اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

من حمود إلى استشهادالسلايطة… حين تتوحد غاية الإرهاب وتختلف أدواته

Friday-2026-11-06 06:26 pm
جفرا نيوز -

بقلم المحامي عامر حسين الهلسه 
ليست جريمة حمود واستشهاد العريف جواد السلايطة مجرد واقعتين ارهابيتين تفصل بينهما الأيام، أو تختلفان في وسيلة التنفيذ وطبيعة الضحايا؛ إنهما تضعان أمامنا حقيقة بالغة الخطورة، تستوجب قراءة قانونية وفكرية عميقة، تتجاوز حدود الفعل المادي إلى الحاضنة الفكرية المتطرفة التي تغذي الإرهاب، والغاية التي يسعى إلى تحقيقها، والأثر الذي يريد أن يتركه في الدولة والمجتمع.

في حمود، امتدت يد الإرهاب إلى مواطنين آمنين في محيط كنيسة، فاستهدفت أرواحاً بريئة، وانتهكت حرمة المكان، وحاولت أن تجعل من الاختلاف الديني مدخلاً للقتل والفتنة، وأن تضرب أحد أركان التماسك الوطني الأردني. وفي استشهاد العريف جواد السلايطة، امتدت اليد ذاتها، وإن اختلفت أداتها، إلى رجل أمن يؤدي واجبه في حماية المجتمع، في اعتداء يكشف خطورة الفكر الذي لا يكتفي باستباحة دم الإنسان، بل يتحدى سلطة القانون ورمزية الدولة وأجهزتها المكلفة بحماية المواطنين.

إن وحدة القراءة بين الجريمتين تنطلق من إدراك أن الإرهاب لا يُقاس فقط بالسلاح الذي يستخدمه، ولا بعدد ضحاياه، ولا بالمكان الذي تقع فيه الجريمة؛ وإنما يُقرأ كذلك من خلال الحاضنة الفكرية التي تنتجه، والغاية التي تحركه، والرسالة التي يريد إيصالها. فقد تختلف الأهداف المباشرة والوسائل التنفيذية، لكن الغاية الإرهابية قد تتوحد في استهداف أمن المجتمع، وإثارة الخوف، وضرب الثقة بمؤسسات الدولة، وزعزعة السلم الأهلي.

وهنا تكمن خطورة الحاضنة الإرهابية؛ فهي لا تبدأ بالرصاصة أو الطعنة، وإنما تبدأ بفكرة تُحرّف الوعي، وتُجرّد الإنسان من إنسانيته، وتُصنّف المجتمع وفق معايير التكفير والكراهية والإقصاء، ثم تمنح صاحبها وهماً زائفاً بالحق في استباحة دماء الآخرين. وحين تتحول هذه الأفكار إلى قناعات تبرر العنف، فإن الجريمة تصبح نتيجة محتملة لمسار من التطرف لا يجوز الاستهانة بمقدماته.

إن استهداف مواطنين في محيط كنيسة، واستهداف رجل أمن أثناء أداء واجبه، يمكن أن يلتقيا في غاية إرهابية واحدة: ضرب الدولة في وحدتها، والمجتمع في أمنه، والإنسان في حقه بالحياة. فالكنيسة ليست هدفاً دينياً فحسب، ورجل الأمن ليس هدفاً وظيفياً فحسب؛ فكلاهما يمثل جانباً من جوانب الدولة والمجتمع اللذين يريد الإرهاب إخضاعهما لمنطقه القائم على العنف والإكراه.

ومن الناحية القانونية، فإن وحدة الغاية لا تعني بالضرورة وحدة التنظيم أو وجود اتفاق مسبق بين مرتكبي الجريمتين؛ فهذه مسائل لا تثبت إلا بالأدلة والتحقيقات. لكنها تفرض على الجهات المختصة أن تبحث بجدية في الحاضنة الفكرية المشتركة، ومصادر التحريض، والروابط المحتملة، والاتصالات، وأي امتداد تنظيمي إن وجد. فليس من الكافي أن نقف عند الفاعل المباشر ونغلق ملف البحث عن البيئة التي أنتجت الفعل، متى توافرت مؤشرات تستوجب ذلك.

وتزداد هذه المسألة أهمية في ضوء المعلومات المنشورة عن الخلفية القضائية السابقة لمنفذ الاعتداء على العريف السلايطة، وما صدر بحقه من حكم في قضية ذات صلة بأفعال إرهابية. وهذا يوجب مراجعة مساره القضائي والتنفيذي، والتحقق من ظروف تنفيذ العقوبة والإفراج، إن وقع، ومدى وجود مؤشرات على استمرار نشاطه المتطرف. وليس في ذلك استباق لنتائج التحقيق أو افتراض لمسؤولية أي جهة، بل هو مقتضى البحث الجاد في أسباب تجدد الخطر الإرهابي وسبل مواجهته.

إن الإرهاب لا يُهزم بمجرد معاقبة من نفذ الجريمة، وإنما بمواجهة منظومة الأفكار والتحريض والتجنيد التي تبررها، وتجفيف مصادر دعمها، وملاحقة كل من يثبت اشتراكه أو تدخله فيها، ضمن أحكام القانون وضمانات المحاكمة العادلة. فالمسؤولية الجزائية شخصية، لكن مسؤولية الدولة الوقائية والمؤسسية تقتضي ألا تترك الثغرات التي تسمح للفكر المتطرف بأن يتحول مرة أخرى إلى مشروع دموي.

ومن هنا، فإن جريمتي حمود واستشهاد جواد السلايطة تستحقان أن تُقرآ في سياق وطني وقانوني واحد؛ لا لإثبات رابطة لم تثبتها الأدلة، بل لفهم الخطر الذي يجمع بينهما، ومواجهة الحاضنة التي يمكن أن تنتج هذا النمط من الجرائم، أياً كانت الوسيلة أو الضحية.

إن دماء شهداء حمود ودماء العريف جواد السلايطة ليست مجرد وقائع في ملفات جزائية؛ إنها أمانة في أعناق العدالة، واختبار لفاعلية منظومة حماية المجتمع، وتذكير بأن الإرهاب حين يستهدف الكنيسة أو رجل الأمن، فإنه في الحالتين يستهدف الأردن في أمنه ووحدته وهويته الوطنية.

إن المعركة الحقيقية ليست مع جريمة وقعت وانتهت، بل مع فكر يريد أن يجعل من الجريمة عقيدة، ومن الكراهية منهجاً، ومن الدم وسيلة لتحقيق غاياته.

ولذلك، فإن الرد الأردني الذي نحتاجه ليس خطاباً انتقامياً، ولا انقساماً مجتمعياً، وإنما دولة قانون قوية، وقضاء عادل وحازم، ومؤسسات يقظة، ومجتمع يرفض التطرف بكل أشكاله.

فمن حمود إلى استشهاد جواد السلايطة، تتغير الوجوه والأدوات، لكن الخطر الذي ينبغي أن نواجهه واحد: فكر إرهابي يستبيح الإنسان، ويستهدف الدولة، ويحاول النيل من وحدتنا الوطنية.

وسيظل الأردن، بقيادته الهاشمية ووحدة أبنائه ومؤسساته، أكبر من كل مشروع إرهابي، وأقوى من كل فكر ظلامي يحاول أن يجعل من دماء الأردنيين جسراً إلى الفتنة والانقسام.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير