المصالح تبدد الفاصل بين أصدقاء سورية وخصومها
الأربعاء-2014-12-03 11:21 am

جفرا نيوز - جفرا نيوز-بات الصراع على سورية بين حلفائها وخصومها متداخلا، إذ تؤكد مصادر متطابقة أن هذا الاشتباك لم يعد يقتصر على معسكري حلفاء النظام و "أصدقاء الشعب". ناره تستعر تحت الرماد داخل أطراف كل معسكر من المعسكرين. الحد الفاصل بين "الحلفاء" و"الأصدقاء" غير موجود أو تلاشى. في بعض الأحيان، التناقضات بين أعضاء مجموعة "أصدقاء سورية" أشد مما عليه بين هذه الكتلة و"حلفاء النظام"، كما بات الشرخ يتسع بين موسكو ودمشق وطهران.
على هذا الخط يدخل التوقيع بين تركيا وروسيا، على مذكرة تفاهم لتزويد أنقرة كميات إضافية من الغاز بسعر مخفّض، كما اتفق الجانبان على تعزيز تبادلهما التجاري. لكن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم تثمر تقارباً في ملفات سياسية، إذ بدا الخلاف صارخاً مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في شأن مستقبل سورية.
أما أردوغان، فقال إن تركيا وروسيا اتفقتا على "العمل لرفع سقف التبادل (التجاري) إلى 100 بليون دولار العام 2023"، علماً بأن الحديث كان عن العام 2020.
وأقرّ بـ"وجهات نظر مختلفة مع روسيا في شأن سورية"، وزاد: "علينا أن نتطلع إلى الأزمة السورية من منظور إنساني. (الرئيس السوري بشار) الأسد يقتل شعبه، ونحن ملتزمون بمحاربة (تنظيم الدولة الإسلامية) داعش والإرهاب. الأسد هو السبب الرئيس في معاناة السوريين، ولا حلّ في سورية مع نظامه".
وشكّك أردوغان في الانتخابات السورية، معتبراً أنها "غير ديموقراطية". ودعا إلى الامتناع عن القلق على مستقبل سورية بعد إطاحة الأسد، "لأن الإرادة الشعبية ستتجلى وداعش لن يستطيع أن يستفيد من ذلك".
في المقابل، اعتبر بوتين أن "الأسد يحظى بدعم من السوريين"، مذكّراً بـ"فوزه في انتخابات" الرئاسة، ورأى أن "العمل في سورية يجب أن يركّز على وقف الإرهاب ووقف نزيف الدم". وأضاف "نتفق مع تركيا على ضرورة القضاء على داعش".
المصادر المتطابقة تؤكد أن "النواة الصلبة" التي تضم 11 من "أصدقاء سورية" ليست على قلب واحد إزاء مقاربة المسألة السورية. لكن الجديد أن الاجتماع الأخير في لندن، كشف عمق الفجوة ومدى الوهم حول صلابة "النواة" في المواقف الاستراتيجية. بدت أنقرة - رجب طيب أردوغان، وواشنطن - باراك أوباما على جانبي الطاولة المتناقضين. استعادت الأطراف المشاركة صراعات لها علاقة بالتاريخ على سورية. وفتحت شهيتها على مستقبل هذا البلد المحوري في الشرق الأوسط. مصر التي تموضع نفسها بين "النظام" و"الشعب" وبين طهران وخصوصية العلاقة مع الرياض وبين واشنطن وموسكو، عادت خطوات إضافية في انخراطها في "النواة الصلبة". حضت شركاءها على التخلي عن المواقف الجذرية في سورية والتخلي عن "الاستخفاف" بما يحصل فيها.
