د.حدادين في ندوة نظمتها مجموعة الحوار الوطني : هبوا للدفاع عن ثقافتنا وعن قوميتنا -صور
الخميس-2015-08-06 10:34 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز
استضافت مجموعة الحوار الوطني الدكتور منذر حدادين في ندوة تميزت بالحيوية العالية، تحدث خلالها عن اللحمة ذات الأسس الراسخة المستقرة في القران الكريم والتي تربط اتباع الديانتين الاسلامية والمسيحية بشكل عام يضاف اليها عناصر عديدة تكرس هذه اللحمة في الاْردن.
كما تحدث الدكتور حدادين جزئيا عن نظرة مسيحيي الاْردن للاوضاع في الإقليم وفي الاْردن بعد تكاثر المنظمات الارهابيه التي تتستر بالإسلام، مؤكدا على ان مصير الأردنيين كافة واحد.
ادار الندوة التي عقدت في نادي ابناء الثورة العربية الكبرى الاستاذ محمد داودية.وفيما يلي النص الكامل للمحاضرة:
أيها الأخوات والإخوة الأفاضل
ألا انعموا مساء وطابت كل أوقاتكم، وزاد طيبكم في كل الأوقات والأحايين.
أبدأ بتقديم الشكر لكم، يا أبناء الثورة العربية الكبرى، على تشريفي بالحديث إليكم هذا المساء وأزجي جميل العرفان لمعالي الأخ محمد داودية لمبادرته بدعوتي نيابة عنك للحديث إليكم كواحد من إخوانكم المسيحيين المشرقيين الممتدة جذورهم في بلاد العرب إلى ما قبل رسالة النبي العربي الأمين صلوات الله عليه وعلى رسل الله الواحد أجمعين.
ويطيب لي أن أبدأ حديثي إليكم بحدث طفقت أخص به زملائي المسلمين وهو حدث مصداق لقوله تعالى: ” ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون”.
كنت قبلت عرضاً أكاديمياً للتدريس في جامعة ولاية أوريغون ببلدة كورفالس بالولايات المتحدة عام 2001 وفي الأوقات المحددة للطلاب في مكتبي دلف إليه طالب طويل القامة نحيفها أشقر الشعر أبيض الوجه وسيمه واسمه Case Bowman وقال من ضمن حديثه إلي: "هل تأذن لي بسؤال شخصي؟” فأذنت له وقال” سمعت أنك تدين بالمسيحية” أجبت ” والذي سمعته صحيح” فقال: "سؤالي هو كيف تحولت أنا البعيد عن الأراضي المقدسة آلاف الأميال، كيف تحولت إلى الإسلام بينما أنت في وسط الأراضي المقدسة ما زلت تدين بالمسيحية؟”
فاجأني سؤاله حقاً إذ لم يسبق أن سألني جواباً عليه أحد، وأجبت وسط المفاجأه: ” من أين أصولك؟” قال: "جدي هاجر إلى هنا من اسكتلانده.” قلت: "أترى؟ إن جذورك في هذه الديار عمرها للآن ثلاثة أجيال وتستطيع أنت الجيل الثالث أن تقتلع جذورك وتعيد غرسك وإنباتك في أرض غريبة دون كبير عناء وستحيا بعدها حياة ترتضيها. أما أنا فإن جذوري حيث أقيم ضاربة في الأرض عمرها عشرات القرون، فإذا حاولت مثلك نزع جذوري لإنباتها في بيئة أخرى فلا فرصة لي للحياة. وعلى كل حال إذا دق عليك أمر في الإسلام فإنني أرحب بك كي أشرحه لك وتفهمه، فالإسلام ثقافة لي وحضارة.”
ثم جاءني Case بعد أسبوع ودعاني إلى مناظرة يعدها بين اليهودية والإسلام، فذهبت إليها في الموعد وعقدت في مدرج متوسط السعة بالجامعة، وجلست في الصفوف الخلفية العليا من المدرج ورأيت شخصاً يتزيا بلباس العرب جالساً أمام السبورة وطفقت أبحث عن اليهودي المناظر ولم أعثر عليه إلا بعد أن قدمه عريف الحفل السيدCase وكان يتزيا بلباس الغرب أبيض الشعر متقدماً في السن وقدمه على أنه أستاذ الاقتصاد في الجامعة لا لكنة في حديثه ولا لحَن. بينما اللكنة في حديث صاحبنا واضحة جلية يصعب على الحضور فهم حديثه بسببها. وكان حديث صاحبنا سطحياً تناول قصة آدم وحواء ومادة علمها لنا أساتذتنا في المدرسة العبدلية في الصف الرابع ابتدائي، أما حديث الأستاذ اليهودي فكان ثيولوجيا راقياً فصيحاً مفهوماً.
