الشريف يكتب: انتقال السلطة... الصحافة نموذجا
الثلاثاء-2015-04-20 09:14 pm

جفرا نيوز -
جفرا نيوز-
اسماعيل الشريف
يفاجئني دائما ظن الناس بمقدار سلطتي- هنري كاردوزو، الأب الروحي للبرازيل
كنت مخطئا، كتبت مرات عديدة وتحدثت على الملأ بأن مساهمة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي والمؤسسات والشركات التابعة لها في الصحف قد أدى إلى تراجع حرية الصحافة في الأردن، وكانت وجهة نظري هذه منطقية، فالضمان يملك أغلبية مقاعد مجالس الإدراة في أهم صحيفتين، الدستور والرأي، ومجالس الإدارة هي من تعين رؤساء التحرير والمدراء العامين، لذلك فمن المتوقع أن تكون الإدارات العليا متناغمة مع الحكومات وإلا فمسألة تغييرهم سهلة، فرئيس الوزراء سيوعز لوزير العمل الذي هو رئيس مجلس إدارة الضمان والذي بدوره سيوعز لمدير الوحدة الاستثمارية في الضمان والذي سيوعز إلى ممثليه في مجالس إدارات الصحف بتغيير إدارات الصحف، وتعيين آخرين ترضى عنهم الحكومة. وكانت وجهة نظري بضرورة انسحاب الضمان من الصحف ببيع حصصها للعاملين في الصحف أو القطاع الخاص.
ولكنني وأنا أتابع ما يحدث في الصحف، عرفت أنني مخطئ، فالعاملين في الدستور أسقطوا أحد رؤساء مجلس ادارتها ومنعوا مديرها العام من دخول الصحيفة ورفضوا خطة لإعادة هيكلتها ووصل بموظفي الرأي إلى إخراج بعض أعضاء مجلس إدارتهم من مباني الصحيفة، وتحولت بين ليلة وضحاها من ناطق باسم الحكومة إلى معارض لها، كل هذا حدث والحكومة تمتلك الأغلبية في مجالس إدارة هذه الصحف، وهم نظريا وقانونيا لهم اليد الطولى!
وصلت إلى قناعة، والصحف مثالا عليها، أننا نشهد زمنا لانتقال السلطة من معناها التقليدي من رجال حكومة وأعضاء مجلس إدارة إلى الإنسان العادي.
ولا شك أن من لديه السلطة والقوة النظرية يعيش لحظات إحباط كثيرة، فهم يعيشون الفجوة الكبيرة بين سلطتهم المتوقعة وبين سلطتهم الحقيقية، بين الإدراك والحقيقة!
فقد أصبحت السلطة أكثر وهنا، ومن يمتلكها أصبح مقيدا أكثر لدى استخدامها. السلطة من السهولة بمكان شراؤها، ولكن من الصعوبة بمكان تطبيقها والاستفادة منها. وأصبحت سلطة العصيان المدني، ذلك المارد الذي خرج من القمقم ذات ربيع، تعير نفسها لمن له القدرة على إدارة الجماهير، فيسعون إلى زيادة الرواتب التى قد تكلفهم وظائفهم، أو يواجهون القوى الرسمية التي ستخرجهم من الصدارة وتحل غيرهم محلهم.
الإنسان ما زال يسعى للسلطة فهي طبيعة بشرية، وما زالت السلطة بمعناها التقليدي موجودة، ولكنها بالتأكيد ضعفت، ودعوني أوجه سؤالا لأي مسؤول امتلك سلطة لفترة طويلة كيف تغير تأثير وممارسة سلطته عبر السنوات؟
وقد قرأت عن دراسات تبرهن وجهة النظر هذه، ففي دراسة لجامعة هارفرد تحدثت عن التغيير في نتائج الحروب من خلال القوة العسكرية، فخلال الحروب التي حدثت من الفترة 1800 – 1849 فإن الجانب الأضعف من حيث العتاد والجنود قد حققوا %12 من أهدافهم الاستراتيجية، ولكنه ارتفع ليصل إلى %55 خلال الحروب التي حدثت في الفترة 1950 – 1998.
ومع ضعف الأطراف التي واجهت أكبر قوة عسكرية في العالم إلا أن الولايات المتحدة لم تستطع حسم حروبها وخرجت من الدول التي احتلتها، وكانت %80 من إصابات الجيش الأمريكي نتيجة عبوات ناسفة في أفغانستان و%70 في العراق، مما اضطر البنتاغون إلى صرف سبعة عشر مليار دولار لشراء خمسين ألف جهاز لقطع الاتصالات.
لقد أصبحت السلطة والقوة هذه الأيام بيد الشارع، فالثورة المعلوماتية، وحرية التعبير غير المحدودة على الشبكة العنكبوتية، وزيادة المتعلمين، والنمو السكاني خاصة في المدن، ومؤسسات المجتمع المدني كانت من أسباب هذا الانتقال.
وعلى أصحاب السلطة التقليدية أن يتغيروا هم أيضا في ممارسة سلطتهم، فالعدل والشفافية والإقناع قد أصبحوا أدوات السلطة الجديدة، ومن لم يستوعب هذه الفكرة فعليه أن يتغير وأن يتعلم قواعد اللعبة الجديدة.
عام 1977 كانت 99 دولة تحكمها ديكتاتوريات، عام 2011 انخفض العدد إلى 22 دولة، أعزائي لقد انتقلت السلطة من العضلات إلى العقول.

