جفرا نيوز -
بقلم النائب رند الخزوز- عضو اللجنة المالية – مجلس النواب
في علم الاقتصاد، لا تكتسب الأرقام أهميتها من مجرد صدورها أو من قيمتها المطلقة، بل من قدرتنا على تفسيرها وربطها بالسياسات العامة وتحويلها إلى قرارات ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
فعندما تظهر البيانات الرسمية أن معدلات التضخم ما تزال ضمن مستويات منخفضة ومستقرة، فإن هذه المعدلات لا ينبغي قراءتها كمؤشر إيجابي في التقارير والتصريحات والبيانات الإعلامية فقط، بل كهامش مالي يمكن استثماره بتمعن لإعادة تقييم مستويات الأجور والرواتب.
فاستقرار الأسعار، المعبَّر عنه بمعدلات التضخم، يعني من الناحية الاقتصادية تراجع الضغوط التضخمية التي تُستخدم عادة كمبرر لتقييد زيادات الرواتب وكسبب لرفع أسعار الفائدة المصرفية. وفي المقابل، تشير المعطيات العملية إلى أن القوة الشرائية للأسر الأردنية قد تآكلت على مدى سنوات طويلة نتيجة محدودية الزيادات في الأجور، خصوصاً في القطاع العام وبين المتقاعدين.
وعليه، فإن المقاربة الأكثر توازناً لا تتمثل في زيادة الرواتب فقط، بل في ربط سياسات الأجور بالإنتاجية، وتكاليف المعيشة، والاستدامة المالية، بحيث يتحول استقرار التضخم من مجرد مؤشر رقمي إلى فرصة مدروسة لتحسين مستوى المعيشة دون إيجاد ضغوط مالية أو تضخمية مستقبلية.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في هذا التوقيت، لأن الحكومة تقترب من إصدار البلاغ الأول لموازنة عام 2027، وهي المرحلة التي تُحدد فيها الأولويات العامة والسياسات المالية للسنة المقبلة قبل تثبيت الأرقام النهائية. وهذا يعني أن الوقت الحالي هو الأنسب لطرح هذا الملف بصورة مؤسسية ومدروسة، بما يتيح للحكومة الوقت الكافي لدراسة سبل إدراج زيادة عادلة ومستدامة للرواتب والأجور ضمن الموازنة القادمة.
وقد أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة أن معدل التضخم السنوي بلغ 2.49% في شهر نيسان 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، مقابل 1.87% في شهر آذار. أما التضخم التراكمي خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 فقد بلغ 1.65%، مقارنة بـ 1.97% للفترة نفسها من عام 2025. كما بلغ متوسط التضخم السنوي 1.56% في عام 2024، و1.77% في عام 2025.
وتؤكد هذه الأرقام أن الاقتصاد الأردني ما يزال يتمتع باستقرار سعري واضح، وأن مستويات التضخم الحالية لا تشكل عائقاً أمام اتخاذ قرار مدروس لتحسين الدخول.
أما الارتفاع المسجل في شهر نيسان، فهو أمر طبيعي ومتوقع في ظل التطورات الجيوسياسية الإقليمية والدولية وما رافقها من ارتفاع في أسعار النفط والطاقة وكلف النقل والشحن والتأمين. وحتى مع هذا الارتفاع، فإن البيانات لا تعكس ضغوطاً تضخمية داخلية ناتجة عن زيادة في الأجور أو توسع في الطلب المحلي، بل تشير إلى أن الجزء الأكبر من هذا الارتفاع يرتبط بعوامل خارجية ومؤقتة.
وبمعنى آخر، فإن الزيادة المسجلة في نيسان تحمل طابعاً خارجياً إلى حد كبير، ولا تمثل مؤشراً على وجود ضغوط تضخمية هيكلية داخل الاقتصاد الأردني.
وعند مراجعة أرقام الموازنة العامة، نجد أن الإنفاق الجاري ارتفع من عام 2024 إلى عام 2025 بنحو 120 مليون دينار، ثم ارتفع من عام 2025 إلى عام 2026 بنحو 566 مليون دينار. أي أن الإنفاق الجاري ازداد خلال عامين بمئات الملايين من الدنانير، ومع ذلك بقي التضخم ضمن مستويات معتدلة ومستقرة. وهذه الحقيقة تقدم دليلاً عملياً على أن زيادة الإنفاق العام لا تؤدي تلقائياً إلى ارتفاع كبير في الأسعار أو إلى اختلال جوهري في مستويات التضخم.
ومن هنا يبرز سؤال منطقي ومشروع: إذا كان الاقتصاد الأردني قد استوعب زيادات كبيرة في الإنفاق الجاري والرأسمالي دون أن يشهد موجة تضخمية مرتفعة، فهل من المنطقي أن نفترض أن إعادة توجيه جزء محدود من هذا الإنفاق لتحسين رواتب العاملين والمتقاعدين ستؤدي إلى ارتفاع مقلق في التضخم؟.
البيانات الفعلية لا تدعم هذا التخوف، بل تشير إلى أن مثل هذه الخطوة يمكن تنفيذها ضمن إطار مالي منضبط ودون الإخلال باستقرار الأسعار.
وفي الدراسة الأولية التي أعددتها حول إمكانية زيادة رواتب العاملين والمتقاعدين ضمن موازنة عام 2027، انطلقت من مبدأ بسيط يتمثل في إمكانية تحسين الرواتب دون زيادة إجمالي الإنفاق العام، وذلك من خلال إعادة تدوير جزء من الإنفاق الجاري القائم.
وقد استندت الدراسة إلى تحليل عدد من البنود التشغيلية التي تبلغ مخصصاتها مجتمعة نحو 620 مليون دينار، مثل القرطاسية والمطبوعات ولوازم المكاتب، والمواد والخامات، ومصروفات السلع والخدمات، وإعانات المؤسسات العامة غير المالية.
واختيار هذه البنود لم يكن بهدف المساس بالاحتياجات الأساسية للمؤسسات الحكومية، بل لأنها تمثل بنوداً ذات مخصصات كبيرة تستدعي مراجعة دورية لقياس كفاءتها ومدى اتساقها مع أهداف التحول الرقمي، وتحديث القطاع العام، وتحسين إدارة المشتريات، ورفع جودة الإنفاق. كما أن هذه البنود ليست سوى أمثلة أولية، إذ يمكن للحكومة مراجعة بنود أخرى من النفقات الجارية وتحديد المجالات التي يمكن تحقيق وفورات فيها دون التأثير على جودة الخدمات العامة أو الالتزامات الأساسية للمؤسسات.
وتقوم الفكرة الجوهرية للدراسة على أنه إذا أمكن إعادة تخصيص نسبة محدودة لا تتجاوز 10% من بعض بنود الإنفاق الجاري التي تستحق المراجعة، فإن ذلك قد يتيح توفير الموارد اللازمة لزيادة الرواتب دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية، ودون اللجوء إلى الاقتراض أو فرض ضرائب جديدة.