عدنان ابو عودة.. وسفينة الاردن التي تغرق
الأربعاء-2015-01-07 11:36 am

جفرا نيوز -
جفرا نيوز
ثمة نوعان اهتموا بمهاجمة الرجل، الأول: يراه فلسطينياً خائناً لفلسطينيته؛ لذا كان على قائمة اغتيالات منظمة أيلول الاسود، بعد الشهيد وصفي التل، أما الثاني أردني يراه فلسطينياً يتوجب تحديد خطاه وشيطنته. بين هذا وذلك رفع كلا الطرفين خناجر الانتقاد الشخصي، لا الفكري والأكاديمي للرجل، هذا هو «عدنان أبو عودة» أحد أهم المؤرخين القلائل الذين يعرفون ما يقولون في الأردن، إن لم يك أهمهم على الاطلاق .
الإسم بحد ذاته «قد» يثير حفيظة البعض وحنقهم، إلا أن الحقيقة تقال، فالرجل متجرد في أحكامه، ولا يعتمد العاطفة كأسلوب استرضائي للإقتراب من صناع القرار، لا جدوى من خداعهم. فهو عندما يقول أن السفينة تغرق، فإن وصفه لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة معرفة ودراية وتفكير حقيقي في أعماق تفاصيل المشهد العام، تفاصيل حقيقية وواقعية ماثلة للعيان، لا ينكرها إلا جاحد، يريد أن يبقى الأردن على ما هو عليه، لضمان الاستمرارية السلطوية الاستبدادية، خدمة لمصالحه ولفوائده المتأتية من الفوضى العارمة التي تحيط بالبلد من كل حدب وصوب.
يوم الأحد 04 يناير 2015، نشرت وكالة «القدس برس للأنباء»، تصريحات لرئيس الديوان الملكي الأسبق المؤرخ «عدنان أبو عودة»، لقيت معارضةً واسعة من البعض، لا لأنها غير حقيقية، بل لأن قائلها يشكل حالة جدلية بحد ذاتها، يناصبها البعض العداء الشخصي، لأن ما يقوله يحرجهم، وما يفكر فيه يعريهم!
ما قاله « أبو عودة» واقع حقيقي، فمن فساد ينخر في جسدها، إلى اقتصاد أوشك على الانهيار نتيجة ضغط الدين الخارجي الذي تخطى حاجز الـ 30 مليار، إضافة الى فوائده على الدولة، ناهيك عن المؤسسات التي تترنح تحت وطأة الغياب الكامل للمشاريع الحقيقية التي تلبي مطالب الناس وتطلعاتهم، مروراً بالشركات المتعثرة التي استمر نزيفها ما أدى إلى بيعها الواحدة تلو الأخرى، وليس نهاية، ببقاء دائرة المناصب والمكاسب السياسية والمالية محصورة بيد فئات بعينها، انحسرت وظيفتها في جباية الضرائب، مع إبعاد المجتمع الأردني بشكل ممنهج عن هذه الدوائر، المحصورة بهذه النوعيات.
هذه السيطرة الأُحادية، العوائلية، وما قد يترتب عليها من مشاكل لا تعد ولا تحصى، وفي مقدمتها المشاكل الأمنية التي قد تصل الى أستار الاستخدام المفرط للقوة نتيجة وجود نوعيات لا تمتلك الخبرة، ومع افتقارها للتجربة والحنكة السياسية، لمواجهة المشاكل ما يؤدي إلى انهيار الاقتصاد، يرتبط بعقلية القائمين عليه. كل هذا قد يؤدي الى غرق الدولة (السفينة)، جراء افتقادها لربان ماهر، ومساعدين أصحاب خبرة ودراية، يعتمدون الصدق كإستراتجية لحماية الدولة مما يحيق بها من مخاطر.