بدأت بعد أن قدم كلا المناظرين ما أراد تقديمه، بدأت مناظرة بينهما وكان اليهودي يكسب بالنقاط تباعاً، وشعرت أن قدماً تسحق قدمي إزاء ما يحدث. وجاء تعليق للأستاذ اليهودي يقول فيه: "أنتم في الإسلام ليس عندكم قانون لإنفاق الصدقات مثل ما عندنا في اليهودية إذ أن إنفاق الصدقات مقنناً نلتزم به. هنا نهضت من مقعدي وطلبت من Caseأن يأذن لي بالرد عوضاً عن صاحبنا. وأذن لي طالبي بالرد وقدمني للحضور على أنني أستاذ من الأردن. فقلت للأستاذ اليهودي: ” مع كل احترامي لقانون إنفاق الصدقات في اليهودية أعترف بأن ذلك القانون هو من وضع رجال الدين اليهود ممن اجتمعوا في طبريا وقننوا العديد مما لم يكن جلياً في الدين اليهودي. أما في الإسلام فإنفاق الصدقات جاء بقانون رباني أنزل على النبي محمد، ولأنه كلام رباني سأتلوه كما أنزل ثم أتبعه بالترجمة إلى الإنجليزية: ” بسم الله الرحمن الرحيم، إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.” وقمت بالترجمة بعد ذلك، وأضفت مخاطباً الأستاذ: وأنا متأكد من أن ادعاءك بغياب قانون في الإسلام ناجم عن جهل بالإسلام وليس عن نية التهويش على الإسلام وسمعته. وفوجيء الأستاذ اليهودي بالرد فقال:
"أنتم المسلمون في بلادكم تمارسون التمييز ضد المسيحيين واليهود ولا تسمحون لهم بفرص تجانس الفرص المعطاة لكم.” محاولاً استمالة الحضور ذي الأغلبية المسيحية، ونهضت ثانية من مقعدي وتناولت هوية الأحوال المدنية من محفظتي وأريتها للحضور بالقول إن هذه الهوية تصدرها حكومة المملكة الأردنية الهاشمية وهي الوثيقة الرسمية لإثبات تمتعي بالجنسية الأردنية، وتقول في وجهها أن اسمي هو كما قدمه عريف الحفل المحترم، وتقول في وجهها الآخر أن ديانتي هي المسيحية. فأنا المتحدث إليكم مسيحي، ولقد بلغت في بلدي الذي فيه الإسلام هو دين الدولة بلغت من المراتب ما لم يبلغه معظم الشباب المسلمين، وعلاوة على ذلك فإنني حين أجادلهم في الدين لا يستطيعون الوقوف في وجهي، فما الذي تقصده يا سعادة الأستاذ من ادعائك التمييز بين أتباع الديانات في البلد المسلم؟ إلا أني على يقين أنك بقولك لا تبغي إلحاق سيء السمعة بالإسلام وإنما قلت الذي قلته لجهل منك في الإسلام، ونصيحتي أن تقرأ عن الإسلام ووسطيته وعدالته قبل أن تتحدث فيه. وكان لردودي وقع طيب في الحضور وحيوا أقوالي بالتصفيق.
لدى انتهاء المناظرة ذهبت إلى ممثل المسلمين في المناظرة وسألته من أين هو فأجاب أنه من ليبيا وأنه شيخ المسجد في عاصمة الولاية وهي مدينة سالم. فقلت له: لي عندك رجاء آمل أن لا أخيب، ورجائي هو إن جاءك من يطلب ظهورك في مناظرة أو مناسبة تخص الحديث عن الإسلام أرجوك أن تعتذر وأن لا تواجه الغير في مناظرة كهذه خدمة للإسلام والمسلمين. ولم يعجبه رجائي. انتهت قصة ذلك الحدث.
