"المنطقة الرمادية" كمخرج استراتيجي

محمد أبو رمان

لا يزال من المبكر، بل ومن المتعجل نظرياً وسياسياً، القفز إلى سؤال "اليوم التالي" لهذه الحرب. فالمشهد لم يستقر بعد على معادلة واضحة، ولا تزال خطوط الاشتباك مفتوحة على طيف واسع من السيناريوهات، يتراوح بين احتواءٍ هشٍّ عبر وقف إطلاق نار محدود، وبين انزلاقٍ إضافي نحو تصعيد إقليمي أوسع. وفي هذا السياق، تبدو فرضية الوصول إلى تفاهمات قريبة – على ضوء المفاوضات المفترضة أو المتوقعة بين واشنطن وطهران – ضعيفة الاحتمال، ليس فقط بسبب غياب الثقة، بل لأنّ الفجوة البنيوية بين مواقف الطرفين لا تزال عميقة وممتدة.

ومع ذلك، ثمّة مفارقة تستحق التوقف: كلا الطرفين، الأميركي والإيراني، يرغبان – بخلاف بنيامين نتنياهو – في إنهاء الحرب، لكن ليس بأي ثمن. كلاهما يبحث عن "نقطة توازن سردي" يستطيع من خلالها تسويق مخرجات الحرب داخلياً وخارجياً بوصفها لا انتصاراً مطلقاً ولا هزيمة كاملة، بل صيغة وسطى قابلة للتأويل السياسي. هذه المنطقة الرمادية هي، في جوهرها، ما كان دونالد ترامب يفتش عنه، وإن بصيغة أكثر تبسيطاً تقوم على ادعاء "انتصار كبير" يمكن بيعه للرأي العام الأميركي.

في طهران، يبدو أنّ الحرس الثوري – الذي أمسك فعلياً بدفة القرار خلال هذه الحرب – تعامل مع الصراع بوصفه حرباً وجودية بالمعنى الحرفي للكلمة. لم يكن الهدف تحقيق انتصار عسكري تقليدي، بقدر ما كان منع الانهيار المفاجئ للنظام، ورفع كلفة الحرب إلى أقصى حد ممكن، إقليمياً واقتصادياً وسياسياً، ليس على الولايات المتحدة وحدها، بل على البيئة الإقليمية بأسرها.

لكن هذه الاستراتيجية تصل اليوم إلى حدودها. فمع استمرار الحرب، تتزايد الشكوك داخل الدوائر الإيرانية حول القدرة على الحفاظ على المخزون الصاروخي، والاستمرار في توجيه ضربات مؤثرة، في ظل مؤشرات متنامية على تشكّل تحالف دولي لحماية مضيق هرمز، ما يعني نقل الصراع إلى مستوى أكثر خطورة واتساعاً. لذلك، فإنّ المخرج المفضل للحرس الثوري لم يعد تحقيق "نصر"، بل الخروج من الحرب بلا هزيمة واضحة، باعتبار أنّ البقاء بحد ذاته – ومنع تغيير النظام – هو انتصار ضمني في ظل اختلال موازين القوى.

في المقابل، يقف دونالد ترامب أمام معادلة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه ظاهرياً. صحيح أنّ استمرار الحرب قد يمنحه فرصة لإضعاف إيران أكثر وتحقيق مكاسب إضافية، لكن الكلفة الاقتصادية – بخاصة على سوق الأسهم – والانعكاسات على الرأي العام الأميركي، تفرض عليه حسابات مختلفة. ويزداد هذا التعقيد مع وجود تيار مؤثر داخل دائرته الضيقة كان معارضاً للحرب منذ البداية، يتقدمه نائب الرئيس جي. دي. فانس، إلى جانب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، في مواجهة جناح أكثر تشدداً داخل الإدارة.

ضمن هذا التوازن الداخلي، يصبح الوصول إلى تفاهم مع إيران خياراً "مقبولاً" لترامب، وإن لم يكن مثالياً. فهو قادر، بخبرته السياسية والإعلامية، على إعادة صياغة أي تسوية بوصفها انتصاراً كبيراً، حتى وإن كانت في جوهرها أقرب إلى تسوية وسطى. وهذه القدرة على "إعادة تعريف النتائج" تمثل أحد أهم عناصر القوة في مقاربة ترامب للأزمات الدولية.

على الضفة الأخرى، يبدو أنّ بنيامين نتنياهو هو الطرف الوحيد الذي لا يرى في إنهاء الحرب الآن مصلحة استراتيجية. فبالنسبة له، هذه لحظة تاريخية قد لا تتكرر، وفرصة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية بصورة جذرية. المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن فقط في السلوك الإيراني الحالي، بل في طبيعة النظام ذاته، وفي البنية المعرفية والعلمية التي يمتلكها، والتي تتيح له – حتى في حال تدمير برنامجه النووي والصاروخي – إعادة بنائهما خلال فترة زمنية لاحقة.

مع ذلك، فإنّ الانتقال من هذه الإرادات المتعارضة إلى صفقة توافقية ليس مساراً سهلاً. الفجوة بين الطرفين الأميركي والإيراني ليست تقنية فقط، بل سياسية واستراتيجية عميقة. فواشنطن لا تكتفي بملف تخصيب اليورانيوم، بل تسعى إلى تجميد البرنامج الصاروخي، وفرض رقابة صارمة، وفك الارتباط بين إيران وشبكات نفوذها الإقليمية. في المقابل، ترى طهران أنّ هذه الشروط تمس جوهر النظام وشرعيته، وتطالب برفع العقوبات، وتعويضات، وضمانات أمنية، وهي مطالب يصعب على إدارة ترامب تلبيتها بالكامل.

وتتعقد الصورة أكثر مع ملف حزب الله، الذي قد يتحول إلى العقدة الأكثر استعصاءً في أي مفاوضات مقبلة. فالإيرانيون سيصرون على ربط المسارين، بينما سيعتبر الإسرائيليون ذلك خطاً أحمر، في ظل قناعة متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بضرورة حسم هذا الملف، حتى بمعزل عن مصير النظام الإيراني نفسه.

في ضوء كل ذلك، تبقى الاحتمالات مفتوحة، والسيناريوهات متعددة، والمفاوضات – إن بدأت – ستكون أكثر تعقيداً من جولات جنيف التي سبقت الحرب. ومع أنّ فرص التوصل إلى تسوية شاملة تبدو محدودة، فإنّ عاملين قد يدفعان نحو محاولة البحث عن "جزيرة وسطى": تقلبات ترامب واستعداده لإعادة التموضع، من جهة، والحاجة الوجودية لدى إيران للخروج من هذا المأزق، من جهة أخرى.