جفرا نيوز -
يمر الأردن بمرحلة إقليمية شديدة التعقيد، تتسارع فيها التحولات السياسية والعسكرية، وتتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية بصورة تجعل من قراءة المشهد أمراً يتجاوز حدود الأحداث المباشرة إلى استشراف ما يمكن أن تؤول إليه المنطقة في المرحلة المقبلة. فالأردن اليوم ليس مجرد دولة تراقب ما يجري حولها، بل هو في قلب جغرافيا مضطربة، تحيط به بؤر توتر مفتوحة، وتفرض عليه تحديات متزامنة على جبهاته المختلفة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً.
فالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وما أفرزته من تداعيات، إلى جانب إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي جزء من تحولات استراتيجية كبرى ستنعكس على مستقبل الإقليم، وعلى طبيعة التحالفات والعلاقات بين دوله. وفي خضم هذه التحولات، يجد الأردن نفسه مطالباً بالحفاظ على توازن دقيق بين حماية مصالحه الوطنية، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم استقراره، مع الاستمرار في أداء دوره السياسي والدبلوماسي في محيط شديد الاضطراب.
أولاً: الجبهة الداخلية.. خط الدفاع الأول عن الدولة
لعل أخطر ما يمكن أن يواجه الأردن في هذه المرحلة ليس الهجمات العسكرية المباشرة، التي أثبتت مؤسساته العسكرية والأمنية قدرتها على التعامل معها، وإنما محاولات العبث بالنسيج الاجتماعي وإعادة إحياء حساسيات طائفية أو دينية لا مكان لها في تاريخ الدولة الأردنية ولا في وجدان شعبها.
لقد قامت العلاقة الإسلامية المسيحية في الأردن على شراكة تاريخية راسخة، لم تكن يوماً مجرد تعايش بين مكونات اجتماعية مختلفة، بل كانت جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية الأردنية. ومن هنا، فإن ما شهدته قرية حمود في محافظة الكرك من أحداث دامية واستهداف لمواطنين مسيحيين في سياق اعتداء إرهابي، يجب أن يُقرأ باعتباره اعتداءً على الأردن كله، وليس على طائفة أو مكون بعينه.
إن دماء الضحايا والشهداء في حمود ليست قضية تخص أبناء القرية وحدهم، بل هي قضية كل أردني، مسلماً كان أم مسيحياً. وأي محاولة لاستثمار هذه الجريمة لإثارة الانقسام أو التشكيك في متانة العلاقة التاريخية بين مكونات المجتمع الأردني إنما تخدم أهداف من أرادوا إشعال الفتنة، سواء أدرك أصحاب هذه المحاولات ذلك أم لم يدركوه.
وفي السياق ذاته، فإن الاعتداءات التي تستهدف أفراد الأجهزة الأمنية، ومنها الاعتداء الغادر الذي أودى بحياة الشرطي الشهيد جواد، تمثل رسالة خطيرة تتجاوز استهداف الفرد إلى محاولة النيل من هيبة الدولة ومؤسساتها. فالجهاز الأمني الأردني ليس مجرد مؤسسة لحفظ النظام، بل هو أحد أعمدة الاستقرار الوطني، والتعرض لأفراده هو تعرض لأمن المجتمع بأسره.
ولذلك، فإن حماية الجبهة الداخلية لا تقل أهمية عن حماية الحدود، بل قد تكون أكثر إلحاحاً في بعض الظروف؛ إذ يمكن للدولة أن تتصدى لهجوم عسكري واضح المصدر والهدف، لكن الفتنة الاجتماعية حين تبدأ بالتسلل إلى الوعي الجمعي تصبح أكثر تعقيداً في احتوائها، وأكثر كلفة على المدى البعيد.
ثانياً: العلاقة الأردنية السورية.. لا ينبغي أن تكون الأخطاء مدخلاً لتخريب التقارب
شهدت العلاقات الأردنية السورية خلال الفترة الأخيرة تطوراً إيجابياً مهماً، حمل معه آمالاً بإعادة بناء الثقة والتعاون، وفتح صفحة جديدة تقوم على المصالح المشتركة، وفي مقدمتها أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وضبط عمليات التهريب، وإعادة تنشيط التعاون الاقتصادي والتجاري.
لكن هذه العلاقة الناشئة لا تزال تواجه اختبارات صعبة، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية على الحدود الشمالية، وما رافق العمليات العسكرية الأردنية الأخيرة في جنوب سوريا من تباين في الروايات والتقديرات بشأن المواقع المستهدفة والتداعيات المدنية للقصف.
ومن الضروري هنا عدم السماح لأي خطأ ميداني أو استخباري محتمل، أو أي تباين في التقديرات والمعلومات، بأن يتحول إلى أزمة سياسية بين البلدين، أو إلى مدخل لإجهاض مسار التقارب الذي يحتاج إليه الطرفان.
إن وجود قنوات التنسيق الأمني والسياسي، واللجان المشتركة، وتبادل المعلومات، هو الطريق الصحيح لمعالجة مثل هذه الإشكالات، بعيداً عن التصعيد الإعلامي أو إطلاق الأحكام المسبقة. فالمصلحة الأردنية تقتضي وجود دولة سورية مستقرة وقادرة على ضبط أراضيها، كما أن المصلحة السورية تقتضي وجود علاقة متينة مع الأردن، الذي يشكل بوابة مهمة نحو عمقه العربي.
ولا يمكن تجاهل الدور الذي قد تؤديه أطراف لا ترغب في نجاح هذا التقارب، سواء من خلال محاولات التضليل أو استغلال الأخطاء أو توظيف المعلومات بصورة انتقائية. غير أن التعامل مع هذه الاحتمالات يجب أن يستند إلى الأدلة والتحقيقات، لا إلى الافتراضات.
ثالثاً: الجيوش الإلكترونية.. حين تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات لزعزعة الاستقرار
من الملاحظ في الأزمات الإقليمية أن المعركة لم تعد محصورة في الميدان العسكري أو السياسي، بل انتقلت بقوة إلى الفضاء الرقمي، حيث باتت بعض المنصات والجيوش الإلكترونية والحسابات المنظمة أدوات لتضخيم الأحداث، وتوجيه الرأي العام، وإعادة إنتاج الوقائع بما يخدم أجندات سياسية محددة.
وفي الحالة الأردنية، تبرز خطورة هذه الظاهرة عندما يجري استغلال أحداث أمنية أو خلافات سياسية أو حوادث فردية لتصويرها على أنها مؤشرات على انهيار العلاقات بين مكونات المجتمع، أو انهيار المؤسسات، أو فشل الدولة في إدارة ملفاتها.
إن تضخيم الأخطاء، واجتزاء التصريحات، وإعادة نشر المقاطع خارج سياقها، والتشكيك المنهجي بالمؤسسات، كلها أدوات يمكن أن تتحول إلى جزء من حرب نفسية تستهدف ثقة المواطن بدولته ومجتمعه.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلام الوطني، وعلى النخب السياسية والثقافية، وعلى المواطنين أنفسهم، في التمييز بين النقد المسؤول وحملات التحريض، وبين حرية التعبير ومحاولات صناعة الفوضى. فليس كل ما يتصدر منصات التواصل حقيقة، وليس كل من يرفع شعار الوطنية حريصاً بالضرورة على المصلحة الوطنية.
رابعاً: الجوار الإقليمي.. تحديات متعددة وحسابات دقيقة
لا يمكن قراءة الموقف الأردني بمعزل عن محيطه الجغرافي. فمن الشمال، يواجه الأردن تحديات أمنية متصلة بالوضع السوري، ومن الشرق يراقب التطورات العراقية وما قد تحمله من انعكاسات على أمن المنطقة، أما من الغرب، فيظل الخطر الاستراتيجي الأكبر متمثلاً في استمرار السياسات الإسرائيلية التوسعية، وما يرتبط بها من مخاطر التهجير القسري ومحاولات فرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد على حساب الحقوق الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يبرز الموقف الأردني الثابت، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، في رفض التهجير والوطن البديل، والتصدي لأي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن أو تحويله إلى بديل عن الدولة الفلسطينية. وهذا الموقف ليس مجرد موقف سياسي ظرفي، بل يمثل خطاً استراتيجياً يمس الأمن الوطني الأردني وهويته ومستقبله.
وقد أثبت الأردن، رغم محدودية موارده وضخامة التحديات المحيطة به، تمسكه بهذا الموقف، مستنداً إلى شرعية سياسية وتاريخية، وإلى إرادة وطنية لا تقبل المساومة على السيادة أو الحقوق الفلسطينية.
خامساً: العلاقات الأردنية الخليجية.. الحاجة إلى التوازن العربي
على المستوى العربي، تشكل العلاقات الأردنية الخليجية أحد الملفات المهمة التي تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والمرونة. فهذه العلاقات، على الرغم من عمقها التاريخي والاستراتيجي، تمر أحياناً بحالات من التباين والتجاذب، تتأثر بالاستقطابات البينية الخليجية واختلاف الأولويات والتوجهات السياسية بين بعض العواصم.
ويجد الأردن نفسه أحياناً أمام معادلات دقيقة، تتطلب منه الحفاظ على علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، دون أن يبدو منحازاً إلى محور على حساب آخر، خصوصاً أن مصالحه الوطنية ترتبط بعلاقات واسعة مع دول الخليج كافة.
إن الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات العربية، بل يحتاج إلى موقف عربي موحد وقوي، يستطيع من خلاله مواجهة التحديات الإقليمية، والتعامل مع الأطماع التوسعية، وحماية المصالح المشتركة. ومن هنا، فإن الدبلوماسية الأردنية مطالبة بالاستمرار في سياسة التوازن، والعمل على تقريب وجهات النظر، وتجنب الانخراط في الاستقطابات التي لا تخدم إلا خصوم المنطقة.
وفي المقابل، تبرز أهمية العلاقات الأردنية المصرية بوصفها نموذجاً للتنسيق العربي القائم على الاعتدال والواقعية السياسية. فالدولتان تمتلكان ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً، وتجمعهما رؤية متقاربة تجاه ضرورة الحفاظ على استقرار المنطقة، ورفض التوسع الإسرائيلي، والتصدي لمحاولات تهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم.
إن التنسيق الأردني المصري يمثل ركيزة مهمة في أي جهد عربي جاد للحفاظ على الحقوق الفلسطينية، ومنع فرض حلول أحادية على المنطقة، وتعزيز فرص الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة.
سادساً: العشائر الأردنية.. امتداد تاريخي في بناء الدولة وحمايتها
لا يمكن الحديث عن استقرار الأردن وتماسكه دون الإشارة إلى الدور التاريخي الذي قامت به العشائر الأردنية في بناء الدولة منذ نشأتها، وفي ترسيخ مؤسساتها، والدفاع عن أمنها واستقرارها.
لقد كانت العشائر، ولا تزال، أحد الأعمدة الاجتماعية والوطنية التي استندت إليها الدولة الأردنية، وأسهمت في تشكيل هويتها الوطنية الجامعة. ولم يكن دورها مقتصراً على مراحل التأسيس، بل امتد إلى مختلف المحطات التي واجه فيها الأردن تحديات سياسية وأمنية واقتصادية.
واليوم، تتجدد أهمية هذا الدور من خلال تعزيز قيم الانتماء والولاء الوطني، ورفض الفتنة، والوقوف صفاً واحداً خلف مؤسسات الدولة، مع التأكيد أن العشائر الأردنية جزء من النسيج الوطني الشامل، وأن قوة الأردن تكمن في اجتماع جميع مكوناته تحت مظلة المواطنة والدستور والقانون.