وأريد أن أعلن على مسامعكم ومسامع الغير أنني كمسيحي مشرقي لست غريباً في هذه البلاد ولا على المسيحية، فوجودي فيها وجود المسيحية ذاتها، وما بقائي على دين المسيحية إلا شهادة على وسطية الإسلام وعلى قبوله الآخر. وتزدان جذوري برسالة النبي العربي الأمين إلى نصارى نجران وإلى نصارى طور سيناء كما تزدان بزيارة الوفد الأردني برئاسة مطران إيلة يوحنا بن رؤبه إلى النبي العربي الأمين في تبوك حين أكرم وفادتهم وألبس المطران بردته.
ويزدان الوجود المسيحي في تاريخنا قبل الإسلام بمآثر العديد من شعراء العربية ويزدان أيضاً بكون الزوجة الأولى للنبي هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن عبد مناف بن قصي بن كلاب المسيحية الديانة والزواج. ونزهو بدور المسيحيين في الفتوحات العربية الإسلامية وخاصة في فتح بلاد الشام إثر معركة اليرموك وفتح بلاد فارس إثر القادسية وما سبقها من معارك جلولاء والجسر والبويب وما تلاها من فتوحات أرمينيا وبلاد ما وراء النهر، وبدورهم في فتح مصر وشمالي إفريقيا والأندلس. فقد ساهمت قبائل تغلب وغسان وجذام ولخم وكلها كانت تدين بالنصرانية في هذه الفتوحات بشكل حاسم.
وتقوى جذورنا بالأدوار التي لعبها المسيحيون في قيام الدولة العربية وفي الدواوين والترجمات عن الإغريقية واللاتينية. ولي أن أخص بالذكر الدور الذي قام به الأمير حسان بن مالك بن بحدل الكلبي المسيحي الديانة الأردني الهوية في تثبيت ملك بني أمية بعد وفاة الخليفة معاوية الثاني بن يزيد بن معاوية. إذ أقدمت أقاليم الحجاز والعراق ومصر ومعظم سورية على بيعة عبدالله بن الزبير بن العوام، فوالده الزبير من صحابة الرسول من العشرة المبشرين بالجنة وجده العوام بن خويلد بن أسد هو ابن عم خديجة زوجة الرسول الأولى وكذلك ابن عم ورقة بن نوفل بن أسد أسقف مكة والعوام أيضاً كان زوج صفية ابنة عبد المطلب عمة الرسول العربي الأمين. فحقه في الخلافة واضح وقد نازع بني أمية (معاوية ويزيد ومعاوية الثاني) على الخلافة وتمترس ضدهم في البطحاء مكة المكرمة.
أعود إلى دور الأمير حسان بن مالك بن بحدل الكلبي ( وأبوه مالك شقيق ميسون بنت بحدل الكلبي أم يزيد) في تثبيت ملك بني أميه، ففي إثر بيعة الأقاليم لعبد الله بن الزبير خرج مروان بن الحكم أقرب الأمويين إلى معاوية خرج على رأس وفد من دمشق لمبايعة عبدالله بن الزبير فاعترض طريقه الأمير حسان في الجابية وطلب إليه أن يعود بوفده إلى دمشق لأنه أي مروان بن الحكم أولى الناس بالخلافة. وشاركه في إقناع مروان بن الحكم كل من عبيدالله بن زياد بن أبيه وعمرو بن سعيد بن العاص وعمل الأمير حسان على جمع كلمة القبائل اليمنية لتدين بالولاء لبني أمية وكان رد فعل أنصار ابن الزبير بقيادة الضحاك بن قيس الفهري ومعه زعيم قنسرين زفر بن الحارث أن عملوا على جمع كلمة القبائل الفيسية لتبقي ولاءها لابن الزبير. التقى الجمعان في مرج راهط بالقرب من دمشق وكانت الغلبة للقبائل اليمنية وثبت ملك بني أمية في مروان بن الحكم بعد أن بايع الناس حساناً بن مالك أربعين يوماً.