وحسب هذه المصادر فقد كان واضحاً مدى رفض القاهرة مشروع تركيا إقامة منطقة حظر جوي ومناطق آمنة. بات واضحاً الاستياء من حماسة باريس للمشروع التركي. مصر، الرئيس عبدالفتاح السيسي، حددت ثلاثة مبادئ لتحركها السياسي: الحفاظ على وحدة سورية أرضاً وشعباً، رفض التدخل الخارجي ومنع مؤسسات الدولة بما فيها الأمن والجيش من الانهيار، وتحقيق تطلعات الشعب السوري. ضمن هذه المبادئ، يقع المحظور في المشروع التركي، لأنه يتضمن ضرب الجيش السوري ووقوع شريط شمال سورية وعاصمته حلب في فضاء نفوذ تركيا - أردوغان، المناهض لحكم السيسي.
وتتفق الأطراف جميعا على العمل مبكراً لوأد أي وجود لتنظيم "داعش" في الجنوب السوري.
واعتبرت المصادر هذا الصراع مؤشرا إلى صراع النفوذ ضمن بوتقة "الأصدقاء" الذين يفترض أن تمطر غيومهم جميعاً في الأمصار الأميركية. ولاحظت المصادر تعمقا للشرخ في خندق "حلفاء النظام".
وقالت إن المؤثر الرئيس في موقف أطراف هذا الحلف في السنوات الأربع الماضية، كان أن في البيت الأبيض رئيساً هو باراك أوباما بصفته "كبير المحللين" و"كبير المترددين" أو "المهووس بالصفقة النووية" مع إيران، والخاضع لاعتبارات داخلية ويوجه بوصلته الاستراتيجية نحو آسيا والانسحاب من الشرق الأوسط.
وترسم المصادر المشهد السوري كما يبدو من موسكو: مقاتلات التحالف الدولي - العربي بقيادة أميركا تصول وتجول في شمال سورية "الحليف الاستراتيجي" منذ العهد السوفياتي. مقاتلات التحالف لا تستهدف القوات النظامية حالياً. "الحرب على الإرهاب" لم تأتِ من بوابة مجلس الأمن والبوابة الدولية. لم يوقّع فلاديمير بوتين القرار ولم يعطِ فرصاً كي ينقضه بالفيتو. التحالف لهزيمة "داعش" جاء بطلب بغداد ومباركة طهران - الحليف الروسي في المنطقة. وقائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليمان ومقاتلو "البيشمركة" يقودون المعارك على الأرض ضد "داعش" في العراق. الأولوية للعراق وسورية جزء من الاستراتيجية هناك. هزيمة "داعش" ليست عاجلة. التطرف موجود وربما يزيد ويتمدد إلى الأقاليم الإسلامية الروسية. ترى موسكو أن ذلك يترافق مع مشروع الحكومة الإسلامية التركية لمنطقة الحظر الجوي والمناطق الآمنة.
الروسي البارع في لعبة الشطرنج، يرى حليفه الإيراني يلعب في رقعة الشرق الأوسط من العراق وسورية ولبنان إلى اليمن. ويعرف ما يدور في فيينا حول الملف النووي، لكنه لا يريد أن يعرف ما يجري من مفاوضات سرية و"مسار ثان" مع الأميركي حول سورية والشرق الأوسط.
بالنسبة إلى موسكو، التي تعاني من جروح الأزمة الأوكرانية وأسعار النفط، كانت لحظة ضرورية لبدء مسيرة البحث عن حل في سورية وفق الترجمة الروسية لبيان جنيف. كان التصور باستقبال أوسع شريحة من المعارضة. بدأت بالرئيس السابق لـ"الائتلاف" معاذ الخطيب، ثم عقد لقاء للمعارضة ولقاء بين ممثلي النظام والمعارضة ضمن صيغة "موسكو1" ليتم تذخيره في مفاوضات جنيف. كما بدأت اتصالات أولية مع دول كبرى ودول إقليمية فاعلة لتوفير الأرضية للوصول إلى حل سياسي في غضون سنة. كانت العودة إلى مفاوضات جنيف، بوابة للعودة إلى "الشراكة" في الملف السوري.
كانت قراءة الجانب السوري الرسمي، مشابهة في ما يتعلق بالمشهد الاستراتيجي. لكن زيارة وزير الخارجية وليد المعلم أظهرت اختلافاً في كيفية التعاطي معها. بالنسبة إلى دمشق، صيغة بيان جنيف "انتهت" ولا مجال للحديث ثانية عن "هيئة حكم انتقالية"، كما أن "معارضة الخارج" بمن فيها معاذ الخطيب "لا تمون على أحد في الداخل"، بل إن النيران الصديقة كانت الأشد على معاذ الخطيب.
ديبلوماسي سوفياتي مخضرم، كان قال إن "دمشق تأخذ من موسكو كل شيء عدا النصيحة". لم يفت وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التذكير بأن غارات التحالف "غير شرعية" وبوجوب العمل عبر مجلس الأمن. بالنسبة إلى النظام الذي يعرف أهميته لطهران وموسكو، فهو يرى "الحل والعقد" عند المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، أي البدء بتجميع اتفاقات وقف إطلاق النار الموجودة في وسط البلاد وأطراف دمشق وإضافتها إلى الاتفاق الجاري العمل عليه في حلب. التفضيل هو التعاطي مع "مقاتلي الخنادق" وليس "معارضة الفنادق". في المضمون، هناك اعتقاد في دمشق، بأن "النصر حليفنا" وما هو "إلا صبر ساعة". العمل جارٍ على دفع الصراع إلى الخيار بين لونين: "الأبيض - نحن، النظام، الدولة، العلمانية، الانفتاح، المؤسسات، هيكلية القرار، العقلانية، التعاون مع الغرب، بل شركاء الغرب. الأسود - هم، الإرهاب، الظلام، الانغلاق، الفوضى، الخطر على الغرب، بل أعداء الغرب في بيته".
رهان النظام، هو على جعل الصراع صافياً في الأشهر المقبلة. تحت الغطاء الجوي للحرب على "داعش"، العمل جارٍ على اقتلاع أي بذور للاعتدال السياسي أو العسكري. في الأشهر المقبلة، سيكون الصراع بين "الجيش العربي السوري" و"الإرهابيين في داعش والنصرة". هذا يجرى بالتعاون والتنسيق بخط دمشق - بغداد - طهران من جهة أخرى. على واشنطن التنسيق "معنا"، عليها أن تمضي خطوة جريئة من "التبيلغ" عن غاراتها ضد "داعش" إلى "التنسيق العملياتي".
هذا التفكير مصدر قلق في الكرملين. المشهد يبدو من موسكو غير ما يبدو من دمشق أو طهران. الأولويات ليست متطابقة. لكن كل طرف لا يزال محتاجاً إلى الآخر. الظروف ليست مناسبة لإظهار الاختلافات. ستبقى كامنة تحت رماد الأقنية الديبلوماسية. وراء الجدران الحديد، كما الحال في جبهة "أصدقاء سورية". الشماعة الوحيدة التي يمكن أن تعلق عليها كل الأطراف اختلافاتها، هي خطة دي ميستورا. لكن، لا بأس من إغراقها بالتفاصيل. لا بد من أن يجيب فريق المبعوث عن أسئلة تتعلق بالعلاقة أيضاً بين "تجميد" الصراع في حلب شمالاً ودرعا جنوباً. بين "جبهة الشمال" والدول الداعمة لها و"جبهة الجنوب" والدول الداعمة لها.
مواقف الأطراف حارّة إزاء "تجميد" الصراع. وكلها لا تريد بعد إدخاله في الثلاجة. أرجح الظن، لن يتخلى أي من الأطراف عن مقاربته. وأرجح الظن، أن الأشهر المقبلة، ستظهر إعادة التموضع في مواقف الأطراف المتصارعة على المسرح السوري.-(وكالات ومواقع إخبارية)