سابعاً: التحولات السياسية.. نافذة فرص لا يجوز التعامل معها باطمئنان مفرط
تفرض التحولات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة قراءة المشهد الإقليمي. فقد حقق الحزب الديمقراطي الأمريكي انتصاراً واسعاً في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، بما أتاح له السيطرة على مجلسي الكونغرس، في تطور قد ينعكس على طبيعة النقاش الأمريكي بشأن الحرب مع إيران والعلاقة مع إسرائيل.
وفي إسرائيل، أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة تراجع قدرة معسكر بنيامين نتنياهو على الاحتفاظ بأغلبيته البرلمانية، دون أن يعني ذلك بالضرورة خروجه الفوري من المشهد السياسي، إذ لا تزال عملية تشكيل الحكومة مفتوحة على احتمالات متعددة.
هذه المتغيرات قد تفتح نافذة لانفراج سياسي نسبي، أو على الأقل لإعادة ترتيب بعض الملفات الإقليمية، لكنها لا تعني أن المنطقة تتجه حتماً نحو الاستقرار. فالتجارب السابقة أثبتت أن التحولات السياسية الكبرى قد تفتح المجال أمام فرص جديدة، لكنها قد تنتج أيضاً مفاجآت غير محسوبة، وربما تصعيداً في بعض الملفات قبل الوصول إلى تسويات.
ولذلك، فإن المطلوب من الأردن هو التعامل مع المرحلة المقبلة بأقصى درجات الحذر والجاهزية، وعدم بناء الحسابات الاستراتيجية على افتراضات متفائلة أو على توقعات بخروج شخصية سياسية أو صعود أخرى. فالدول لا تبني أمنها على احتمالات التغيير، بل على امتلاك القدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات.
الخاتمة: الأردن أكبر من محاولات الاستهداف
إن الأردن، بما يمتلكه من مؤسسات راسخة وقيادة سياسية واعية وتاريخ طويل من التعامل مع الأزمات، أثبت أنه قادر على تجاوز العواصف التي مرت بالمنطقة، وأنه ليس دولة سهلة الانكسار أمام الضغوط أو التهديدات.
لكن الحفاظ على هذه المعادلة يتطلب إدراكاً جماعياً بأن الاستقرار الذي يتمتع به الأردن ليس أمراً تلقائياً أو مضموناً، بل هو حصيلة تضحيات وجهود متراكمة، ووعي وطني يجب أن يبقى حاضراً في كل الظروف.
إن المواطن الأردني، بمختلف أصوله ومنابته، مسلمه ومسيحيه، عشائره ومدنه ومخيماته، هو جزء من منظومة وطنية واحدة لا تقبل التجزئة. ولا يجوز أن تتحول الاختلافات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية إلى مداخل للفتنة أو أدوات في صراعات الآخرين.
لقد أثبت الأردن أنه قادر على حماية حدوده والتصدي للتهديدات العسكرية والأمنية، لكن التحدي الأكبر يبقى في حماية الوعي الجمعي، وصون الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، والحفاظ على النسيج الاجتماعي من محاولات الاختراق والتفكيك.
فالأردن لا يحتاج اليوم إلى اصطفافات داخلية جديدة، بل إلى مزيد من التماسك الوطني، ولا يحتاج إلى مزايدات، بل إلى وعي ومسؤولية، ولا يحتاج إلى الانجرار وراء معارك الآخرين، بل إلى موقف عربي موحد يحمي مصالحه ويعزز قدرته على مواجهة التحديات.
ولعل الحقيقة الأهم التي يجب أن يدركها الجميع هي أن انهيار الاستقرار الأردني، لا سمح الله، لن يكون خسارة للأردنيين وحدهم، بل ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المملكة إلى المنطقة بأسرها. فالأردن ليس مجرد دولة مستقرة وسط إقليم مضطرب، بل هو أحد أعمدة التوازن الإقليمي، وأي اهتزاز في بنيانه ستكون كلفته على الجميع باهظة.
فلنحافظ على الأردن؛ فالدول لا تحميها حدودها وحدها، بل يحميها أولاً تماسك أبنائها، ووعيهم، وإيمانهم بأن وطنهم أكبر من كل الخلافات، وأقوى من كل محاولات الفتنة.