حديث الرفاعي .. حقيقة لا تحتاج لاستئذان ..
الأحد-2015-04-19

جفرا نيوز -
جفرا نيوز - كتب المحلل السياسي - كحال المتابعين لتطورات الساحة المحلية ، توقفت بتمعن عند الاطلالة الاعلامية الملفتة لرئيس الوزراء الاسبق سمير الرفاعي ، من خلال مناسبات اجتماعية وتصريحات اعلامية جريئة في تشخيص الواقع الاردني ، وطرح افكار جديدة عبر الصحافة الالكترونية والمرئية والمكتوبة ، وصولا إلى نشر نص مقابلته الاخيرة مع تلفزيون رؤيا على الصفحة الاولى من جريدة الرأي الرسمية .
وفي مقابل ذلك لاحظت الانشغال في سبب ظهور الرفاعي بدلا من التركيز على مضمون تصريحاته ، لإفساح المجال امام التكهنات ونشر الاشاعات ورسم سينارويهات التغيير الحكومي المقبل ، والعزف على وتر اختلافات الرأي التقليدية بين آل الرفاعي ورئيس الوزراء عبد الله النسور ، اضافة إلى اثارة شهية سماسرة الممانعة لاستثمار فرصة المزاودة على قاعدة المناكفة العبثية .
حبذا لو حرص القلقون من ظهور الرفاعي على الامعان في قراءة مما اثاره حول وضع الاقتصاد الوطني والاضرار الجسيمة التي لحقت بالقطاع الخاص ، نتيجة سياسات الحكومة التي ساهمت بقوة في هجرة الاستثمار المحلي ، واغلاق مئات المصانع و خطوط الانتاج .
وعلى النقيض من ذلك ؛ سارع مطلقو الاشاعات للحديث عن تمهيد لحل مجلس النواب وحل الحكومة ، لمجرد قيام رئيس وزراء سابق بالتعبير عن رايه ، و الخروج عن المألوف ، بممارسة حقه كمواطن في تقييم او انتقاد مواضيع تشغل الرأي العام ، وذلك على الرغم من خروج رؤساء وزراء سابقين في لقاءات حول قضايا شغلت اهتمام الاردنيين ، كإرهاب عصابة داعش ، و الملف السوري ، والقضية الفلسطينية ، وقضية الرواتب التقاعدية للنواب واشاعة ذهب عجلون وغيرها ، وقدموا أراء حمل جزء منها شكل المعارضة بل الغمز على السياسات الرسمية ، واسلوب عمل الفريق الوزاري لحكومة النسور .
مقابلة الرفاعي مع قناة رؤيا الفضائية عادية في ظاهرها لكنها جريئة في مضمونها ، وجاءت بعد سلسة من الآراء الملفتة التي ابداها من خلال مداخلات عبر مجلس الاعيان حول الاوضاع الاقتصادية ، ومحاضرات وجلسات نقاشية ومقابلات صحفية منها مقابلة مع صحيفة الدستور - تموز 2014 - ، تحدث فيها عن قسم كبير من القضايا المحلية ، وانتقد النظام الضريبي و اسلوب التعامل مع قانون الاستثمار والجرأة في زيادة الاعباء على المواطن ..
لقد اثارني الفضول تجاه نشر نص مقابلة قناة رؤيا في جريدة الرأي الاسبوع الماضي ، فلجأت إلى احد المقربين من الرفاعي لتفسير سبب اهتمام الجريدة الرسمية بنشر اللقاء بعنوان رئيسي على صفحتها الاولى والثانية ، وما اذا كان ذلك مرتبطا بتغيير مرتقب ، لكني فوجئت حين علمت بان صاحب العلاقة - أي الرفاعي- ، متفاجيء من اسلوب عرض الحوار ، كما تأكدت من مصادر أخرى بان السبب الحقيقي يعود إلى تردي علاقة الجريدة مع الحكومة ، على خلفية لعبة عض الاصابع بين الطرفين في حل الازمة المالية التي تمر بها المؤسسة الصحفية ، فأراد ناشر المقابلة ان يحرف غايتها نحو اشاعة التغيير الوزاري ، في سعيه للضغط على حكومة النسور بكافة الادوات المتاحة .
ولا يخفى على احد اثر الحديث الشعبي الذي تقدم عليه انتقاد ملكي واضح لسلبيات الاداء النيابي ، مما دفع قنوات اعلامية وسياسية إلى تفسيره بوجود نوايا لحل المجلس ، دون الاخذ بالاعتبارات والاجراءات المستحقة قبل التفكير بالحل ، والتي ستحتم الابقاء على حكومة النسور لتنفيذها قبل التفكير بتكليف حكومة جديدة ، لكن ذلك لا يمنع حقيقة وجود تشنج من جانب النواب والحكومة ايضا ، تجاه أي راي او انتقاد يحرك المياه الراكدة كما فعل الرفاعي الذي لا يرى داعيا لمجاملة الحكومة القائمة أو غـضّ الطرف عن سياساتها في دفع الاقتصاد نحو الهاوية مع ارتفاع حجم المديونية إلى مستوى خطير .
ربما يعتقد البعض بأنه كان على سمير الرفاعي استئذان الافواه والاقلام التي أينعت بعد ما سمي بالربيع العربي وتدعوا نفسها بالنخب الاجتماعية والسياسية ، أو كان عليه اجراء جولة في الصالونات التقليدية التي تمارس التشويش ضد الحكومات ، أو استئذان التيارات الاقصائية التي مارست الاستقطاب واشاعة اليأس وقتل الروح المعنوية لدى المواطن ، لكنه وبرغم ذلك توجه للناس مباشرة وانتقد النخب السياسية التي لم تعد تحمل الجديد ، وشخص الفساد الانطباعي الذي مكن النخب المزيفة من استغلال مشاعر المواطن ، وقدم (اي الرفاعي ) جملة من الافكار العملية التي لربما افزعت البعض لاعتقادهم بانها تشكل ملامح لبرنامج عمل حكومي مقبل .
نعم ؛ هنالك نخب مزيفة في مجتمعنا من متنفعين واصحاب اجندات ، تحرص دائما على أملاء وجهة نظرها وترى في أي فكرة جديدة تهديدا لكشف اكاذيبها والانطباعات التي رسمتها في مراحل مختلفة من تاريخ المملكة ، وهي نفس المنظومة الاقصائية التي سعت إلى تصفية حساباتها الخاصة من خلال تضليل المواطن واثارة مشاعرة لتحقيق مآربها في تهديد الامن والسلم الاجتماعي خلال الآونة الاخيرة .
ربما لا يعلم هؤلاء بان الاردنيين اصحاب ثقافة وفطنة ويميزون ما بين اللغة التي تعبر عن المسؤولية والالتزام نحو الصالح العام وبين الشهوة نحو السلطة التي يلمح اليها المتذمرون من ظهور الرفاعي .
فلا نزال نعاني من تلك المنظومة التي مارست تدمير القيم السامية للدولة والتشكيك والتعتيم ضد كافة الافكار التي تنبع من نوايا نبيلة تجاه الوطن ، اذ اساء طابور هذه المنظومة إلى سمعة الوطن اولا وإلى احلام وآمال المواطن ، وصاغوا اكاذيب حوّلوها إلى شعارات ترتفع بهم إلى مصالحهم الضيقة ، فاستبدلوا حقيقة الانجاز بانطباعات الفساد وترسيخها في اذهاننا وأذهان من يتطلع الينا من الخارج ، وضاعت فرص قوية للإصلاح الاقتصادي والاداري والتنموي، ونفر قسم كبير من الاستثمار العربي والاجنبي ، الذي نعوّل عليه في تحفيز النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل .
مللنا من شعارات تمارس الفساد باختلاق الفساد ، وشعارات تناهض التوريث بينما يسعى اصحابها إلى (تخليد) انفسهم كنخب عفى عليها الزمان ، وشعارات تطالب بالشفافية بينما يمارس اصحابها اساليب التشويش وحجب الحقائق التي ما لم تخدم مصالحهم ، نريد صفحة جديدة وافكارا جديدة ومناخا نظيفا وآراء وافكارا تلامس واقع الحياة .
نريد برامج تعبر عن الدولة الاردنية كدولة شابة في اقليم هرم وتعبر عن طموحها في الخروج من التحديات إلى مستقبل افضل ، نريد الخروج من جمود الواقع الذي يحرم الوطن من استثمار طاقاته الشابة ، ويزيد القلق من المستقبل المجهول .
فقد اضعنا كثيرا من الوقت والفرص في تقيم المسيرة، بالانحياز للأشخاص والاصطفاف خلفهم ، بدلا من الانحياز إلى الافكار والبرامج ، التي تشخص الخلل وتقدم الحلول العملية والمضمونة .

