جفرا نيوز -
بقلم المحامي عامر حسين الهلسه
في التاسع من تشرين الثاني عام 2005، استيقظ الأردن على واحدة من أبشع الجرائم الإرهابية في تاريخه الحديث. ثلاثة تفجيرات متزامنة استهدفت فنادق في العاصمة عمّان، حصدت أرواح نحو ستين إنساناً وأصابت أكثر من مئة وخمسة عشر آخرين، في مشهد لم يستهدف ضحاياه فحسب، بل استهدف أمن الدولة وطمأنينة المجتمع الأردني برمته.
وبعد واحد وعشرين عاماً، تعود الذاكرة الوطنية مثقلة بوجع جديد؛ من كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، حيث روى ارض الأردن تسعة من سهداءاعتداء إرهابي غادر، إلى العاصمة عمّان، حيث ارتقى العريف جواد السلايطة شهيداً أثناء تأدية واجبه الأمني، في اعتداء استهدف رجل أمن يحمل أمانة حماية الوطن.
إن استحضار هذه المحطات الثلاث ليس مجرد استعادة لوقائع مؤلمة، بل هو قراءة في مسار خطر ظل يهدد الأردن، وإن اختلفت أدواته وأساليبه وتكتيكاته. فالإرهاب الذي استهدف فنادق عمّان عام 2005، والإرهاب الذي امتدت يده إلى كنيسة أردنية في حمود، والاعتداء الذي أودى بحياة الشهيد جواد السلايطة، تضع جميعها أمامنا حقيقة لا يجوز تجاهلها: أن الفكر الذي يستبيح دم الإنسان، ويكفّر الآخر، ويجعل من الاختلاف الديني أو الوظيفي أو الاجتماعي مبرراً للعدوان، لا يزال يمثل تهديداً جدياً للأمن الوطني والسلم الأهلي.
ولا يعني هذا الربط افتراض وجود ارتباط تنظيمي أو تخطيط مشترك بين الجرائم الثلاث، فذلك شأن تحسمه التحقيقات والأدلة والأحكام القضائية، وإنما المقصود هو وحدة الخطر الذي تمثله الأيديولوجيا المتطرفة حين تتحول إلى سلوك إجرامي يستهدف الإنسان والدولة والمجتمع.
حمود.. حين تصبح الكنيسة هدفاً للإرهاب
لم تكن جريمة حمود اعتداءً على مكان عبادة فحسب؛ فالكنيسة في وجدان الأردنيين ليست مجرد بناء ديني، وإنما جزء أصيل من تاريخ الأردن وهويته وتكوينه الوطني.
إن استهداف كنيسة أردنية هو استهداف لفكرة المواطنة ذاتها، ومحاولة لضرب النموذج الأردني الذي قام على الشراكة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، وعلى احترام التعدد الديني، وعلى حقيقة راسخة مفادها أن الأردنيين شركاء في الوطن والمصير والحقوق والواجبات.
ولذلك، فإن دماء شهداء حمود ليست قضية تخص أبناء بلدة أو طائفة بعينها، بل هي قضية وطن بأسره. فالمسلم الذي يستنكر الاعتداء على الكنيسة إنما يدافع عن وطنه، والمسيحي الذي يرفض استهداف المسجد إنما يدافع عن وطنه أيضاً.
فالأردن لا يعرف مواطناً من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية، ولا يعرف كنيسة غريبة عن ترابه أو مسجداً غريباً عن أهله.
جواد السلايطة.. حين يصبح حارس الوطن هدفاً للغدر
وقبل أن يلتئم جرح حمود، امتدت يد الغدر إلى العريف جواد السلايطة، الذي ارتقى شهيداً وهو يؤدي واجبه الأمني في العاصمة عمّان.
إن استشهاد جواد ليس خسارة لعائلته وعشيرته ومحبيه فحسب، بل هو خسارة وطنية تمس كل أردني يدرك معنى أن يقف رجل أمن في موقعه، حاملاً مسؤولية حماية الآخرين، معرضاً حياته للخطر في سبيل أداء واجبه.
لقد كان جواد يؤدي واجبه، وكان وجوده في موقع الخدمة تعبيراً عن إحدى أسمى صور التضحية الوطنية؛ أن يكون الإنسان مستعداً لأن يدفع حياته ثمناً لأمن الآخرين.
ومن هنا، فإن الاعتداء على رجل الأمن أثناء أداء واجبه ليس اعتداءً على شخصه وحده، بل هو اعتداء على الوظيفة الأمنية التي تمثل إحدى ركائز سيادة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها ومؤسساتها.
رحم الله الشهيد جواد السلايطة، ورحم شهداء حمود، والشفاء العاجل للملازم الثاني فراس العنانزة، الذي واجه المعتدي وأصيب أثناء تدخله.
