بدران: هذه قصة زيارتي السرية لبغداد بعد قصفها
الأربعاء-2015-02-25 01:47 am

جفرا نيوز -
جفرا نيوز - "لم أرَ الراحل الحسين حزينا، كما رأيته في تلك اللحظات"، بهذه الكلمات وصف رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران، يوم قصف بغداد من قبل قوات التحالف الدولي، في كانون الاول "يناير" 1991، حيث اجتمع الملك الحسين، رحمه الله، بكبار المسؤولين يومها، متحدثا عن جهود الاردن لعدم الوصول الى هذا اليوم.
بدران، يكشف في حلقة اليوم من "سياسي يتذكر" مع "الغد" قصة وتفاصيل رحلته السرية الى بغداد، ثاني ايام القصف الاميركي والدولي لعاصمة الرشيد، وكيف التقى هناك بنائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان ووزير الخارجية طارق عزيز، ليفتح الاردن بعدها خط تموين بالغذاء والدواء للعراق تحت القصف، بل وحتى امداد البلد النفطي ببعض المشتقات النفطية بعد تكرير نفطه الخام في الاردن.
ويستعرض بدران ايضا استعدادات الاردن عشية الحرب على العراق، وكيف تم التحضير والاستعداد لكل الاحتمالات، مشيرا الى ان هاجس مهاجمة اسرائيل للاردن، في حالة ضربها بصواريخ العراق، بقيت قائمة، وكيف كانت الخشية الاساسية لدى الحكومة من ضرب سلاح الجو الاسرائيلي لمصفاة البترول الاردنية.
وكان بدران تحدث في حلقة أمس عن تفاصيل اوسع حول اخطر المراحل التي مرت على الوطن العربي والمنطقة مطلع تسعينيات القرن الماضي، الا وهي ازمة احتلال العراق للكويت، واندلاع حرب الخليج الثانية، وما خلفته من تداعيات وتغييرات عميقة في المشهد السياسي والجيوسياسي للمنطقة.
وتناول ايضا بالتفصيل التحركات السياسية والدبلوماسية، التي واكبت تلك الازمة، وجهود الاردن واتصالاته، لسحب فتيل الازمة، وحلها سلميا بعيدا عن الخيار العسكري.
وفيما يلي نص الحلقة الثلاثين
* نبقى في اجواء الازمة العراقية الكويتية، وعشية الضربة العسكرية لبغداد، كنت تجتمع مع مجلس النواب في لحظات حرجة، وهل كان موقف النواب، ثابتا حيال الموقف الرسمي في تلك اللحظة؟
-كانت جلسة ساخنة، واختلفت فيها مع بعض النواب، وانفعلت، وسامحوني على انفعالي، خصوصا أنني اوضحت لهم الحقائق، وأغلقت باب المزاودات، وقلت لهم: "كلنا وطنيون"، ولا أحد يستطيع أن يصادر هذه الصفة من الآخر.
أجبت على بعض الاستفسارات المستفزة، والقصد، كان حتى لا يزاود أحد على موقف حكومي أخذناه في ظل ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد.
وشرحت لهم بأننا ومن خلال تحركات الملك الحسين، والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، غير متفائلين، وقد هدفت تلك التحركات لعقد لقاء بين صدام والملك فهد، وأن الفرصة فاتت على مثل هذه المحاولات، وحتى أن البريطانيين الذين أبدوا مرونة في بعض مواقفهم، ودعوا للحل العربي العربي، لم يعد ينفع التغيير الطفيف في موقفهم، خلال الأشهر الأخيرة للأزمة.
بدأ النواب يطالبون باستعدادات لمواجهة الحرب، وإذ بمطالبهم خيالية، لا نقوى عليها بتلك المرحلة، فوضع الموازنة صعب، والوضع الاقتصادي يعاني من وقف المساعدات العربية والأجنبية، وهذا يجعل مطالبهم غير منطقية.
وقلتها في تلك الجلسة: "لقد أوقفت الشحدة من دول الخليج"، بسبب الظروف تلك، وطالبتهم بتحمل الظروف، والتمسك بالموقف الوطني من الأزمة.
وعن مطالبهم بمناقشة الخطط العسكرية، صدمت أكثر، فكيف أسمح بذلك!، لأن الخطط العسكرية لا تناقش في مجلس النواب، ولا يتم الاستعراض بها على التلفزيونات، فنكرر أزمة نكسة حرب الـ67، وشرحت لهم خطنا الإعلامي الذي نعمل به على جبهات متوازية، وأبلغتهم بأن العراق لا يستعرض بقواته العسكرية، على التلفزيونات، وأنك تذهب لبغداد لا تجد أي مظهر عسكري، فلماذا أقوم أنا بهذا الدور!.
