ازدواجية الجنسية..."درء المضار أولى من كسب المنافع"
الأربعاء-2016-04-27 01:42 pm
جفرا نيوز -
جفرا نيوز- د. محمود عبابنة
انشغل الرأي العام الأردني بموضوع مشروع التعديلات الدستورية الجديدة والتي تضمنت من ضمن ما تضمنته حق تعيين ولي العهد ونائب الملك حصراً للملك، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بعض قادة الأجهزة الأمنية ورئيسي السلطة القضائية والمحكمة الدستورية، كما تضمنت هذه التعديلات السماح لمزدوجي الجنسية بعضوية أي من مجلس الأعيان أو النواب، وكذلك حق تولي المناصب العليا بالدولة بما فيها مناصب الوزراء، وقد أشيع أن الأسباب الموجبة لهذه التعديلات التي حطت علينا بصورة مفاجئة وسريعة دون سابق مناقشة هادئة، تهدف إلى تعزيز الفصل بين السلطات الثلاث، وتعزيزاً لاستقلالية القضاء والقوى الأمنية.
مما لا شك فيه أن تفويض الملك بصلاحيات التعيين المشار إليها لاقت ترحيباً وتأييداً كبيرين، ورأى المؤيدين لذلك مسعاً لتحصين الأجهزة الأمنية الحساسة من خطر احتمال وقوعها تحت تأثير القوى والأحزاب السياسية على افتراض أن تقود البلاد في المستقبل أحزاب برلمانية، ولا شك أن الترحيب الشعبي وعدم معارضة تفويض الملك بتعيين قادة الأجهزة الحساسة يعكس حب الأردنيين لقائدهم وثقتهم وتعلقهم به أكثر من أي مبدأ دستوري يجري الالتفاف عليه، وهم يأملون بالمحافظة على مهابة مؤسسة العرش وإبعادها عن أي نقد أو مواجهة مباشرة، حتى لو تضمنت النصوص وجهة نظر أخرى. كما رحبت الأوساط الشعبية بتمديد مدة رئاسة مجلس النواب لمدة سنتين بدل السنة، هذا الترحيب لم يتوازى أو يتساوى في ما يتعلق بالسماح لمزدوجي الجنسية بتولي المناصب السيادية العامة، حيث تبلور رأي معارض لدى الأوساط الشعبية المعارضة لهذا التوجه، انطلاقاً من فهمهم لموضوع الولاء والذي رأوا فيه انشطاراً لا يقبل الجمع، فحاجة الوطن من المسؤول لا تقل عن ولاء مطلق لا يعتوره شك أو إبهام، كم أنه لا بد من التذكير أن ذلك يتعارض مع المادة
10 من قانون الانتخاب الذي لم يجف حبر التصديق عليه والذي ينص على أن المرشح يجب أن لا يحمل جنسية دولة أخرى. بالإضافة إلى التساؤل عن سر الرجوع عن القاعدة الدستورية وبواطن الرغبة في الرجوع عنها بعد مدة قصيرة نسبياً، على اعتبار أن قواعد الدستور تتسم بالرسوخ والثبات أكثر من باقي التشريعات.
وعلى الرغم من جواز تولي مزدوجي الجنسية المناصب السيادية في الولايات المتحدة وبريطانيا، وأنه من الجائز أن يكون حتى رئيس الولايات المتحدة أو رئيس الوزراء في بريطانيا من مزدوجي الجنسية، إلا أنه لا يمكن إسقاط كل ما تقره أنظمة الدول الغربية علينا باعتباره قدراً محتوماً، فللمجتمعات والدول خصوصياتها أيضاً، حتى أن الدول الغربية تختلف فيما بينها على توزيع السلطات وهياكل التشريع القانوني، ولكنهما يتفقان على الغايات السامية، كتحقيق العدل، والديموقراطية، والمساواة، وتكافؤ الفرص، كما أن للفرد الذي تربى مئات من السنين على الحرية والنظام الديموقراطي، والشفافية، ومبدأ عدم تعارض المصالح، يختلف عما تعوّد عليه الإنسان بالمنطقة العربية الذي تربى على مبدأ "جوز أمي هو عمي"، فمثلاً أقدم المرشح الأمريكي "تيد كروز" طواعية على التخلي عن الجنسية الكندية التي كان يحملها إلى جانب الجنسية الأمريكية التي يشترط الدستور الأمريكي أن تكون مكتسبة بالولادة للسعي للرئاسة، وكذلك فعل "مايكل باكمان" الذي تخلى عن الجنسية السويسرية التي كان يتمتع بها إلى جانب جنسيته الأمريكية وهو ليس مضطراً لذلك.