من الذاكرة إلى التشريع.. هل آن أوان المراجعة؟
من موقع المسؤولية القانونية والمهنية، أرى أن الذكرى الحادية والعشرين لتفجيرات عمّان يجب ألا تقتصر على استذكار الضحايا وتأكيد المواقف الوطنية، بل ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة جادة وشاملة لمنظومة التشريعات والسياسات الوطنية لمكافحة الإرهاب.
لقد أثبتت التجارب أن مواجهة الإرهاب لا تتحقق بملاحقة المنفذين بعد وقوع الجرائم فحسب، وإنما تستوجب مواجهة البيئة التي تنتج الفكر المتطرف، وتجفيف منابع تمويله، وملاحقة شبكات التجنيد والتحريض والتسهيل والدعم، ومعالجة ما يمكن أن يشكل حواضن فعلية للنشاط الإرهابي.
وهنا تبرز ضرورة تطوير التشريعات الأردنية الناظمة لمكافحة الإرهاب، بما يحقق جملة من الأهداف:
1.تطوير تعريف الإرهاب بحيث يستوعب الأنماط المستحدثة للأفعال الإرهابية، دون إخلال بمبدأ الشرعية والوضوح التشريعي.
2.وضع معالجة قانونية دقيقة للأفعال التي تشكل حواضن للنشاط الإرهابي، وتجريم صور الدعم والتسهيل والإيواء والتحريض متى توافرت أركانها القانونية.
3.تعزيز أدوات مواجهة تمويل الإرهاب وغسل الأموال المرتبط به، وتجفيف مصادر الدعم المالي واللوجستي للتنظيمات الإرهابية.
4.تشديد المواجهة القانونية مع من يثبت تورطه في التخطيط أو التجنيد أو التدريب أو التحريض أو تقديم المساعدة للنشاط الإرهابي.
5.تطوير التدابير الوقائية والفكرية والمجتمعية لمواجهة التطرف قبل تحوله إلى فعل إجرامي.
إن الأمن الوطني لا يُحمى بالتشريع وحده، ولكنه لا يستطيع الاستغناء عن تشريع واضح وحازم وفعّال. كما أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على ملاحقة المجرم، وإنما بقدرتها على منع الجريمة قبل وقوعها، دون التفريط بضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون.
الإرهاب واحد.. والوطن واحد
إن أكثر ما يجب أن نتعلمه من تفجيرات عمّان عام 2005، ومن جريمة حمود، ومن استشهاد جواد السلايطة، هو أن الإرهاب لا يختار ضحاياه وفق انتماءاتهم الدينية أو الاجتماعية أو الوظيفية؛ فهو يستهدف الإنسان لأنه يؤمن بالحياة، ويستهدف الكنيسة لأنها تجسد حرية العبادة، ويستهدف رجل الأمن لأنه يقف في وجه مشروع الفوضى والجريمة.
ولذلك، لا يجوز أن نسمح للإرهاب بأن يحدد لنا هويتنا، أو أن يزرع بيننا خطوطاً فاصلة، أو أن يحول اختلافاتنا إلى أسباب للعداء.
إن مواجهة الإرهاب مسؤولية دولة ومجتمع، ومسؤولية مؤسسات دينية وتعليمية وإعلامية، ومسؤولية كل مواطن يرفض خطاب التكفير والكراهية ويؤمن بأن حرمة الدم الإنساني فوق كل اعتبار.
وفي الختام،
من فنادق عمّان التي شهدت فاجعة عام 2005، إلى كنيسة القديس جاورجيوس في حمود، وصولاً إلى موقع الواجب الذي ارتقى فيه جواد السلايطة شهيداً؛ تتجدد أمامنا رسالة واحدة: أن الأردن لا يمكن أن يكون ساحة لمشاريع التطرف، ولا أن يسمح لأصحاب الفكر الظلامي بأن يفرضوا على أبنائه منطق القتل والإقصاء.
واحد وعشرون عاماً مرت، تغيرت فيها الأدوات، وتعددت فيها صور الاعتداء، لكن الأردن بقي متمسكاً بدولته ومؤسساته ووحدته الوطنية.
رحم الله ضحايا تفجيرات عمّان، ورحم شهداء حمود التسعة، ورحم الشهيد جواد السلايطة، وحمى كل جندي ورجل أمن يقف على ثغور الوطن.
من حمود إلى عمّان، ومن الكنيسة إلى موقع الواجب، دم الأردني واحد، ووجعه واحد، وكرامته واحدة، ووطنه واحد.
لن نسمح للإرهاب أن يفرقنا، ولن نسمح للتطرف أن يختطف مستقبلنا، وسيبقى الأردن وطناً لكل أبنائه، عصياً على الإرهاب، قوياً بوحدته، شامخاً بقيادته ومؤسساته وشعبه.