وأكدت لهم بأننا نقف إلى جانب العراق لمواقفه معنا منذ العام 1978، وهم ما قصروا يوما في تجاوبهم معنا اقتصاديا، ومن طالب من النواب، بأن يبدأ الراحل الحسين، بجولات لعواصم عربية، قلت له: نحن قيل لنا "لا تأتوا" وتحملنا كل ذلك بحثا عن المصلحة العربية.
عاد النواب ليطالبوا بتسليح المواطنين، وأبلغتهم بأننا أقررنا موازنة العام، وبعجز بلغ 300 مليون دولار، ولا طاقة لنا بتأمين نواقص القوات المسلحة، وطلبنا من دول صديقة دعمنا بالسلاح، لسد بعض احتياجاتنا العسكرية.
وعن تأمين المواطنين بالأقنعة لمواجهة أي ضربة كيماوية، كنت صريحا، وقلت "لا طاقة لنا بالأمر"، لكن على الجميع أن يعرف أننا وفي قمة تشاؤمنا لا نتوقع أن يكون الأردن ميدان قتال، لكننا محتاطون جيدا بكل الاجراءات الوقائية الممكنة. وعن تأمين متطلبات الحياة اليومية، كنا قد اشترينا مضخات متنقلة، واشترينا مولدات لتشغيل الأفران إن انقطعت الكهرباء، ووزعنا المواد التموينية على المحافظات بحجم عدد السكان.
* في تلك اللحظات أيضا، كان أبرز تحرك عربي هو زيارة ياسر عرفات الأخيرة، لبغداد قبل قصفها، ماذا كان الهدف منها، وأين الأردن الرسمي في تلك اللحظة عشية ضرب بغداد؟
- طرحت مبادرة من قبل مجلس النواب اليمني، وكانت متأخرة، وغادر عرفات بغداد، وأبدى خلال لقاء إذاعي له، مع الإذاعة الأردنية، تفاؤلا بموقف صدام. لكن عاد ليطرح خيارا آخر، بأن يأتي السيناريو المقترح من مجلس النواب اليمني، بمباركة من مجلس الأمن، فيمررها عرفات لصدام، ويوافق عليها الأخير، لكن الوقت كان أسرع من كل ذلك، وقد غادر عرفات إلى بغداد، قبل القصف، ولم يعد بعدها إلى عمان.
أما عن سؤالك، وأين كنا؛ فقد كنا نفكر بمنتهى الجدية والحذر، باستقبال نحو 750 ألف وافد، سيصلون الحدود الأردنية من العراق، وكيف سنتعامل مع متطلبات مرورهم ومغادرتهم من الأردن، وكيف سنؤمن إقامتهم حتى نستطيع تأمين سفرهم.
وقالت وزارة الخارجية بأننا قد نتعامل مع عودة 100 ألف أردني وفلسطيني من الخليج، وهؤلاء مواطنون ومقيمون، وليسوا عابري طريق.
وكان من أصعب التحديات في تلك اللحظات، التي نشتبك فيها مع الهم السياسي وفشله، والخيار العسكري وتداعياته للازمة العراقية، هو ارتفاع استهلاك المواطنين من المواد الأساسية، مثل الأرز والسكر والطحين والزيت، الى الضعف، وكيف سنواجه مثل هذا الاستهلاك، فالناس تخاف من الحرب، ويزيدون مؤونتهم، ونحن نعد بحسابات التموين، بأدق تفاصيلها خوفا من تطورات الحرب وأيامها، وأعلنا وقف المسيرات والتظاهرات، حتى لا يكون الخطر أكبر، وقلنا وعملنا بشعار "تضافر الجهود، وليس تظاهر الوجود".
*بدأت الحرب؛ وقصف التحالف الدولي بغداد، وجاء ما تخافون منه، هل من تقييم للحظات الاولى من المعركة، تود أن تضعنا في صورته؟
- نعم كان يوم السابع عشر من كانون الثاني (يناير) من العام 1991 يوما حزينا، ومؤلما، وطويلا وصعبا.
مباشرة اجتمع الراحل الحسين مع لجنتي الطوارئ في مجلس الأمة ومجلس الوزراء، لم أر الحسين حزينا، كما رأيته في تلك اللحظات، وتحدث بحديث بالغ الأهمية، وكان صلبا في موقفه، وشعرت في تلك اللحظات، وكأنه يرثي الوحدة العربية والتضامن العربي والعمل المشترك.