هذه عمق الجذور وصلابتها في تاريخنا العربي وهي جذورنا ومنها نستقي أدوارنا. فلا غرو إذن ولا غضاضة أن نرى آل البستاني من مسيحيي لبنان يحرصون على اللغة العربية نحوها وبلاغتها وآدابها فيحفظونها من بطش الحكام الأتراك في أواخر القرن التاسع عشر أيام سيطرة حزب تركيا الفتاة على الحكم، ولا غرابة أن نرى رواد النهضة العربية الحديثة من المسيحيين أمثال خليل السكاكيني المقدسي وسليم تقلا وشقيقه بشارة مؤسسَيْ دار الأهرام وجرجي زيدان مؤسس دار الهلال ونجيب الريحاني ونجوم المهاجر أمثال جبران خليل جبران صاحب "النبي”
وميخائيل نعيمه وإيليا أبي ماضي وفوزي معلوف ورشيد سليم الخوري ( الشاعر القروي) وغيرهم كثيرون والشخصيات العقائدية والسياسية من مثل بشاره الخوري وميشيل عفلق وجورج حبش وقسطنطين زريق وغيرهم كثيرون. ولا بد من التنويه بالدور العظيم الذي لعبه حاكم الحجاز شريف مكة الحسين بن علي الهاشمي الذي كان أكبر شخصية في العالم العربي والإسلامي. ففيما بين السنوات 1915-1917 أدان عدة مرات وحشية تركيا الفتاة وقادتها أنفار وطلعت وجمال. وفي خطاب أرسله نيابة عن السلطة التنفيذية للحجاز أمر الشريف حسين كلاً من ابنه الأمير فيصل والأمير عبد العزيز الجربه تقديم كافة أنواع الدعم للأرمن والدفاع عنهم "كما تدافعون عن أنفسكم وعن أبنائكم وممتلكاتكم ". وفي خطاب آخر أكد الشريف حسين أن القادة الأتراك "انفصلوا عن العالم الإسلامي وعن القرآن والسنة. إن جريمتهم بارتكاب مجازر الأرمن ليس لها علاقة بالإسلام وفضائله”.
ولا أدل من القرآن الكريم في تبيان علاقة المسلمين مع غيرهم من أصحاب الديانات التوحيدية ففي سورة البقرة الآية 136 نجد الأمر الرباني للمسلمين بقوله تعالى: "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا
أوتِي َمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.” وقوله تعالى في سورة المائدة الآية 69: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. وغيرها آياتٌ كثرٌ تحث على التقارب والتآخي بين أصحاب الديانات التوحيدية. هذا ما نراه في الإسلام الذي أنزل كتابه القرآن عربيا. وهو الأساس الذي نعتمده معتقداً للمسلمين في تعاملهم معنا وتعاملنا معهم. وإذا أضفنا إلى كل ذلك الأصول العربية لمعظم مسيحيي المشرق من غسان وجذام ولخم وتغلب نرى أن عوامل اللحمة بيننا وبين أخواننا المسلمين عوامل يأمر بها الدين وتمليها الروابط القومية والتاريخ المشترك وكذلك المصير المشترك.
وها قد بلغْتُ من الكبرِ شأوا، ونشأت في مدارس المملكة أيام كانت وزارة التربية والتعليم هي وزارة المعارف، ولم أشعر مطلقاً أنني مختلف عن زملائي المسلمين حتى إنني تعمدت حضور حصص الدين الإسلامي مع زملائي يعطيها المرحوم الشيخ محمد عبده هاشم. وكانت مرتبتي في مبحث الدين الإسلامي عام 1955 الأول!
فإذا أمعنت في سرد خبرتي الشخصية أسائلكم: ما الذي أعادني إلى بلادي عام 1970 بعد أن اكتسبت إقامة دائمة في الولايات المتحدة لحصولي على درجة الماجستير في الهندسة المدنية وحصولي على درجة الدكتوراه بعد ذلك وكلا الدرجتين من جامعة أميركية مرموقة، وحصولي على وظيفة في البحث الهندسي في أرقى مراكز البحث في ميداني، أسائلكم ما الذي دفعني للعودة إلى البلاد وكنت قد نشرت أوراق بحوث في المجلات المرموقة المحكمة حصلت واحدة منها على جائزة أحسن بحث للعام 1972 من جمعية المهندسين المدنيين الأميركيين ؟ والجواب على سؤالي لكم هو مثل في الأعجمية يقول "The call of the wild”. وفي أمثالنا العامية الأردنية قول حكيم هو: ” ربّوني وأنا بعرف أهلي.” أجيب أنني عُدْتُ استجابة لنداء بلادي على لسان رئيس الوزراء آنذاك المرحوم الشهيد وصفي التل. عدت ولم أكن مديناً لبلادي كما هم مدينون للخدمة فيها كل من بعثته البلاد بعثة للدراسة، فلقد أتممت كل دراستي الجامعية والدراسات العليا ولم أكلف بلادي أية نفقة مالية ولم تبتعثني كما فعلت لغيري من الطلاب رغم أن ترتيبي في امتحانات المترك كان الأول على الضفة الشرقية والخامس على الضفتين عام 1957. أقول عدت استجابة لنداء الوطن وقد أنهكته الحرب ونتائجها وأنهكته الصراعات المحلية وأوقفت نموه. ويحكى في أدبنا القصصي أن عائلة أشفقت على ذئب رضيع وجدته في الغابة فأخذته واعتنت به أيما اعتناء وربته تربية الرفاه والرفق بالحيوان، شب الذئب عن الطوق وسمعت العائلة ذات ليلة أصوات ذئاب بعيدة في الغابة، ولما أزف الفجر بحثت العائلة عن الذئب الذي ظنت أنه بات أليفاً فلم تجده، فقد كان استجاب لنداء الذئاب من جنسه وهجر الرخاء الغريب عنهم ليعيش في موطنه البري مع أبناء جلدته من الذئاب. عدت في شباط عام 1971 ولم أندم على عودتي أبداً إذ شرفت بخدمة الملك والوطن وشهدت مستوى معيشة أبناء وطني، وخاصة في الأغوار، تحلق إلى المستويات المقبولة بعد عقد ونصف من العمل الشاق المضني.
سألني مسؤول عن حكمة عودتي إلى البلاد بعد أن فُتحت الطريق أمامي في أميركا فأجبته بقول للشاعر إبن الرومي إذ قال:
ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا
فقد ألفتهُ النفسُ حتى كأنه لها جسدٌ لولاه غودرت هالكا
وحبّبَ أوطان الرجالِ إليهُمُ مآربُ قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمُ عهودَ الصبا فيها فحنوا لذلكا
وبعد كل الإنجازات في تطوير الأغوار ووادي عربه استقلت من الخدمة المدنية لأطرق باب الرزق مما يمكنني أن أدفع بثلاث من الأولاد إلى الجامعات الأميركية للاستزادة من العلم. وعملت لحسابي الخاص خارج البلاد وتمكنت بعد أقل من عام أن أبعث ابنتي إلى جامعة واشنطن ثم ابني بعد ثلاث سنين إلى جامعة جورج تاون فجامعة نورث ويسترن ثم بعد سنتين أبعث ابنتي إلى جامعة واشنطن ثم جامعة ديوك. وساعدني في ذلك قليل من القروض الموجهة للعلم والثقافة. وما هي إلا ثلاث سنوات ونيف حتى سمعت نداء الوطن مرة أخرى فالتحقت بوفود الأردن إلى عملية السلام من موقعي في العمل الاستشاري الخاص، وما زلت أسمع من أقارب وأصدقاء اعترافات بعض أعضاء الوفد الإسرائيلي لمفاوضات السلام بأن من أذاقهم صنوف البأس الأردني كان محدثكم هذا المساء، ولي في ذلك افتخار عمل على محو الغصة التي لازمتني وعدّلت ما شعرت به من ذل وهوان في بلاد الغربة يوم العاشر من حزيران 1967 حين تأكدت هزيمة العرب تلك الهزيمة النكراء أمام قوات إسرائيل.
ولقد شارك من المسيحيين الأردنيين في مواجهة إسرائيل غيري من أبناء الوطن الأشاوس، فهناك الدكتور مروان المعشر والمرحوم معالي أنيس المعشر وغيرهما من الأردنيين المسيحيين ممن هرعوا لتلبية نداء الوطن، وقد سبَقَنا جميعاً إلى مواجهة إسرائيل رهط من الشهداء سقطوا في معارك اللطرون وباب الواد وعلى أسوار القدس ثم في معارك قبية ونحالين والسموع وفي حرب 1967 وما تلاها من الاشتباكات في معارك الكرامة وغور الصافي، ومنهم المسيحيون ومنهم أقارب لي سقطوا في نحالين وفي الكرامة. ولا نزاود في الاستجابة لنداء الوطن على هؤلاء الشهداء، فهم حق منا بالثناء، وعنهم نقول:
يجود بالنفس إن ضنَّ الكريم بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود
ولقد شهدنا منذ عام 1970 وانكسار التيار القومي العربي وانحساره شهدنا جميعاً تحول الشعور في بلادنا من زخم القومية التي سادت المشهد العربي منذ نضال العرب من أجل الاستقلال إلى التوجه الديني الذي يصاحب العجز الإنساني عن مواجهة الصعاب والتغلب عليها، وكان علينا أعباء مواجهة نتائج هزيمة عام 1967 وما صاحب ذلك من عجز في إزالة آثار العدوان، وتحولت الأهداف القومية في تحرير فلسطين من البحر إلى النهر تحولت إلى تطبيق ما اعتبره العرب معنىً لقرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967، ثم وبعد الحرب التحريكية عام 1973 انحصرت أهداف الدول العربية في تحقيق نصوص القرار 338 لعام 1973. وفي حين أحجمت سوريا عن تبني القرار 242 لسنة 1967 أقدمت على تبني القرار 338 لسنة 1973 الذي يطلب بتطبيق القرار 242.