نعم، إن ما نفتقده فعلياً في الأردن هو قيادات ماهرة للسفينة، تقف على مشاكلها لعلاجها لا من أجل القفز عنها وإنكارها، الرجل تحدث عن أخطاء تسيطر على المسار العام للدولة داخلياً وخارجياً، ولم يحدد مساراً بعينه، وهذا يعني أن الرجل يعرف أكثر مما يصرح، فالمخفي في جعبته أعظم، وما يقوله لنا المسؤول كائناً من كان، ليس إلا إبر تخدير، لا تعالج مكامن الخطأ والخطر والمرض، بل تؤجله إلى حين من الزمن، لا ينفع أمامه تحسر أو ندم. فهل نتأمل أن تستمر السفينة تمخر عباب البحار المتلاطمة في ظل وجود هذه الظغم التي تسيطر على المفاصل وفق الوصفات الفردية، لا الجمعية ؟ وهل إذا غرقت السفينة سينجو احداً أم أن الجميع سيطالهم الغرق؟ وهنا أتساءل من الذي تسبب بخزق السفينة، هل هم الذين تحدث عنهم ابو عودة، بأنهم ليسوا من أهل الحنكة والدراية والخبرة السياسية، ام غيرهم ممن لا نعرفهم ؟
وعليه، يمكن القول: إن الذين ينتقدون الرجل «أبو عودة» ينظرون له، باعتباره ظاهرة صوتية انتهى دورها، يطالبون بإسكاته، بل ويشككون بأمره، ودوره، متناسين أن الذي خلق ثيمة أبو عودة، هو الملك الراحل الحسين «رحمه الله» بعدما رأى فيه قيمة يمكن الاعتماد عليها، سيما وأن الرجل امتلك من الأدوات والمعارف ما توافق مع رؤية الملك، والتي انتهت برحيله، حيث تم استبدال الكوادر بأخرى مستوردة، كوادر لو جمعناها سوياً، لما وصلت لقامة الرجل لا العقلية ولا الفكرية بل وعمليا، على الرغم من عمره المتقدم. سيما وأن الدولة اليوم تفضل استبدال المفكرين بالزعران وقطاع الطرق وعصابات الفساد المؤسسي.
لكن ماذا نقول في زمن تحولت فيه القرود الى غزلان، وماذا نقول عندما يتم استبدال المفكرين بالزعران. عندما يطل من هو بقامة «أبو عودة» ليقول على الملاً أن السفينة تغرق، شارحاً الأسباب التي قادت إلى ذلك، وقائلاً بالحل الذي يحول دون غرقها، فإن على الدولة أن تفكر بما يقوله الرجل ذو الخبرة والتجربة، قبل أن تقع الفأس بالرأس. أليس من باب أولى مناقشة، ما قاله الرجل لا مناقشة شخصة؟
اخيراً: ماذا يهمني كمواطن، أن كان أصل أبو عودة أردنياً أم فلسطنياً، أم من المريخ، أليس من باب أولى مقارنة تصريحاته مع ما يقوله المسؤولون، لا تكترث لإتساع دائرة الخطر، بقدر ما تنظر الى اتساع دائرة استفادتها المتأتيه من قربها من النظام، حتى وإن ترتب على ذلك خداعه. خصوصاً في هذه المرحلة، التي تحتاج إلى كل رجل صادق، لا إلى ذكر كاذب !
فلسنا بحاجة لحلول وتحليلات لا تعالج مكامن الخطأ والخطر والمرض، بل تؤجله إلى حين من الزمن، لا ينفع أمامه تحسر أو ندم. فهل نتأمل أن تستمر السفينة تمخر عباب البحار المتلاطمة في ظل وجود هذه الطغم التي تسيطر على المفاصل وفق الوصفات الفردية، لا الجمعية ؟، وهل إن غرقت السفينة «لا سمح الله» يحاسب الربان أم العاملين عليها ؟
نعم، السفينة تغرق، فهل من مذكر ؟
خالد عياصرة