وتحدث وسط الحضور، وقال: القضية في نظري ليست قضية إنسان (صدام حسين)، هم على خلاف معه، إنما قضية شعب قدم لنا جميعا، وفي كل المواقف الصعبة، وهو شعب شكل ظاهرة جديدة في عالمنا العربي، من حيث قدراته العسكرية والبشرية والمادية، وجنوحه لتوظيفها لمصلحة الإنسان العربي في الوطن العربي الكبير.
وتابع الحسين قوله: العراق خرج قويا بعد حربه مع إيران، وأوضح، رحمه الله، مساعيه في تطويق تداعيات الأزمة، وأنه أخذ التزاما من العراقيين بالانسحاب من الكويت، وعقد قمة عربية مصغرة في الرياض، ولكن موقف البعض على صعيد الجامعة، والقيادات كان مخالفا، لما اتفقنا عليه، ووقع ما خشيناه.
وزاد الحسين أوصدت الأبواب على الصعيد العربي واستمرت المشاورات حتى قبل أربعة أيام.
الراحل الحسين كشف لنا جميعا، عن جهود قام بها رئيس الديوان الملكي الشريف (الأمير) زيد بن شاكر، حيث زار الرياض في محاولة أخيرة للحل، وكان على أساس الحوار العراقي السعودي المباشر.
وأطلعنا جميعا، بأن السعوديين قالوا لابن شاكر، أن يذهب للعراق، ويطالبهم بالانسحاب الفوري، وإذا رفض العراقيون التصريح بذلك، أن يصرح هو بموقفهم، وقال الحسين بأن هذه الخطوة، كان يريد منها السعوديون إعطاء الضوء الأخضر للعملية التي بدأت.
وقدم الراحل الحسين، وصفا عسكريا للموقف، وهو أن الهجوم الهائل من الطائرات، المدعومة بكل امكانات وتجهيزات الحرب الالكترونية، وتشويش أنظمة الاتصالات، ستكون متلاحقة، وحتى، إن توقفوا عن عمليات القصف مؤقتا، فإنهم سيباشرونها من جديد، بعد دراسة النتائج للضربة الأولى.
وقال: نبهنا اخواننا في العراق، أن هذا ما سيحدث، وكانوا مطمئنين، من قدرتهم على استيعاب الضربة الأولى.
كان اللقاء صعبا، لكن الحسين، رحمه الله، شحننا بمعنويات عالية، وتحدث بخلق هاشمي رفيع، عن القيم والمبادئ العروبية، وظل متفائلا بأن تخرج الأمة من تلك الأزمة حرة منتصرة.
كما كشف الحسين عن حراكه السياسي الأخير، والرسالة التي وصلته من ميخائيل غورباتشوف، وتفيد بمحاولة الاخير طلب تأجيل الضربة يوما أو يومين، للاتصال ببغداد للانسحاب، ولكن الضربة الجوية سبقت محاولة روسيا الأخيرة.
كما قال بأن غورباتشوف وجه نداء لمساندته بمهمة سحب العراق من الكويت، وأنه أبلغه بأن العراق لن تنسحب وهي تحت القصف.
وتابع: "لم يتركونا نشتغل على الصعيد العربي، وما عالجوا القضية على الصعيد الدولي، ودفعوا الحالة لما هي عليه الآن".
سأل الحسين عن جاهزية الأمور، ووضعناه بصورة أدق التفاصيل، وأننا جاهزون للتعامل مع الجيش الشعبي، وتوزيعه، وتوزيع السلاح عليه، وخططنا لكي لا يأخذ الأمر وقتا طويلا، وأن الاستدعاء لا يحتاج لوقت طويل، فالتنظيم الهيكلي معد سلفا، والسرايا موزعة ومعروف أماكن تواجدها.
وكنا طلبنا سد النقص في سلاح الأفراد، من روسيا وليبيا، وطرحنا فكرة ترخيص السلاح للمواطنين، القادرين على الشراء، فموازنتنا العسكرية لا تحتمل أي زيادة، فهي بلغت 220 مليون دينار.
قيّمنا في ذلك الاجتماع الخطر من إسرائيل، وقيمنا قدرتها المالية في تزويد جيشها وسلاح جوها، لكن الحسين قلل من أهمية إمكانات إسرائيل، لأن امكاناتها بالمساعدات الأميركية، وليس بقدراتها الذاتية.
شرحنا للحسين أزمة الطحين في البلاد، وأننا واجهناها ببيع الطحين للمطاحن والمخابز فقط، والسيطرة على الكميات المتوفرة، وأن تذهب للمواطنين بشكل مباشر، وهو ما ساعدنا على مراقبة الأسواق.
كما قدمنا تقديرا لمعالجتنا لأزمة الوافدين المتوقعة، فالتقديرات كانت تشير، إلى أن 200 ألف وافد سيتوجهون لتركيا، و200 ألف إلى إيران، و100 ألف لسورية، و750 ألفا إلى الأردن، وهو ما سيجعلنا أمام تحد خطير في مواجهة هذا العدد الضخم.
أبلغنا الراحل الحسين ببدء الاعتراف بسقوط طائرات أميركية في سماء العراق، وقلت له بأن العراقيين قالوا بأنهم يحسبون 18000 طن من القنابل والصواريخ ستسقط عليهم، وتقديراتهم بأن ذلك سيكون بتنفيذ 2500 طلعة جوية.
* في اليوم الثاني من أيام ضرب العراق؛ أطلقت بغداد صواريخها باتجاه إسرائيل، هل بدأ الخطر الإسرائيلي في تلك اللحظة؟
-بدأ الهجوم العراقي على إسرائيل، الساعة الثانية صباحا، في اليوم الثاني لقصف بغداد، كما قلت، قصفت بغداد تل أبيب بـ8 صواريخ، انفجر منها سبعة.
قطعا، التوقعات تقول بأن أي رد إسرائيلي سيستخدم الأجواء الأردنية، وعندها سيقع المحظور، لأننا لن نسمح بذلك، وتعليماتنا تؤكد أن ضرب العقبة سيقابله ضرب لإيلات.
الخوف بالنسبة لنا كان استهداف مصفاة البترول، والتي تعني لنا الحياة أو الموت، فجاء الاقتراح بإطفاء وحدات التكرير، وتفريغها، لتقليل أي خطر إن وقع الأسوأ، واقترحنا تخزين المحروقات بمحطات الوقود.
بالنسبة لأي اختراق إسرائيلي لمجالنا الجوي، كانت التعليمات تفيد بضرب أي محاولة، وأبلغنا الأميركيين بذلك، وعلمنا بأن الإسرائيليين سيتحركون من السعودية، وباختراق للمجال الجوي الأردني، قصير جدا، وقد سمعت أبراج المراقبة عندنا انباء تحرك طائرات اسرائيلية شرقا عبر السعودية.
وكما كانت تقديراتنا تشير إلى أن أي اشتباك جوي لا يعني قصف المصفاة، لأن قصفها يعني حربا شاملة، لذلك أوقفنا وحدات انتاج المصفاة الثلاث لمدة أسبوع.
أذكر في ذلك اليوم، اتصال كل من رئيس وزراء كندا ووزير خارجيتها مع الملك الحسين، وعبرا عن أسفهما لسقوط احد صواريخهم على الحدود العراقية الأردنية، وأبلغهما الراحل بأننا لن نسمح باستعمال أجوائنا، في أي اعتداء على العراق.
* في المذكرات السياسية لرئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، قال عن زيارة سرية لك لبغداد، وهي تتعرض للقصف، وكنت زرتها وحدك، متى كانت هذه الزيارة؟ في الأيام الأولى للحرب؟
-الزيارة كانت في اليوم الثاني للحرب على العراق، وزرتها وهي تحت القصف، ولم يكن أحد يعلم بالأمر.
لقد رتبت الأمر، وقد انزعج من الفكرة كل من الملك الحسين وزيد بن شاكر، لأن في الأمر مخاطرة أمنية عالية، اضافة الى كلفة الأمر السياسية في حال كشف الأمر.
حتى أني جهزت مركبتين للمغادرة، وجهزتهما بالوقود اللازم، كما وضعت وقودا إضافيا، حيث عبأت جالونات بنزين ووضعتها في صناديق المركبتين، واحتطت بمؤونة الرحلة، من مواد غذائية، وأذكر بأني طلبت إعداد الساندويشات والمياه من منزل الأمير زيد بن شاكر، لكي لا تعلم أسرتي بنيتي الذهاب لبغداد خلال القصف، ذهبنا ونحن لا نعلم شيئا عن الطريق، ولا نعلم بطبيعة ظروفها، ولا نعلم عن المدة الزمنية التي ستستغرقها الرحلة.
انطلقت صوب العراق ولم أخبر أحدا من أسرتي، وكان شقيق زوجتي ضمن الكتيبة، على مفرزة الحدود الأردنية العراقية، واستغرب مروري، وأبلغ زوجتي بالأمر، فلما عدت وعرفت وبخته على فعلته.