ازداد التوجه الديني الإسلامي زخماً واكتسب صبغة سياسية قوية بمرور الزمن، وشهدنا تحولات في مناهج التربية والتعليم تترجم ذلك التحول، ففي حين كانت مناهج اللغة العربية قبل الانكسار وعلى سبيل المثال تزخر بآداب المهجر وأشعاره أصبحت تفتقدها بعد تحول المناهج، كما طفقنا نلاحظ خطباء المساجد يتطرفون في خطبهم الدينية لأغراض سياسية فيتجاهلون النصوص القرآنية التي أشرت إليها ليذكروا بالسوء شركاءهم في الوطن والمواطنة من غير المسلمين، وهو لعمري ما يستهدف بث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد وأيقاظ الفتنة في صفوف المجتمع.
وفي نظري أن كل من يخرج عن النصوص القرآنية في التعامل مع أتباع الديانات التوحيدية هو متطرف دينياً، وهو بالتأكيد لا ينطق باسم الدين ولا يمثل إخواننا المسلمين. ونحن نعي أن الدول الغربية قد أساءت للمقدس عندنا وهو قضايانا الوطنية، وأنها بوعي قد استهدفت فلسطين منذ عام 1916 حين توافق وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا على تجزئة الوطن العربي واقتسام النفوذ فيه ، كما أننا نعي قرارات عصبة الأمم فرض الانتداب على أراضينا عام 1920 وقراراتها بخصوص ضرورة تطبيق وعد بلفور في فلسطين. كلنا نعي ذلك إلا أن كثيراً منا لا يعون أن الدول الغربية في واد والمسيحية في واد آخر. إذ قد استقر في الغرب مبدأ فصل الدين عن الدولة وانتهت بذلك الحروب الدينية في أوروبا كما انتهت سطوة الكنيسة على تسيير شؤون المجتمع. ودليل جهل الكثيرين منا بذلك ما كان يدور في مصر وسواها من أقطارنا أيام حرب البلقان. إذ تعرض الأقباط في مصر للانتقام من قبل أجزاء من المجتمع التي يدين أعضاؤه بالإسلام انتقاماً لما كان يوجهه الصرب (المسيحيون) بسكان البوسنة والهرسك ممن يدينون بالإسلام. وليس هناك علاقة بين أقباط مصر وبين يوغسلافيا أو حتى المسيحيين من سكانها. فهؤلاء من أتباع الطبيعة الواحدة للمسيح وأولئك من أصحاب الطبيعتين، وليس لأي من أولئك أوهؤلاء سطوة على قرارات دولهم السياسية والاستراتيجية.
لا المسيحيون في المشرق بالتأكيد ولا المسيحيون في أوروبا وأميركا بصفتهم الدينية مسؤولون عن تصرفات دولهم السياسية، إذ لا يعقل أن يكون المسيحي الأردني مدافعاً عن قرارات الكونغرس الأميركي بمجلسيه أو عن قرار الإدارة الأميركية في دعمهم جميعاً لإسرائيل على حساب الحق الفلسطيني. وبذلك أسأل: هل وقوف الصين البوذية مع الحق العربي يعبر عن إخاء بين البوذية والإسلام الذي لا يعترف بالبوذية ديناً لبشر؟ ولك أن تقيس الأمور بمثل ذلك.