والسؤال الذي يطرح نفسه هل يفعل الأردنيون نفس الشيء إذا قرروا الترشح لمجلس النواب أو تعيين أحدهم بمنصب الوزير؟، الإجابة على هذا السؤال تحسم وتكشف سر معارضة غالبية الناس لمبدأ ازدواجية الولاء Dual Loyalty ، الكلمة المرادفة لازدواجية الجنسية Dual Nationality، وهذا ما أخذت به دول عربية وأجنبية مثل ألمانيا ومصر.
المرافعة التي قدمها بعض النواب والكتّاب المحترمين ومفادها أن حرمان مزدوجي الجنسية من تولي المناصب السيادية وحرمانهم من حق توظيف خبراتهم التي اكتسبوها من الخارج هو إجحاف بحق المساواة للأردنيين حاملي الجنسية المزدوجة وأن ذلك معمول به لدى كثير من الدول المتقدمة، هذا القول من وجهة نظر قانونية يفتقد إلى الحجية، ويعتريه قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال، لأن المساواة تطلب تطابقاً في المراكز القانونية، فالمركز القانوني لحامل جنسية دولة أجنبية ويستظل بحمايتها، ويصعب تسليمه إلى الدولة الأخرى لا
يتساوى مع من يحمل جنسية واحدة، بالإضافة إلى صعوبة تحديد الاختصاص القضائي في ما يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية الخاصة بمزدوجي الجنسية، أما القول أن الولاء مسألة قناعة وليست وثيقة سفر، فإن الرد هو أن الجنسية لا بد أن تقود إلى اندماج الفرد في المجتمع واحترام قيمه وتقاليده، ولا يمكن أن يندمج فرد واحد في أكثر من مجتمع قد تختلف فيه القيم والتقاليد والمبادئ، ويزيد بعضهم ويقول أن ذلك قد يحرم الوطن مما قد يجنيه هؤلاء من قدرة على التقرب من الدول الأجنبية التي يحملون جنسيتها، والحصول على منافع آنية، والجواب على ما يدعونه: هو الحكمة أو القاعدة القانونية التي تقول: "درء المضار أولى من كسب المنافع"، "ويدفع الضرر العام بالضرر الخاص والأشد بالأخف".
وختاماً.. لا يوجد تشريعات أو أعراف دولية متماثلة، فموضوع الجنسية موضوع يختص بسيادة الدول وهو متروك لها لتتعامل معه حسب ظروفها الموضوعية ومعطيات القانون والسياسة، فبعض الدول تعطي حق الانتخاب لمزدوجي الجنسية وتمنعهم من الترشح للمجالس التشريعية، وفي الأردن لا يوجد ما يمنع مزدوجي الجنسية من تولي المناصب العامة شريطة التنازل عن الجنسية الأجنبية، فإذا كان التنازل عنها من أجل الوصول إلى المناصب السيادية العليا في الدول الراقية أمراً دارجاً بالعرف رغم تشابه القيم والمبادئ بين هذه الدول الغربية، فلماذا لا نُقَونِن ذلك ما دمنا لا نفعل ما قام به مرشحو الرئاسة الأمريكية من تنازل عن جنسيتهم غير الأمريكية بطواعية، وبذلك يبقى الباب متاحاً لمن يرغب بالعودة إلى وطنه ودخول غمار الخدمة العامة.