بدأنا نسير على الطريق، وبالكاد لا ترى أحدا على الطريق، والمشكلة كانت بسهولة استهداف المركبتين، لأنهما تسيران بسرعة ويمكن رصدهما.
كان الهدف من خروج المركبتين، هو إن تعطلت احداهما، تبقى الأخرى تعمل، وسرنا على الطريق الدولي بالسيارات المصفحة، على سرعة 200 كم بالساعة، وكانت مجازفة خطيرة، لأن أي مشكلة على الطريق، قد يصعب تفاديها، بوزن السيارة المصفحة، وهي على سرعتها، لأنها تحتاج مسافة طويلة لكي تخفف من سرعتها وتتوقف، لم تغفُ عيناي لحظة على الطريق، فكان هدفي حفظ الطريق، بشكل جيد، حتى أضمن العودة متجنبا كل الأخطار.
وكانت مغامرة خطيرة، فقد كنا نرى الطائرات الحربية من بعيد، تتجه نحو سماء بغداد، وتقصف وتعود لقواعدها، وكان كل همي أن أعبئ السائقين بالمعنويات المرتفعة، وأن لا يخافا من أي خطر حولنا.
كنا نمر على دوريات الجيش العراقي، وكانوا يطلبون منا الخبز، وكنت استغرب من الأمر، فكيف لم يحسب الجيش العراقي حساب جنوده بالطعام اللازم، خلال ما يتعرضون له من حرب.
بقينا نسير بسرعة عالية، حتى وصلنا بغداد، ونزلت عند سفارتنا، وإذ بها مغلقة، سألت عن الموظفين في السفارة، فأبلغني الحارس بأنهم خرجوا للغداء، واتصل بهم ليعودوا، وسألتهم كيف تغلقون السفارة؟ فقالوا: بأنهم لم يتبلغوا بزيارتي لبغداد، كما أنهم إن لم يخرجوا للغداء، في تلك الساعة، فستغلق المطاعم والمحال، ويمكثون في عملهم من دون طعام، وأبلغوني بأن لا طعام لديهم سوى البرغل، فالخبز والطحين مقطوعان في بغداد.
طلبت منهم أن يتصلوا بطارق عزيز، وطه ياسين رمضان، ويبلغوهما بأني موجود في بغداد وأريد رؤيتهما.
تركت المركبتين، وجاءني "بك أب" عراقي، نقلني لمقر رمضان وعزيز، واستغربت من كل هذه الاجراءات الضعيفة لمواجهة حرب دولية، لا يعرف العراقيون أمدها.
فقد كان طارق عزيز مقطوعا من الوقود، وسألته: إذا كيف سأعود لعمان بهذه الحالة، فالمركبتان انهتا مخزونهما من الوقود!.
واستغربت كيف لهم أن يدخلوا حربهم تلك، من دون أي احتياط غذائي، أو في المحروقات أو الكهرباء، وقلت: أنا في الأردن، ولست هدفا في الحرب، كنت أنهيت الاستعدادات كلها، قبل أن تبدأ الغارات الجوية. نصحت بتأمين كل الاحتياطات اللوجستية في الحرب، ونصحت برسم خطة شاملة، لتأمين بغداد، بكل مستلزماتها من الغذاء والدواء والمحروقات.
وفعلا، فقد كسرت الحصار على بغداد بعدة طرق، وضمنت، أن يستمر تمويني لهم بكل متطلبات الحياة الأساسية، من غذاء ودواء، حتى أني كررت لهم مرات كثيرة، نفطا خاما في مصفاة البترول عندنا، وأعدت إرساله لهم.
لقد كانت مجازفة خطيرة، لكنّ للعراق دينا في رقابنا، وكنت أريد أن أسد بعضه، ومجازفتي كانت، ليس لهذا السبب فقط، بل لأن المواطن العراقي مواطن عربي مسلم، ويجب أن اقف لجانبه، انسانيا بالدرجة الأولى.
عدت بعدها إلى عمان، وكانت عودتي في ساعات الليل، وكانت الطريق موحشة، وكل ما طلبته من السائق أن يمشي في منتصف الطريق، وان لا يرفع قدمه عن "دعسة" البنزين، ولا أن يخاف، فقد حفظت الطريق جيدا، وقد رصدت مواقع تخبئة قواعد الصواريخ المضادة للطائرات تحت الجسور، وكان همي أن نتجاوزها بسرعة، لأنها كانت هدفا سهلا للطائرات الحربية.
وصلنا عمان، واستكملت مابدأت به في بغداد، ونجحت مهمتنا في إسناد العراق بالغذاء والدواء والمحروقات المكررة.

