اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

ماذا ينتظر الأردنيون من مراكز القرار في هذه المرحلة الدقيقة؟

الأحد-2026-11-08 12:35 am
جفرا نيوز -
كتب د. أحمد زياد أبو غنيمة:
**
لقد تركت الأحداث الموجعة التي عاشها الأردنيون في الأسابيع الماضية جرحاً وطنياً غائراً في وجدان كل أردني وأردنية، من رأس الدولة إلى أصغر مواطن في هذا الحمى الأبيّ.
لقد كانت أياماً ثقيلة، روّت فيها الدماء البريئة أرض الأردن الطهور، ولكنها في الوقت ذاته أثبتت للقاصي والداني معدن هذا الشعب الأصيل؛ الذي وقف – كما هو عهده دائماً – صفاً واحداً خلف دولته وقيادته، متخندقاً في خندق الوطن للحفاظ على وحدة الصف الداخلي وسلامة نسيجه المجتمعي.
**
وبعد هذه الأحداث الجسام التي ألقت بظلالها على المشهد الوطني، تقف مراكز القرار، من حكومة وبرلمان وأجهزة أمنية، أمام استحقاق وطني لا يقبل التأجيل أو الترحيل؛ فالأردنيون اليوم، وبعد أن أدوا قسطهم من المسؤولية الوطنية، ينتظرون من دولتهـم رسائل طمأنة حقيقية وأفعالاً ملموسة تؤكد لهم على منعة وطنهم، وأمنه، واستقراره، وتصون حياة أبنائه.
**
ولعل أول ما ينتظره الأردنيون في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الوطن، هو إحداث تغيير جذري وحقيقي في التعاطي مع المشهد الداخلي الأردني، إذ لم يعد مقبولاً الركون إلى ذات الأدوات والنهج في إدارة الأزمات، بل المطلوب تأسيس مرحلة جديدة تعزز تماسك الأردنيين وتلاحمهم مع دولتهم وقيادتهم، لنعبر بسلام وأمان، وفاءً لتلك الدماء الزكية التي سالت ذوداً عن هذا الثرى، وضماناً لعدم تكرار ما جرى.
**
إن المسؤولية الوطنية تفرض على الدولة بكافة مكوناتها أن تغادر، وبلا رجعة، مربع التفريق بين الأردنيين على قاعدة "نحن" و"هم"؛ فالمصاب الذي أدمى قلوبنا لم يفرق بين أحد، وما أصاب وجداننا الوطني أصاب الجميع دون استثناء، فالأردن لكل أبنائه، وهم جميعاً شركاء في حمايته وبنائه، وأي محاولة لتمزيق هذا الصف هي طعنة في خاصرة الوطن.
**
ومن هنا، يتجلى المطلب الملح بالانفتاح الحقيقي والجاد على كافة مكونات الطيف الأردني، فالألم واحد، والخروج من تداعيات هذه الأزمة يتطلب توحيد بوصلة الأردنيين نحو المصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن سياسات الإقصاء والتهميش أو الانغلاق التي لا تخدم سوى المتربصين بأمننا واستقرارنا، إن الحوار الوطني الصادق هو طوق النجاة الذي يجمع الكلمة ويوحد الصف.
**
وعلى الصعيد الفكري والأمني، بات لزاماً تركيز جهود أجهزة الدولة ومؤسساتها لمحاربة الفكر الإرهابي المتطرف من جذوره، وتجفيف منابعه، بالتوازي مع تعزيز فكر الاعتدال والوسطية؛ ذلك الفكر الأصيل الذي ينسجم مع قيمنا، وثوابتنا الدينية، وعاداتنا الوطنية السمحة، إن المعركة اليوم ليست أمنية فحسب، بل هي معركة وعي تتطلب تحصين عقول شبابنا من قوى الظلام.
**
وفي خضم هذا المشهد، يتجدد اعتزازنا الدائم والمطلق بجهود وتضحيات أجهزتنا الأمنية الساهرة وبواسل جيشنا العربي المصطفوي، الذين يبذلون الغالي والنفيس ذوداً عن أمن الأردن واستقراره؛ إلا أن هذا الانتماء الصادق يفرض علينا تقديم النصيحة المخلصة لأصحاب القرار، بأن المرحلة المقبلة تتطلب مكاشفة حقيقية وجريئة مع الشارع الأردني؛ وتحديداً فيما يتعلق بالملاحظات المتزايدة حول استمرار بعض التدخلات الرسمية في جوانب الحياة السياسية الأردنية.
فهذه التدخلات، مهما كانت مبرراتها، تترك آثاراً سلبية عميقة تطال استقلالية مؤسسات الدولة وصميم عملها، وتستنزف رصيد ثقة الأردنيين بمؤسساتهم وأجهزتهم.
**
وفي هذا السياق، ينتظر الأردنيون أن تتوارى المقاربات الأمنية في تقييم آراء المواطنين، وأن يتم النظر والتعاطي سياسياً، وبرحابة صدر، مع كل رأي أو اجتهاد قد يختلف مع التوجهات الرسمية؛ فالاختلاف في حب الوطن هو إثراء للمسيرة، والتعامل السياسي مع الآراء الوطنية المتباينة هو صمام الأمان الذي يوسّع خيمة الوطن لتتسع للجميع.
**
وإذا ما أردنا أن نضع النقاط على الحروف، فإن مجريات الأحداث وتداعياتها قد أظهرت بوضوح أن النخبة التي تدير المشهد الداخلي الأردني في كثير من مفاصله، قد أثبتت أنها بعيدة كل البعد عن نبض الشارع وهمومه وتطلعاته الحقيقية.
هذا الانفصام عن الواقع يدفعنا للقول، بكل تجرد وموضوعية، إن المرحلة القادمة بتعقيداتها وتحدياتها لا تحتمل أنصاف الحلول أو الاعتماد على ذات الوجوه والأدوات، بل تستدعي إفراز نخبة وطنية جديدة؛ نخبة تكون على قدر المسؤولية الوطنية العليا، تمتلك الرؤية والإرادة، وتلتحم بصدق مع قضايا المواطنين لتكون جسراً متيناً يعيد بناء الثقة المفقودة.
**
ولا يمكن أن تكتمل هذه المواجهة دون التفات مراكز القرار لمعالجة التشوهات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تشكل بيئة خصبة لليأس والإحباط. إن تحصين الجبهة الداخلية يتطلب محاربة جادة للفساد، وإرساء مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، لضمان العيش الكريم لكل أردني.
**
الأردن بإذن الله؛ عصي على الانكسار، ولكن عبور هذه المرحلة يتطلب من مراكز القرار أن تستمع جيداً لنبض الشارع الأردني، وأن تترجم هذا النبض إلى سياسات عملية ورؤية واضحة تحمي الوطن وتصون مقدراته.
حمى الله الأردن، قيادة وشعباً، ورد عنه كيد الكائدين.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير