تواضعهم ووطنيتهم وثقافتهم.
طلبت من نخبة من الطلاب والاساتذة في احدى الجامعات الحكومية تزويدي باسم مفكر او مثقف سياسي واحد موجود الآن في طبقة الادارة العليا في المؤسسات الرسمية الاردنية.. صمت الجميع ورأيت بعيني ستة على الاقل من اساتذة الجامعة يخفقون امام طلابهم في ذكر نموذج واحد يمكن ان يبدد روايتي التي اتهمت اصلا في وقت سابق بالعبثية.
وصفي التل كان شاعرا ومثقفا بامتياز ويقرأ ويكتب باللغتين الانكليزية والعربية قبل نحو ثمانين عاما، وأحد مجايليه اقسم امامي بانه كان يحرص على مطالبة اي صديق قادم من الخارج بإحضار افضل المجلات والمطبوعات المتخصصة معه حتى وان الرجل وهو رئيس الوزراء كان يفاجئ المسؤولين تحت امرته من المدنيين والعسكر بسعة اطلاعه وحداثة معلوماته.
طبعا نتحدث عن اكثر من سبعين سنة مرت وهدف الحديث لا علاقة له بمناقشة وصفي ومرحلته وبكل الاحوال ثمة ما يمكن الاتفاق عليه او الاختلاف معه لكن الاهم بتقديرنا الشخصي هو ضرورة تفكيك ألغاز الشوق الشعبي الجارف لحالة مماثلة يمكن حتى الاختلاف معها ولكن على قاعدة الثقة بوطنيتها والايمان بأحقيتها في الصدارة والحكم والادارة.
هنا حصريا مربط الفرس فالاحتفاء الشعبي بذكرى وصفي التل لا تقف دلالاته عند الحنين والشوق لطبقة رجال الدولة وكبار الرموز بل تتجاوز باتجاه رسالة واضحة من الايقاع الشعبي تندد ضمنيا بالطبقة الموجودة وتلفت نظر الدولة والمؤسسة بالنتيجة إلى الحاجة لمغادرة أزمة الادوات ورموز الحكم المستعصية.

