أنا.. هي .. وفضل شاكر
الأربعاء-2013-07-24 10:12 am

جفرا نيوز -
جفرا نيوز-عمر داودية
في العشرين من العمر، عائداً في منتصف الليل من فندق "بريستول" الواقع في قلب مدينة جنيف السويسرية حيث كنت اتدرب، عابراً الشوارع الباردة و المكسوة بالثلج و المقفرة إلا من عشاق و متسكعين تناثروا بين زواياها وعلى ضفاف بحيرتها، أتمنى لو بامكان كفيك الصغيرتين ان يمتدا لحظتها و يطلقا الحرارة في جسد يرتعد من قليل من البرد و كثير من الشوق.
كنت غير معتاد حينها على مفردات الفراق ، و كانت عمَان "بك" ..وبك فقط... أكثر ألقاً في عيني من جنيف..."أجمل مدن العالم" بكل ما فيها من حضارة و رقي و ثقافة و مال و نساء.
وخلال الطريق الملتوي عبر البحيرة و الذي يعبر الحدائق المظلمة باتجاه شقتي، و في خضم خيال لا حدود له ...يبحث عنك، و بدل أن يظهر وجهك مضيئاً عتمة المكان، كنت اصطدم مراراً بقامة هائلة لمهاجر افريقي، لتـنفرج شفتاه الغليظـتان و المتشقـقـتان من البرد قائلا : "بونسوار مسيو" ...مساء الخير سيدي، منتظراً ان القي له ببعض الفرنكات...او بمغاربة يحاولون بيع ما تبقى معهم من حشيش و ممنوعات آخر الليل، و لولا اتقاني للمحكية المغربية بحكم اقامتي الطويلة في الرباط، لعدت مراراً الى شقتي مجرداً من كل شيئ... حافي القدمين و الجيــبـين، اللهم إلا من السروال الداخلي و هذا – مع الرأفة- .
كانت الأحلام كبيرة وقتها، و بدا كل شيئ ممكناً... وبدا ان السنوات ستمضي و سنعود بعد الغياب الى سابق عهدنا، لكن أوروبا اخذتني منك، و عمان بعدي - التي كبرت و التي ما عادت لنا وحدنا - اخذتك مني أيضاَ، و الغربة التي طلبتها بحثاً عن الجديد، اعطتني ما اردت، لكنها - أيضاً – اخذت ما كنت أريد أكثر.
و في ألم المسافة، حيث يصبح للموسيقى معنى و بعداً آخر كان "فضل" حاضراً بيننا. فكم من مرة غازلتك انا او عاتبتـني أنت بإرسال قطعة رومنسية لفضل شاكر؟! و لا اعتقد اننا كنا الوحيدين في هذا، فجيل كامل من الشباب عاش وعبرعن اندفاعاته و اخفاقـاته العاطفية من خلال فضل، و نادراً ما كانت تخلو سيارة او كمبيوتر او هاتف من "سي دي" أو أغنية له. و في ظل الانحدار الفني كان هو من القلة التي استطاعت تقديم طرب يجمع بين المحافظة على الأصالة و محاكاة الحداثة في نفس الوقت.
عندما يناقشون اعتزال فضل شاكر للغناء على الشاشات أو في الصحافة او في الجلسات المغلقة، يتحدثون عن مغنٍ مميز كان له الكثير من المعجبين ويتأسفون بالطبع – في محيطي- على تركه الفن و كل يدلي بدلوه في تفسير الدواعي التي قادته الى ما هو عليه الآن. و أنا هنا لن أناقش خيارات فضل مبدياً فيها الخطاً من الصواب و لن أقف موقف الناصح، انما اود أن اشير الى اننا لم نخسر فناناً مميزاً فقط ! فالذي لا تدركه الأجيال الأكبر منا سناً ان الفراغ الذي تركه فضل في عالم الغناء من الصعب ...و من الصعب جداً تعويضه.
كلاكما ربما لن يقرأ هذا المقال، أما أنت - يا عزيزتي- فلأنك قلما قرأت، و لأن الوقت أيضا قد تجاوز مرحلة الكتابة لك. و أما أنت يا فضل فلأن أياً من المواقع الجهادية أو السلفية التي بت – ربما - تتصفحها الآن قد تنشر هذا المقال.
و انت تملأ ذخيرتك الآن و تستعد لاطلاق النار...أود أن أقول لك... اننا مشتاقون –بصدق- لك، و أن الشاشات ما عادت كما كانت، و ما عاد الحب اليوم، كما كان سابقاً ...عندما كان مسافراً و متوشحاً و معبراً بصوتك.
و انت تملأ ذخيرتك الآن و تستعد لاطلاق النار...أود أن أقول لك...أن العبور الى الجنة ليس دائماً ...و ربما ...ليس مطلقاً، معبداً لمن يحمل السلاح و الرصاص.

