دوادية في قراءة نقدية لكتاب "التنظيمات الإسلامية العابرة للحدود" للكاتب حمادة فراعنة

جفرا نيوز - كتب محمد داودية

رعى رئيس مجلس النواب معالي المهندس عاطف الطراونة حفل إشهار كتاب "التنظيمات الإسلامية العابرة للحدود" للكاتب حمادة فراعنة.

 قدمت مع الصديق النائب جميل النمري قراءة نقدية للكتاب في المكتبة الوطنية مساء اليوم هذا نصها:

يتحدث الكاتب السياسي الباحث الأستاذ حمادة فراعنة، عن " تنظيمات إسلامية عابرة للحدود"، في كتابه السابع عشر هذا، الذي صدر مع نهاية العام الماضي، ضمن سلسلة: "قضايا عربية من أجل عالم عربي ديمقراطي تعددي موحد". والتنظيمات المقصودة هي:
1- الإخوان المسلمون.
2- ولاية الفقيه.
3- تنظيم القاعدة.
4- تنظيم داعش.
5- حزب التحرير الإسلامي.
يقول الكاتب في مسوغات إصدار هذا الكتاب، الذي يحتل 272 صفحة، إنه يسلّط الضوءَ على التنظيمات الإسلامية الخمسة العابرة للحدود، التي تعملُ في السياسة ولها تأثيرٌ على صُنع القرار وصُنع الأحداث الجارية، ولا يستهدفُ تنظيماتٍ إسلاميةً محليةً. وقد اعتنى الكاتب بتقديم معلومات وتحليلات عن هذه التنظيمات.
لقد قرأنا تاريخ الدين وتاريخ السلاطين وليس تاريخ الامة.
نحن إذن أمامَ تنظيمات الإسلام السياسي في طبعته المعاصرة التي تشغلُ العالمَ من ناحية وتوحّده ضدها من ناحية أخرى.
وعندما نتحدث عن الإسلام السياسي فإننا نتحدث عن زواج مستحيل وعن علاقة محرمة وعن مشاريع تستهلك جهوداً وطاقاتٍ هائلةً، لا يمكن تحقيقها وستسفر آخر النهار عن خيبات مريرة.
يمكن تفكيكُ مصطلحَ الإسلام السياسي الى:
أ‌- الإسلام، وهو باقةٌ هائلة من المباديء.
ب‌-السياسة، وهي حزمةٌ هائلةٌ من المصالح.
والإستحالةُ المطلقةُ تكمن في محاولة الجمع بين المباديء المتسمةِ بالقداسة، وبين السياسةِ التي تخالطُها الدناسةُ. فلما تمّ الجمعُ المتعسفُ بين الإسلامي والسياسي، وكان لأغراض الوصول الى السلطة، حصل :
1-اكبرُ ضررٍ لحق بصورة الإسلام، اعتقد انه لن يُجبر.
2-صراعٌ مذهبي/شوفيني غرائزي وحشي إلتهم مقدرات الإقليم ودمّرها واعاده الى البدائية. (سنّي - شيعي. عربي- فارسي).
3-ضرْبُ التطورِ التراكمي للمجتمعات المدنية العربية والإسلامية واعادتُها الى الخرافة والجهل والظلمات.
وعندما يقول نبيُّنا الحبيب عليه أتمُّ الصلاة والتسليم: "ستفترقُ هذه الأمّةُ على ثلاثٍ وسبعين فرقةً كلّها في النار، إلا واحدة". فالمعنى شديد الوضوح وهو أنّ الفرق الإسلامية، هي تنظيمات تستغلُّ الدينَ وتسخره. ولهذا فهي تستحق النارَ لا الجنةَ، التي يعد كل تنظيم جماعته بها.
من هنا تبرز أهمية المناداة بالفصل بين السياسة والدين. الدين بما فيه من طهر وقيم ومثل وسمو ونبل. والسياسة بما فيها من مصالح ومناورات ودسائس وخبائث ودجل.
حدثني سياسي يمني اختُطف وسجن مع مجموعة من منتسبي القاعدة الشباب قال:
وجدتهم يفتحون القرآن كل الوقت على سورة الدخان ويقرأون الآيات التي فيها ذِكرُ الحور العين "... وزوجناهم بحورٍ عينٍ".
لقد لفتني ان الكاتب ينصف الربيع العربي، على عكس السياسيين الذين يعتبرون ثورة الشعوب العربية، على الفساد والاستبداد والظلم والجوع، مؤامرة أدت الى اغراق الأمة بالدماء والدمار والصراعات المذهبية والعرقية طويلة المدى. فأصبحت ثورة الربيع العربي مؤامرة، وأصبحت المؤامرة على الربيع العربي ثورة.
لقد كان لموجة الربيع العربي الأولى، فضلُ كشف ما تعانيه الأنظمةُ السياسية العربية من جمودٍ وعجزٍ عن التجديد ومن فشلٍ متواصلٍ في اصلاحِ ميكانزماتها الذي لازَمَها منذ عقود، كما ضربت هذه الموجةُ أيضا الأحزابَ العربية ومنها جماعة الاخوان المسلمين (لاحظ كتاب القيادي الاخواني ثروت الخرباوي سرَّ المعبد (الأسرار الخفية لجماعة الاخوان المسلمين) وقلب الاخوان (محاكم تفتيش الجماعة).
ومن ثمار الربيع العربي التحولات العميقة التي ستجري على حركة النهضة التونسية، المقبلة بقيادة المجدد الشجاع الشيخ راشد الغنوشي على إصلاحات بنيوية نوعية سيتم اعتمادها في مؤتمر الحركة العاشر الذي سيعقد في 31 اذار المقبل ومن أهمها:
1- " تَوْنَسَةُ " الحركة واعتمادُ مرجعية وطنية دستورية سياسية لها.
2- فك ارتباط حركة "النهضة" بمرجعية الاخوان المسلمين الدولية.
3- الفصل التام بين النشاط الحزبي السياسي والعمل الدعوي.
في تسعة فصول يتحدث الكاتب عن مقدمات صعود الأحزاب الإسلامية وخلفياتها وعن داعش والتطورات الإقليمية المتقلبة وعن حضور الأردن في مشهد التيار السياسي الإسلامي وعن تشخيص المصلحة الوطنية الفلسطينية وعن أمريكا والربيع العربي وإرهاب التنظيمات ويختتم الفصلَ العاشر بملحقٍ يتضمن نصوصا وخطاباتٍ وبيانات.
لقد تنبّه الكاتب الى تأثير مخرجات التنظيمات الإرهابية على الصراع العربي الإسرائيلي، مركز الصراع التاريخي في المنطقة، ومضاعفاته غير المباشرة التي القت بظلالها السوداء على القضية الفلسطينية وعلى كفاح شعب فلسطين فإنزاح من مركز وصدارة الاهتمام العربي والدولي وبدت احداثه وتطوراته الخطيرة أصغر من أن تلفت اليها الابصار وأدنى من غيرها على سلّم الأولويات.
ومعلوم ان فصل السياسة عن الدين هو دائما لمصلحة الدين، فلم يحدث ان سيطر رجال الدين على السلاطين بل العكس هو ما تم حين سخّر السلاطين رجال الدين لمآربهم. ويمتد هذا التسخير الى تسخير كل أجهزة الاستخبارات العالمية -السي آي ايه والموساد بالطبع وغيرهما- تنظيمات الإسلام السياسي كما حدث في أفغانستان.
يقول روبرت غيتس المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية (C.I.A) في مذكراته من الظلال: "بدأنا بمساعدة الحركات المعارِضة في أفغانستان قبل 6 شهور من التدخل السوفياتي"!!
لقد تم تجييش الشباب المسلم للانخراط في "الجهاد الأفغاني" من اجل "إنقاذ المسلمين من قبضة الشيوعية الملحدة" وبرزت في تلك الفترة التي هيمنت عليها وأدارتها بالكامل المخابرات الأمريكية، أسماءُ القادة: أسامة بن لادن وعبد الله عزام واحمد شاه مسعود وقلب الدين حكمتيار وبرهان الدين رباني وغيرهم الذين كرسوا كل طاقاتهم لتلك الحرب. في ذلك الوقت دوّت صرخة الملك الحسين محذرة من انصراف الطاقات عن مخاطر الاحتلال الإسرائيلي لمقاتلة العدو البعيد "القدس قبل كابول". كما دوّت في الإقليم والعالم قبل سنوات صرخة الملك عبدالله الثاني: "داعش قبل الأسد"، التي يتم اعتمادها الان.
كل الأطراف المتقاتلة عبر التاريخ الإسلامي، التي سالت الدماء بينها انهارا، ادعت انها على حق وانها تستند الى القرآن والسنّة !!
نتأمل مقتلَ الصحابي عمار بن ياسر، اقرب أصحاب الرسول الكريم واعزّهم عليه، في معركة صفين التي دامت 100 يوم بين جيشي علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان وقتل فيها نحو 70 الفا من المسلمين.
قَتل جنود معاوية، الصحابيَ ذا التسعين عاما، الذي قال فيه الرسول "تقتلك الفئة الباغية" فكيّف معاوية الجريمة بأن الفئة الباغية هي من ارسلته الى التهلكة وليست التي قتلته.
والمثير هو ان أفراد الجيشين المتقاتلين في صفين، ظلوا طوال الليل يقرأون القرآن، ويرفعون صلواتهم الى السماء، ويدعون الله ان يمكّنهم من رقاب الطرف الآخر!! كانوا يقرأون نفْسَ القران ويتوجهون الى نفس القِبلة ويرفعون نفس الآذان ويسلمون ذات اليمين وذات الشمال فيرى كل فريق منهما الفريقَ الآخر.
وكان يقود احد الجمعين معاوية بن ابي سفيان صاحب شعار ونظرية: لو كان بيني وبين الناس شعرةٌ لما انقطعت !. لقد ثبت انه كان شعارا مراوغا فقد انقطعت الشعرة، وانقطعت سبعون الف رقبة.
وصلت جماعةُ الاخوان الى السلطة في مصر، على صهوة ثورةِ الربيع العربي ضد الفساد والاستبداد، وكان اداؤهم اقصائيا مُغالِباً هزيلا، ففشلت التجربةُ امام تحالف الفلولِ والعسكرِ والعلمانيين والاقباطِ واليسارِ والسلفيبن والمثقفين التقدميبن والدولةِ العميقةِ.
وأَستحضِرُ نموذجا "طازجا" هو حزب "النور" السلفي المصري الذي حصل على نحو 25% من مقاعد مجلس الشعب المصري في الانتخابات ما قبل الأخيرة ولكنه سرعان ما خذل "الاخوان المسلمين" وطعنهم في الظهر دون تفسير لصالح القوى التي أطاحت بالشرعية، في فاصل انتهازي مغثّ لا نظير لفظاظته وقبحه!!
في سنة 1979 زلزلت ثورة الخميني المنطقة، رفعت راية المستضعفين في الأرض ضد المستكبرين "الموت لأمريكا ولإسرائيل"، ورفعت شعار "حق جميع الشعوب في الاستقلال والحرية" وهو الشعار الذي داعب أحلام الشعب العربي المتطلع الى حرية فلسطين واستقلالها. ثم فتك الخميني بحلفائه الشيوعيين "حزب تودة" والعلمانيين واليساريين وأقام حكما "ثيوقراطيا" - حكم الكهنة ورجال الدين- واعلن قيام "جمهورية إسلامية" - وليس خلافة إسلامية- قائمة على المذهب الشيعي الجعفري الإثني عشري وعلى ولاية الفقيه، واستحوذ "المرشد الأعلى" على السلطة المطلقة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
لقد آلت الثورة الى سلطة مرعبة طاغية في ايران، فاصبح التعذيب والاغتيال ولواط الشباب المعارض واغتصاب الفتيات المحجبات المحتجات، نسقا تقليديا عاديا لأجهزة الامن الإيرانية التي تتشعب الى اكثر من 20 جهازا.
تبدل شعار الجمهورية الاسلامية إلايرانية من "تصدير الثورة" الى "تصدير المذهب" الشيعي الجعفري الاثني عشري، إثرانكشاف محتوى "الثورة الإسلامية" بعد فضائح لا تحصى، ابرزها "ايران كونترا او ايران غيت عام 1985" التي كشفت للعالم أن جسرا من الأسلحة وقطع الغيار كانت تشحن من أمريكا عبر إسرائيل إلى طهران.
ان متابعة ما يجري في اندونيسيا وماليزيا وغيرهما، يكشف عن نجاح جهود ايران في تشييع أهلها.
وكان طبيعيا ان تعلي الثورة الإيرانية المصالح على المباديء وان تنتقل من ثورة الى دولة ذات محتوى صفوي قومي شوفيني، مستغلة العدوانية الصهيونية المتوحشة والاسناد الأمريكي الثابت للظلم والقهر والعدوان والاحتلال الإسرائيلي.
وفي تقديري ان ما تمت مقارفته على يدي تنظيمات الإسلام السياسي سيسفر عن انفضاض المسلمين عن هذه التنظيمات التي دمرت الاستقرارَ والأمنَ والأمان واطمئنانَ الناس وقتلتهم وشردتهم ورأوا عن كثب شكل حكم هذه التنظيمات الموغل في العسف والوحشية والتخلف.
لقد التف الناس حول هذه التنظيمات لأن الطغيان والفساد قد اثخنهم، ولأنهم صدّقوا خديعة قيام دولة العدل والحق والخير الاسلامية الشبيهة بالدولة الراشدية.
عرف العالم كل اشكال التجارة وانواعها، عرف تجارة العملات والأوراق المالية وتبييض الأموال بمبلغ (5 تريليون دولار) وتجارة السلاح ( 1700 مليار دولار ) وتجارة المخدرات (700 مليار دولار) وتجارة الفن والتحف الفنية والآثار وتجارة النفط وتجارة الدواء وتجارة الغذاء والاتجار بالبشر والجنس وتجارة القمار، غير ان "أربح" إتّجار كان على مرّ القرون - وما يزال - هو الإتّجار بالدين !
يُدِرُّ الإتّجارُ بالدين على محترفيه ومزاوليه، علاوة على المكاسب المالية الهائلة، مكاسبَ معنويةً لا حدود لها، تبدأ من الهالة التي يضفيها رجال الدين واتباعهم ومريدوهم على انفسهم وكذلك الالقاب الرنانة ذات الوقع التبجيلي الوقور التي يخلعونها ومريدوهم على انفسهم.
أرجو ان أكون قد انصفت الكاتبَ حمادة فراعنة، أحد المراجع المهمة في القضية الفلسطينية، فهذا الكتاب يقع في سياق المشروع الثقافي العربي الضروري لمواجهة فكر الغلو والتطرف والإرهاب الذي لا تهزمه الطلقاتُ والمعتقلاتُ بل تهزمه الكلمات.
أحييكم يا من تحضرون من أجل كتاب.
يرعاكم الله.