ثم أطلت علينا جمهرة التنظيمات التي تعلن ثأرها للإسلام من أعدائه، فمن حركة المجاهدين الأفغان التي أنبتتها وكالة المخابرات الأميركية ورعتها بالمال السعودي والسلاح الأميركي لمقاومة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان إلى منظمة القاعدة التي ولدت من رحم حركة المجاهدين الأفغان إلى حركة طالبان التي خرجت من رحم المدارس الدينية الوهابية في باكستان وما تلا ذلك من دخول التطرف في هذه التنظيمات إلى بلاد العرب في اليمن والصومال ومن ثم القاعدة في بلاد ما بين النهرين فالدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام ثم حركة النصرة في سوريا وأنصار بيت المقدس في سيناء، وخلافها من المنظمات المستهلكة للمال العربي والسلاح الأجنبي لتعمل في مجتمعاتنا قتلاً وذبحاً وتدميراً للبناء والحضارة. أطلت علينا هذه المنظمات ونشرت الرعب في أراضي أقطارنا وهجَّرت الملايين من سكانها مسيحيين ومسلمين، كل ذلك باسم أحكام الدين. وأين هذه الأحكام الشيطانية القاضية بالذبح وبالتدمير من قوله تعالى: ” ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا” الإسراء 33.
ويذكرني هذا الاتصال بين الولايات المتحدة وحركات التطرف الإسلامي بما سمعته شخصياً من وزير الخارجية الأميركية الكساندر هيغ في تشرين ثاني 1982 بعد مجازر صبرا وشاتيلا. ولقد سمعته ورأيته يتحدث إلى قائدً فذً من قادة منطقتنا بقوله: "في تقييمنا فإن الخطر الداهم على المنطقة (يعني الشرق الأوسط) هو خطر الشيوعية ولذلك نرى ضرورة تقوية الحركات والأحزاب الإسلامية لأنها سد منيع يحول دون انتشارها.” وأجابه القائد الفذ بالقول "مع كل احترامنا لتقييمكم فإننا نرى أن الخطر الداهم على المنطقة هو استهتار إسرائيل بالمقررات الدولية وجنوحها للعدوان، ولذلك نرى أن من واجب أصدقاء إسرائيل أن يقوِّموا فهمها وتبيان حقيقة أن سلوكها هذا لا يصبُّ في مصلحة أمنها وبقائها.”
وأنتقل الآن إلى ما قد يجول في خاطركم. إذ لعل الغالبية فيكم أيها الحضور الأكارم تكاد تسألني: "كيف تشعر إزاء تهديد هذه المنظمات المتطرفة؟ هل أنت من أهوالهم في مأمن؟”
والجواب عندي ذو شقين فيهما اتساق واتفاق: الشق الأول ديني وجوابه أنني أشعر بمأمن منهم كما أنتم المسلمون تشعرون، إذ لدينا جميعاً قيادة واعية فذة تدرك المخاطر وتستعد لها بجيش ممتهن وأجهزة ساهرة لتأدية واجباتها، والشق الثاني سياسي استراتيجي يؤكد الأمن لي ولكم ولكل أبناء وطننا، فأمن المنطقة بأسرها أكثر حساسية بأمن بلدنا من أمن سواها من البلدان كسوريا أو العراق. وليست هناك فرصة، في تقييمي المتواضع، لنجاح أية مغامرة قد تستهدف أمن الأردن واستقراره حتى وإن أعطيت لبوس الديموقراطية ومحاربة الفقر فجهود الأردن في بناء الديموقراطية وفي محاربة البطالة والفقر يشهد لها اهتمام قائده العميق بها ومتابعته لإنجازات حكوماته حيالها.
ومن منبركم هذا أنادي جموع أهلينا الذين بهم يتزين الأردن بتعددية الأصول والمنابت وتعددية الدين والمذاهب وتعددية الأجناس والقوميات وهي التعددية التي أثرته وتثريه وميزته في تآلف مكوناتها وتعاضدهم، أنادي جموع أهلينا أن هبوا للدفاع عن ثقافتنا وعن قوميتنا وهبوا للحفاظ على الدين القويم من أن يختطف وتُرتكبَ باسمه الجرائم ضد الإنسانية. هبوا للوقوف معاً للذود عن حياضنا وحياض أمة العرب التي أكرمها الله بأن جعلها خير أمة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهل أنكر من ذبح الإنسان ذبح الشياه؟ هبوا لإحياء أمجادنا في إثراء الحضارة الإنسانية ونشر أسباب التقدم والرقي في دهر غلبت فيه المادة كل القيم الروحية التي جاءت بها الأديان.