جفرا نيوز -
بقلم: مالك عبيدات
ليست المسألة اليوم مجرد حادثتين أمنيتين شهدتهما المملكة، وليست جريمة وقعت في كنيسة حمود بمحافظة الكرك، وأخرى استهدفت رجال الأمن العام في قلب العاصمة عمّان وأودت بحياة الشهيد العريف جواد علي خلف السلايطة؛ فالمشهد أكبر من ذلك، والرسائل التي تحملها هذه الاعتداءات أخطر من أن تُقرأ باعتبارها أحداثاً منفصلة. نحن أمام محاولات إرهابية تضرب في أكثر من اتجاه، وتستهدف الإنسان الأردني وأمنه، وتسعى إلى المساس بالركيزة التي قامت عليها الدولة الأردنية: الأمن والاستقرار.
حين يُستهدف مكان للعبادة، وحين يُستهدف رجل أمن وهو يؤدي واجبه، فإن الرسالة التي يريد الإرهاب إيصالها تتجاوز الضحايا إلى المجتمع بأكمله. يريد أصحاب الفكر المنحرف أن يقولوا للأردنيين إن أحداً ليس بمنأى عن الخطر، وإن لا مكان آمناً، وإن بإمكانهم الوصول إلى أهدافهم متى أرادوا. لكن هؤلاء يخطئون في قراءة الأردن، ويجهلون طبيعة شعبه، وصلابة مؤسساته، وقدرة أجهزته الأمنية على مواجهة التهديدات.
ما شهدناه يفرض التوقف طويلاً أمام طبيعة هذه الاعتداءات، وأمام احتمالية وجود أفراد وخلايا تحمل فكراً متطرفاً وتنتظر الفرصة لتنفيذ مخططاتها. فلم يعد كافياً التعامل مع كل حادثة باعتبارها ملفاً مستقلاً، بل بات من الضروري قراءة المشهد كاملاً، ومتابعة كل المؤشرات والتحركات التي قد تقود إلى تهديد جديد، وعدم الاستهانة بأي معلومة أو إشارة يمكن أن تساعد في إحباط عمل إرهابي قبل وقوعه.
الأخطر أن الإرهاب لا يختار أهدافه بالضرورة على أساس المواجهة المباشرة مع الدولة، بل يبحث عن نقاط الألم في المجتمع، ويحاول استهداف الرموز والمؤسسات والمكونات الوطنية، لخلق حالة من القلق والارتباك، وضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته، وإشاعة الانطباع بأن الأردن أصبح ساحة مفتوحة أمام أصحاب المشاريع المتطرفة.
وهنا تحديداً يجب أن تكون الإجابة الأردنية واضحة: لا تهاون مع الإرهاب، ولا تساهل مع من يهدد حياة الأردنيين، ولا مساحة للتردد في ملاحقة كل من يثبت تورطه في التخطيط أو التحريض أو التنفيذ، وفق القانون، وبما يحفظ أمن الدولة وحقوق المواطنين.
*الرسالة الملكية.. الأمن الأردني ليس موضع مساومة*
في أعقاب جريمة الكرك، جاءت الرسالة الملكية حاسمة بشأن مواجهة الإرهاب والتعامل مع كل من يحاول العبث بأمن الأردن واستقراره. واليوم، يتجدد الموقف ذاته، إذ تابع جلالة الملك عبدالله الثاني، رغم وجوده في زيارة رسمية إلى جمهورية كازاخستان، التطورات المرتبطة بالتحقيقات في الاعتداء الإرهابي الذي وقع في العاصمة، مؤكداً أن الأردن لن يتهاون في محاربة الإرهاب والتطرف، ولن يسمح لأي أحد بتهديد أمن المملكة أو إيذاء مواطنيها.
هذه الرسالة ليست مجرد موقف سياسي أو تصريح في أعقاب حادثة أمنية، بل تعكس ثبات الدولة في التعامل مع التهديدات التي تستهدفها، وتؤكد أن أمن الأردنيين يتقدم على كل اعتبار، وأن مواجهة الإرهاب ليست مرتبطة بظرف أو مكان، وإنما هي سياسة ثابتة لا تقبل التراجع.
فالأردن الذي يعيش في محيط إقليمي مضطرب، وواجه خلال السنوات الماضية تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة، يدرك أن الحفاظ على استقراره ليس أمراً يمكن التعامل معه باستخفاف، وأن أي محاولة لاختراق جبهته الداخلية يجب أن تواجه بأقصى درجات الحزم واليقظة.
*الإرهاب يريد تفكيك المجتمع.. والأردنيون لن يمنحوه هذه الفرصة*
لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن الهدف الأخطر للإرهاب لا يقف عند حدود القتل والتدمير، بل يمتد إلى ما بعد الجريمة؛ فهو يريد أن يترك خلفه مجتمعاً خائفاً، ومكونات متوجسة من بعضها، ومواطنين يشككون بقدرة دولتهم على حمايتهم.
لكن الأردن ليس البيئة التي يمكن أن تنجح فيها هذه المشاريع. فالمسلم والمسيحي، والمدينة والقرية، والعشيرة والمؤسسة، جميعهم شركاء في هذا الوطن، وأي اعتداء يستهدف واحداً منهم هو اعتداء على الجميع. ومن يعتقد أن استهداف كنيسة يمكن أن يزرع الفرقة بين الأردنيين، أو أن قتل رجل أمن يمكن أن يهز ثقتهم بدولتهم، لا يعرف هذا الشعب ولا يدرك معنى الدولة الأردنية.
إن استهداف كنيسة حمود لم يكن استهدافاً لمكان عبادة فحسب، بل اعتداء على قيم التعايش التي حافظ عليها الأردنيون، كما أن استهداف الشهيد جواد السلايطة لم يكن اعتداءً على شخص يؤدي واجبه فقط، بل محاولة للنيل من هيبة الدولة ومؤسساتها ورجالها الذين يقفون في الصفوف الأولى لحماية المجتمع.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الجرائم هو أن ينجح الإرهابيون في تحقيق أهدافهم النفسية والاجتماعية، من خلال نشر الشائعات أو إثارة المخاوف أو تبادل الاتهامات أو التشكيك بالمؤسسات. فالمطلوب اليوم ليس فقط مواجهة الجريمة، بل إفشال كل ما يراد أن ينتج عنها من انقسام وارتباك وفقدان للثقة.
*الأمن مسؤولية الدولة.. والوعي مسؤولية المجتمع*
لا شك أن المسؤولية الأولى في حماية الأمن تقع على عاتق الدولة وأجهزتها المختصة، لكن طبيعة التهديدات الجديدة تفرض أيضاً دوراً مجتمعياً واعياً، يبدأ برفض الفكر المتطرف، وعدم توفير أي بيئة حاضنة له، والتعاون مع الجهات الأمنية، وعدم الانجرار خلف الأخبار غير الموثوقة التي قد تستغلها الجهات المتطرفة لتحقيق أهدافها.
وفي المقابل، فإن المطلوب من المؤسسات المعنية مواصلة العمل الاستباقي، وتعزيز الجاهزية الأمنية والاستخبارية، والتعامل مع أي تهديد بجدية كاملة، ومصارحة الرأي العام بالمعلومات التي يمكن إعلانها، بما يقطع الطريق على الشائعات ويعزز ثقة المواطنين.
كما أن مواجهة التطرف لا تكون أمنية فقط، بل تحتاج إلى معالجة فكرية واجتماعية، ومراجعة للبيئات التي تسمح بتسلل الأفكار المتطرفة، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة والإعلام في ترسيخ قيم المواطنة والانتماء واحترام الآخر.
*دماء الشهداء ليست أرقاماً.. والأردن لن يكون ساحة للإرهاب*
لقد دفع الأردن من دماء أبنائه ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب، ولم يكن رجال الأمن يوماً بعيدين عن الخطر، بل كانوا وما زالوا في مقدمة الصفوف، يضعون أرواحهم على أكفهم ليبقى الأردنيون آمنين في بيوتهم وشوارعهم وأماكن عبادتهم وعملهم.
والشهيد جواد السلايطة ليس مجرد اسم يضاف إلى سجل شهداء الواجب، بل عنوان لتضحية رجال اختاروا أن يكونوا درعاً للوطن، فيما تبقى دماء ضحايا جريمة الكرك شاهداً على وحشية الفكر الذي لا يتردد في استهداف الأبرياء.
إن الوفاء لهؤلاء الشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، ولا ببيانات الإدانة والتعزية، بل بمواصلة حماية الوطن، وملاحقة كل من يقف خلف هذه الجرائم، وعدم السماح بتكرارها، وترسيخ معادلة واضحة لا تحتمل التأويل: أمن الأردن وسيادته وسلامة مواطنيه فوق كل اعتبار.
الأردن ليس دولة عابرة في مواجهة التحديات، وليس مجتمعاً يمكن أن تهزه محاولات الإرهاب مهما بلغت قسوتها، لكنه في الوقت ذاته لا يملك رفاهية الاستهانة بالخطر أو الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الجرائم.
فالأمن ليس تفصيلاً في حياة الأردنيين، وليس امتيازاً يمكن الاستغناء عنه، بل هو الأساس الذي تقوم عليه الحياة بكل تفاصيلها. وعندما نفقد الأمن نفقد الأمان، وعندما يتعرض الاستقرار للاهتزاز تتأثر حياة المواطن ومستقبل أبنائه واقتصاد وطنه.
لهذا، فإن المرحلة تتطلب يقظة لا تنام، وحزماً لا يتردد، ووحدة وطنية لا تسمح لأحد باختراقها. وعلى كل من يعتقد أن بإمكانه تحويل الأردن إلى ساحة لمشاريع الإرهاب أن يدرك أن هذا الوطن عصيّ على الانكسار، وأن الأردنيين لن يسمحوا للخوف بأن يسكن بيوتهم، ولا للإرهاب بأن يفرض عليهم مستقبلاً من القلق.
*سيبقى الأردن وطناً آمناً بأبنائه ومؤسساته، وسيبقى أمنه خطاً أحمر، أما الإرهاب فلن يجد في هذا البلد إلا دولة تواجهه وشعباً يرفضه.*