لا جنّة في سورية
الخميس-2014-11-13 05:37 pm

جفرا نيوز -
جفرا نيوز - محمد داوديه
تحضرني مأساة الاسرة الأردنية التي بلغها خبر استشهاد ابنها على ثرى فلسطين، في سبعينيات القرن الماضي. بعدما احتفل اهل الشهيد واصدقاؤه وتلقوا التهاني كعادة الأردنيين بمأثرة ابنهم، توجه حشد كبير منهم الى منزل من "جنّد" ابنهم وقالوا له: نشكرك ونقدم لك اسمى آيات العرفان والامتنان على انك اقنعت ابننا بالتوجه الى الضفة الغربية المحتلة لقتال الصهاينة المحتلين، ولكن ما نتعجب منه ويدهشنا أيها الوغد السرسري المحتال الدجال هو كيف انك كنت ضنينا بالمحروس ابنك صديق ابننا الذي هو في سِنّه، فلم تقنعه ولم تجنده ولم ترسله الى حيث الشهادة والفخر والجنة !!.
وتحضرني مأساة المقاتلين العرب وفاجعتهم في أفغانستان والبوسنة والهرسك حيث انتفضت مجتمعات البوسنة والهرسك وأفغانستان عليهم بسبب مقارفات وغطرسة وغلاظة ووحشية الكثير منهم، فتم التنكيل بهم وذبحهم وبيعهم واغتصاب نسائهم وسحلهم في الشوارع.
يقاتل في سورية منذ اندلاع القتال الجنوني فيها في اذار 2011 عشرات المئات من أبنائنا من مختلف مدن الأردن وقراه ومخيماته، قضى نحبه منهم نحو 250 شابا والعدد في تزايد شبه يومي.
هؤلاء هم ابناؤنا، يحزننا موتهم، كما يحزن امهاتهم وآباءهم وزوجاتهم وشقيقاتهم واطفالهم، ويؤلمنا ان يسفكوا الدم الذي حرّم الله سفكه، كما يؤلم أمهات قتلاهم وآباءهم وزوجاتهم وشقيقاتهم وأطفالهم، ويؤلمنا اكثر فاكثر ان كانوا يقاتلون مع الفئة التي تقارف الانتهاكات الوحشية الدموية بحق المدنيين والأسرى والمسيحيين والايزيديين والاكراد والفرق المقاتلة التي لا تتفق معهم ولا تنضوي تحت اعلامهم.
تبرعات اثرياء العرب التي تغذي الجحيم السوري تذهب الى امراء الحرب وفاسدي "الجمعيات الخيرية" وتشتري فقط اكفانا لشبابنا، ولا تلتفت الى معاناة أطفال قتلانا وزوجاتهم الذين يتسول عدد كبير منهم ويمدون أيديهم طلبا للاحسان والصدقات والشفقة ويعيشون اوضاعا كارثية.
تبرعات اثرياء العرب لا نراها تذهب الى دعم صمود أهلنا في القدس والخليل وغزة وفلسطين، ولا الى قتال المحتلين الصهاينة.
ولا شك ان ابناءنا المقاتلين في سورية يتقاتلون تحت رايات متعددة الألوان وايدولوجيات متضادة، ويقتلون بعضم بعضا بوحشية او من دونها وبدم بارد او بدم ساخن لا فرق.
لم تكن المعارضة السورية تحتاج مقاتلين في بداية انطلاقها ولا تحتاج الآن، ولن تحتاج، فالشباب والرجال السوريون في سن القتال الهاربون من جحيم بلادهم يزيد عددهم في الاردن وحدها على 300 ألف رجل هم أولى بمواجهة نظامهم السياسي وحل مشاكلهم معه بالحوار او بالنار وهم احق بـ "الاستشهاد" من أي مقاتل آخر من الجنسيات الخمسين التي يقاتل أبناؤها في سورية!
لا جنّة في سورية !!
في سورية الموت الزؤام والجحيم والفتنة وفرقها الإثنتان والسبعون المتدحرجة صوب جهنم، قال نبينا الحبيب: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة".
وما اصبح يقينا هو انه لا يوجد اي إمكان للحل العسكري للازمة السورية. لم يكن مثل هذا الحل موجودا ولن يكون. فالنظام السوري يستند الى نحو مليوني "نصيري" نجح المتطرفون والاغبياء الجهلة في دفعهم الى الانحياز الكلي والنهائي الى جانب نظامهم خشية المجازر والابادة والسبي والاسترقاق.
التهلكة فحسب في سورية، ومن يغررون بابنائنا ويزجون بهم الى التهلكة لا تختلف حالهم عن حال الرجل الذي ارسل صديق ابنه الى الموت وكان ضنينا بنفسه وبابنه، فلو كان فيها خير لما آثر أحد على نفسه وعلى ابنه.
المتقاتلون بضراوة وبوحشية في سورية كلهم مسلمون وكلهم يعلنون انهم يقاتلون من اجل الإسلام واعلاء كلمة الله وكلهم ينسىون "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" وكلهم ينسىون "حرمة الدم" وان الله لم يفرق بين دم مسلم وغير مسلم في قوله الكريم "ومن قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن احياها فكانما احيا الناس جميعا" فلم يقل عز وجل (ومن قتل مسلما…).
وقد روى البخاري ومسلم عن النبي الكريم أنه قال:
(ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض).

