النسخة الكاملة

الدولة العميقة والدولة الغريقة (3)

الخميس-2015-01-29 02:30 am
جفرا نيوز - جفرا نيوز - محمد داودية - قال لي أحد الثقاة إن "المدير" اتصل به فور تكليف فيصل الفايز بتشكيل الحكومة، وقبل أداء القسم، ودعاه الى فنجان قهوة فوجده هائجا وهو يقول: عاجبك عاجبك، رئيس التشريفات يشكل الحكومة، خربت البلد. لقد أوشكت ممارسات رئاسات "الدولة العميقة" في العقد الماضي أن تحولنا الى "دولة غريقة"، واخذنا نضرع الى الله ان تسترد الدولة العميقة عمقها بعد ان تولاها عدد من الضحلين، فأخطر ما يزعزع الدول هو ان تتلاطم – كما حصل في بلدنا- رؤوس قياداته وتتصارع وتتناحر وتتذابح وتعمل ضد بعضها بعضا وتتقاتل بالسلاح الأبيض وبالضرب تحت الحزام، من دون أي اعتبار لأي خطر يصيب الدولة ويلحق الضرر بكفاءاتها وبمؤسساتها. طرح احد الوزراء على مجلس الوزراء رفع سعر اعلاف الأغنام والدواجن معللا ذلك ومبرره بان سعر طن الشعير قد ارتفع علينا من سورية بسبب الجفاف الذي أصاب المنطقة، كان الموسم المطري لعامي 2003/2004 سيئا جدا أي "محل" على رأي فلاحينا. قلت يا اخوان إن الحكومة لا تسعف مربي الأغنام والدواجن وتدعمهم عندما يكون الموسم الزراعي "غلال" بل يصبح الدعم واجبا واكثر إلحاحا عندما "تمحل"، سُقتُ هذا المثال لاقول ان بعض الوزراء والمسؤولين يفكرون رقميا لا إنسانيا، ويزيدون معاناة المواطن وبلاويه، ويتكالبون مع قساوة الحياة والطبيعة ضد المواطن من دون تفكير بالنتائج السيئة التي ستنجم عن الضغط والمزيد من الضغط. ابن الناس فيصل الفايز رئيس الحكومة كان يتفرس في الوجوه المحايدة في اغلبها الا من صوت مثل صوت رياض أبو كركي وزير التنمية الاجتماعية او صوت مثل صوت حازم الناصر وزير المياه. وليعلم شعبنا، انه في كل المحطات وما اكثرها فان معظم الوزراء لا يتدخلون ولا يخرجون من اطار وزارتهم ومن إسار الكرسي، الذي يحسبون كلفة ابداء رأيهم عليه، قبل حساب كلفة الصمت والمحايدة على الوطن. وللامانة فان النقاش في مجلس الوزراء المصغر الذي كنت أرأسه أحيانا في غياب محمد الحلايقة ومروان المعشر، كان ينحصر في عدد محدود من ابرزهم حازم الناصر وباسم عوض الله ورياض أبو كركي، ومن غرائب الصدف انني كنت أمازح زملائي الوزراء بالقول: اللي بسبب إزعاج في الجلسة والله الا "أعدله" أي أخرجه بالتعديل!! وقد ظلوا وخرجت انا بالتعديل. وجاء الى مجلس الوزراء تنسيب بتعيين سميح باشا عصفورة مستشارا في الرئاسة فسألت ممازحا: حدا من الشباب له اعتراض على التنسيب !! "لاحقا اصبح سميح عصفورة الذي نشأت معه في المفرق مديرا للمخابرات." ناقش مجلس الوزراء مشروع خطة التنمية السياسية لعام 2004 التي قدمتها فأقرها بعد جلسة ماراثونية، وللامانة فان تلك الخطة لم تكلف الحكومة فلسا واحدا، برغم ان شخصا مهما قال لي لو انك تذهب الى مكتب الدراسات والاستشارات (س) وهو سيرتب لك الخطة بالشكل الذي يلفت انتباه الجميع ويحقق رضاهم، اما عن الكلفة – التي تتجاوز 70000 دينار- فـ"ما تهكل هم"، وكان هذا الشخص هو صاحب مكتب الدراسات والاستشارات غير المعلن، لقد تعاونت انا ومازن الساكت على وضع مشروع الخطة وتمت ترجمتها الى اللغة الإنجليزية فاشاع "المدير" عبر مدير اعلامه، الذي ألحق أفدح الاضرار بضمائر عدد كبير من الكتبة المأجورين، ان خطة التنمية السياسية تلك مترجمة حرفيا عن اللغة الإنجليزية، علما ان الخطة تتحدث عن مشكلات وهموم وتحديات محلية بحتة، وليس فيها أي محور دولي او إقليمي.فور إقرار مشروع خطة التنمية السياسية، ناقش مجلس الوزراء توقيف نائبين من نواب الاخوان المسلمين اعتبارا من يوم الخميس – كنا يوم ثلاثاء – ليمضيا العطلة الأسبوعية في السجن ويفرج عنهما بعد فركة الاذن، وكانت الحجة هي حرق العلم في مسيرة بالوحدات فقلت: اتقوا الله، دم خطة التنمية السياسية لا يزال ساخنا وبالكاد طوينا أوراقها، وان حبس النواب يستفز مجلس النواب والشارع، واضفت: احنا كلنا بنعرف مين حرق العلم، لتلبيس حرقه للاخوان المسلمين، والاخوان من حرقه براء، ورغم ذلك صوت مجلس الوزراء على حبس النائبين. اتصلت بالنائب مفلح الرحيمي والنائب عبد الله الجازي يرحمه الله وأطلعتهما على قرار حبس النائبين، وفي صبيحة اليوم التالي قابلا الرئيس وطلبا إلغاء قرار الحبس لأن في ذلك إهانة لاعضاء مجلس النواب الذين سيتضامنون مع زملائهم بغض النظر عن الانتماءات السياسية وكان الفايز شخصيا ضد الحبس! كان "الشغل" على اعلى وتائره لتهشيم حكومة فيصل الفايز التي قام رئيسها باتصالات غير مسبوقة مع النواب والقوى السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والمحافظات والمخيمات وكل قطاعات شعبنا. كانت اول طعنة لحكومته هي تشكيلة مجلس الاعيان التي جاءت في منتهى الهزال وضعف التمثيل السياسي والمناطقي. كان رأيي ان يدخل الى مجلس الاعيان عدد من الإسلاميين والقوميين واليساريين والنساء. وعلى سبيل المثال فقد اتصلت لهذه الغاية بالمرحوم مرضي القطامين، المحسوب على التيار القومي، الذي زارني في الوزارة بصحبة مازن الساكت. أعلنت أسماء أعضاء مجلس الاعيان التي استقبلها الشارع بنقد شديد وفي اجتماع لمجلس الوزراء قلت: يا اخوان ان تشكيلة مجلس الاعيان غير عادلة، واضفت: والله لو ان الفلسطينيين جالية ارمنية في البلد لطلع لهم اكثر من 6 أعضاء في مجلس الاعيان. والمضحك المخجل ان "الشغل" ظل يتفاقم ضدي ورفع التقارير الكاذبة "الى فوق" حتى اضطر فيصل الفايز، بعد ان قاوم نحو سنة، الى اجراء تعديل خرجت فيه من الحكومة، وكان سبب خروجي هو: " داودية إقليمي". تمت محاولات محمومة من داخل الحكومة ومن خارجها لاقناع فيصل الفايز بضرب النقابات المهنية، بحجة انها تمارس العمل السياسي وانها ضد السلام الى آخر المعزوفة البالية، وكان الهدف هو فتح ورشة ازعاج ومشاغلة للحكومة والقطع من شعبيتها التي لا تخفى على العين. وفي ام العمد قسدرت مع الرئيس النبيل أبو غيث وقلت له: ان خير ما فعلته هو انك لم تستجب لمحاولات توريطك مع النقابات المهنية، فعلاوة على هزال سبب ضرب النقابات، فان الضربة لن تنجح وستخرج منها الحكومة بسواد الوجه، علاوة على انني اعتقد ان سيدنا لن يمرر هذه "الهيزعة". واعيد وأكرر: انني أخرجت بالتعديل بحجة أنني إقليمي !! احد كبار الإقليميين يخرج احد ابرز حراس الوحدة الوطنية بحجة الإقليمية. بئست تلك المرحلة التي تولانا فيها غرائزيون أصبحت الدولة العميقة في عهدهم دولة ضحلة الى ان أطاح بهم ملك التصويب وأعاد للدولة العميقة عمقها بعد ان خسرنا الكثير من الكفاءات في مختلف القطاعات، فلم اكن وحدي من دفع الثمن، فالكثير من كفاءات الوطن الأمنية والشرطية والإعلامية والمدنية تعرضوا للاذى واطاحت هم وشايات كاذبة. والمهم انه برغم الأذى والتشويه لم يخرجوا حاقدين على وطنهم وعلى عرشهم أولئك الذين مسهم ضر برغم ان بعضهم عانى من أجل الخبز وسولار التدفئة وأقساط المدارس. "كلاهم الذيب" أولئك المارقون العابرون واستمرت القافلة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير