النسخة الكاملة

الطريق إلى "سنستان"!

الخميس-2014-09-11 01:24 am
جفرا نيوز - جفرا نيوز - كتب محمد ابو رمان - اليوم، يجتمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، مع وزراء الخارجية العرب، بعد الإعلان عن الحكومة العراقية الجديدة، بالتزامن مع التسريبات المرتبطة بخطّة الرئيس باراك أوباما للقضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، عبر تحالف دولي وإقليمي عريض وواسع.
وعلى قاعدة أنّ الحل السياسي بدأ يسير على الأرض، اندفعت الدول العربية مع الدول الغربية، بعد اجتماع "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) الأخير، إلى "اجتماع جدّة" اليوم، للتمهيد لحرب عالمية-إقليمية على "داعش"، بوصفه خطرا على الأمن الإقليمي والعالمي.
هذا التسارع في الحلّ العسكري بينما ما يزال المشروع السياسي العراقي يسير ببطء شديد، ويواجه عقبات كأداء كبيرة، لن يؤدي إلى التخلّص من هذا التنظيم، بل سيفجّر المنطقة العربية بأسرها، ويحوّلها إلى "سنّستان" حقيقية، قريبة من النموذج الأفغاني الراهن. إذ بالرغم من الانتصار العسكري الساحق والسريع للأميركيين في الحرب الأفغانية (2002)، والقضاء على حكم "طالبان"، إلاّ أنّ الحركة عادت سريعاً لتكون الرقم الأصعب، ولتحقق انتصارات عسكرية وسياسية ساحقة، طالما أنّ التربة السياسية والمجتمعية خصبة ومهيأة مرّة أخرى للنمو والصعود!
ما نخشاه (وهو ما أشار إليه بصورة ممتازة تقرير صحيفة "الأوبزيرفر" المهم لجين كينينمونت بعنوان "داعش لن تهزم برد فعل عسكري غربي متعجل"- ترجمه الزميل علاء أبوزينة، ونُشر في "الغد" أمس) أنّ النتائج ستكون عكسية تماماً على المزاج السنّي في المنطقة، سواء في العراق وسورية أو لبنان والأردن، وسيطرح مثل هذا الهجوم العالمي والإقليمي تساؤلات جوهرية، ستفتح الباب واسعاً أمام قدرة التيارات الراديكالية على التجنيد والدعاية؛ إذ سيتساءل السوريون: ألا يشكل نظام الأسد خطراً على الأمن الإقليمي؟! ألم يشّرد ملايين السوريين، ويقتل مئات الآلاف منهم؟! أليس ما قام به هو العامل الرئيس في صعود ونمو هذه الجماعات، بينما لم تكن موجودة أصلاً قبل الثورة؟! هل دماء السوريين والعراقيين رخيصة كثيراً على العالم والعرب حتى يتم تجاهلها، بينما اليوم يُحشد العالم بأسره ضد هذا التنظيم؟!
أي عمل عسكري اليوم من دون ولادة لمقاربات سياسية واقعية فاعلة على الأرض، تتعامل مع الأزمة السُنّية الكبيرة في العراق وسورية، سيؤدي إلى تفخيخ المنطقة العربية تماماً. وما نراه من خلال تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وتوزيع مناصب مساعدي الرئيس العراقي، يُظهر أنّ هناك تسطيحا للأزمة السياسية السُنيّة، واختزالا مخلا لتعقيداتها. فجوهر الحل يتمثّل في إقناع المجتمعات السُنيّة المرعوبة اليوم، بأنّ هناك أفقاً سياسياً ومساراً بديلاً حقيقياً، ومخرجاً من الأزمات القاتلة الراهنة.
الحلول السياسية الساذجة لن تنهي المشكلة، وتدوير الكراسي بين شخصيات سُنّية وشيعية ساهمت في صناعة الأزمة الراهنة، يعزّز من قناعة السُنّة بعدم وجود فرص حقيقية لتغيير الواقع الراهن، ما يجعلهم في مأزق حقيقي ومعقد ما بين القلق من التهديد الوجودي الهويّاتي عبر الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران من ورائهم، وتنظيم "داعش" المتطرف الدموي من أمامهم!
من المهم جداً أن يدرك العرب خطورة الولوج إلى الحلول العسكرية قبل التفاهمات السياسية العميقة والصفقات الإقليمية، وبناء إطار سياسي لعملية تنتهي بتغيير الأسد وإدماج السُنّة في العراق. من دون ذلك، ستكون هذه الحرب الموعودة شؤماً على المنطقة بأسرها، وسببا رئيسا لتمدد "داعش" وتحسين صورته الدموية العدمية الراهنة لدى الشارع العربي المحتقن المحبط!
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير