جفرا نيوز -
محمد أبو رمان
بالرغم من صعوبة التنبؤ أو الحسم في صيغة اليوم التالي للحرب الراهنة على إيران، أو بشكل عام صورة الشرق الأوسط التي لا تزال قيد الصراع والتنافس منذ طوفان الأقصى 7 اكتوبر 2023، إلاّ أنّ ما بات أمراً واقعاً هو أنّ المنطقة لن تكون في المرحلة القادمة كما كانت سابقاً، وأنّنا أمام مرحلة جديدة بالكلية، سواء على صعيد طبيعة النظام الإقليمي وحدوده (اليوم أصبحت تركيا وباكستان والهند بالإضافة إلى إيران من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة) أو تشكلات العلاقات داخله من تحالفات وصداقات وعداوات ومحاور إقليمية (من مع من وضد من؟) أو القوى الإقليمية الكبرى وعلاقتها ببعضها وعلاقتها كذلك بالولايات المتحدة الأميركية.
أردنّياً لا يزال الأردن ضمن إطار ما يمكن وصفه بالاستثنائية الفريدة، فبالرغم من كل الصراعات والعواصف والأزمات والمشكلات حافظ على الاستقرار السياسي والأمن الوطني الداخلي وحجّم تأثير ما يحدث بصورة كبيرة على مجالات الحياة، مقارنة بكل دول الجوار المحيطة به، لكن ذلك لا يعني الركون أو استسهال التعامل مع المرحلة القادمة بالصيغة نفسها أو بالمعادلة السابقة نفسها وفق القاعدة المعروفة (Business as Usual)، فما هو قادم مختلف عما هو قائم وما سبق، وبالتالي ذلك يستدعي وجود قراءات أردنية استشرافية دقيقة وموضوعية تؤطر السيناريوهات والاحتمالات المتوقعة على صعيد المنطقة المحيطة وانعكاسات ذلك على المصالح الاستراتيجية والأمن الوطني الأردني ثم تضع مصفوفة من الاقتراحات والسياسات المقترحة أمام دوائر صنع القرار للتعامل معها.
ثمة مطبخ سياسي فعّال يتعامل مع التطورات والتداعيات اليومية بصورة كفؤة ومشهود للأردن بذلك، لكن عمله يومي وعلى المدى القصير، والمطلوب أن يكون بموازاته مطبخ للتخطيط الاستراتيجي والتصورات المعمّقة وطويلة المدى وللتعامل مع السيناريوهات والاحتمالات والتحضير لها، بخاصة أنّنا أصبحنا في حقبة عالمية لا يجوز معها الارتجال أو الفزعة؛ إذ تقوم على صراعات وتنافسات دولية وإقليمية كبرى، تتداخل فيها المشروعات الاقتصادية والسياسية والأمنية على السواء.
في هذا السياق من الضروري «بناء» مجموعة من الأسئلة الرئيسية التي من المفترض أن تكون هنالك قراءات وخطط للإجابة عليها، وكلمة «بناء السؤال» أو تطويره، هنا، مقصودة بذاتها، لأنّ تحديد الأسئلة عملية أكثر صعوبة وأهمية من البحث عن الإجابات، ووضع مصفوفة محددة ودقيقة للأسئلة الأكثر أهمية التي من الضروري التعامل معها هو بداية الخيط للتخطيط الاستراتيجي المطلوب والمفيد للمستقبل.
من ضمن الأسئلة المقترحة، على سبيل المثال، الدور الإقليمي الأردني في المرحلة القادمة، مع التغيرات والتحولات الدولية والإقليمية؛ ما هي اتجاهات هذا الدور المرتبط بالمكانة الاستراتيجية للأردن؟ ويرتبط بذلك تأطير شبكة تحالفات الأردن الدولية والإقليمية وأنواعها ومستوياتها ومصادر التهديد الرئيسية للأمن الوطني وتأثير ذلك على المصالح الأردنية؟ ويرتبط بهذا السؤال مصفوفة العلاقات الأردنية؛ الدولية (أميركا، أوروبا، روسيا، الصين، أسيا..) الإقليمية (الخليج، العراق وسورية ولبنان وإيران وإسرائيل وتركيا وباكستان..؛ وهنا من الضروري الإجابة على سؤال: ما هي أبرز مصادر تهديد للامن القومي الأردني (استناداً إلى قراءة استراتيجية وموضوعية وليس انطباعات) خلال المرحلة القادمة؟ وربما ينبثق عن هذا المربع من الأسئلة المتعلقة بالسياسات الخارجية الأردنية؛ سؤال الوضع في الضفة الغربية بوصفها قضية قيد الانفجار الكبير؛ والاحتمالات وكيفية التعامل وطنياً مع ذلك (الخيارات والسيناريوهات والأوراق الأردنية لمواجهة كل سيناريو من السيناريوهات المتوقعة).
من ضمن الأسئلة التي قد تكون مهمة ورئيسية أردنياً، وتربط الصعيدين الداخلي والخارجي، السياسي والاقتصادي، سؤال العلاقة مع المشروعات الدولية والإقليمية الاقتصادية الكبرى المطروحة؛ هل يمثّل مشروع الهند الاقتصادي IMEC فرصة استراتيجية اقتصادية للأردن؛ أم أنّ موقعنا فيه هامشي وضعيف، وكيف سينعكس ذلك على مواقف الأردن السياسية، بخاصة أنّ جزءاً منه مرتبط بصورة أو بأخرى بإسرائيل وبفكرة الاتفاقيات الإبراهيمية؛ وهل هنالك مشروعات أخرى قد تكون أكبر فائدة سياسياً واقتصادياً للأردن؟
داخلياً فإنّ سؤال البطالة والنمو الاقتصادي والمشروعات الكبرى التي بدأت بها حكومة جعفر حسّان وما يمكن أن تؤدي إليه اقتصادياً ومالياً واستثمارياً هي أسئلة مهمة بالضرورة؛ كذلك الأمر؛ سؤال التحديث السياسي ومدى إيمان دوائر القرار الحقيقي به وبدور الأحزاب السياسية في ضوء المتغيرات الإقليمية؛ هل فعلاً ما يزال الموقف صارماً بحكومات حزبية لمرحلة الانتخابات النيابية بعد القادمة؛ أم تراجعنا بصورة كاملة أو جزئية عن هذا الطموح الأردني؛ وما هي أبعاد كل سيناريو من السيناريوهات المتوقعة وانعكاساته الداخلية؟
ثمة أسئلة أخرى؛ من الممكن تخيلها وتنقيحها لتحديد أبرز خمسة أو ست أسئلة كبرى تحدد وترسم مستقبلنا وخياراتنا القادمة، لكن من المهم أن ندرك بأنّ التعامل مع المرحلة القادمة يقتضي بالضرورة تفكيراً مختلفاً وجديداً وليست العقلية والأدوات نفسها التي أدرنا بها المراحل السابقة.