جفرا نيوز -
إبراهيم قبيلات
قبعة أمنية ملقاة على الأرض وزجاج متناثر، وآثار دماء. صورة تختصر بشاعة الإرهاب، لكنها تعجز عن اختصار الفاجعة حين يصل خبر استشهاد رجل أمن إلى بيت ينتظر عودته.
في بيت أبي فارس وأم فارس صار الغياب يحمل اسم جواد السلايطة، ابن خرج لأداء واجبه في الأمن العام فاغتالته يد الإرهاب، وترك وراءه أبوين وثلاثة أشقاء وشقيقتين. وكان جواد الوحيد بينهم الذي يعمل؛ ما يجعل خسارته وجعا مضاعفا لأسرة فقدت ابنها ومصدر دخلها الوحيد بين أبنائها.
حتما ستنتهي مراسم العزاء، وسيغادر المعزون، لكن من يعيد لأم فارس ابنها؟ ومن يعوض أبا فارس عن سند غاب في لحظة غدر؟
استشهاد جواد في عمان، بعد أيام من اعتداء الكرك، يفرض سؤالا وطنيا لا يجوز أن تبتلعه بيانات الإدانة ومراسم التشييع. كيف نحمي أبناءنا ورجال أمننا من أشخاص تظهر لديهم مؤشرات جدية على العودة إلى العنف؟
تحدثت تقارير صحفية عن سوابق مرتبطة بالإرهاب لمنفذ الاعتداء، وإذا صحت هذه المعلومات، فإن القضية تتجاوز سجل الجاني إلى مسؤولية المؤسسات عن التأهيل وتقييم المخاطر والمتابعة القانونية. وهل كانت هناك مؤشرات تستدعي التدخل؟ وهل امتلكت الجهات المعنية الأدوات اللازمة لمنع الجريمة؟
لا ندعو إلى معاقبة أصحاب السوابق مرتين، ولا إلى تحويل ماضي الإنسان إلى حكم مؤبد عليه، لكن حق الفرد في الاندماج لا يلغي حق المجتمع في الحماية، ولا يعفي الدولة من بناء منظومة وقائية تميز بين من تجاوز ماضيه ومن لا يزال يشكل خطرا جديا.
نحتاج إلى خطة وطنية تجمع الأمن والقضاء والمؤسسات الإصلاحية والتربوية والاجتماعية، تبدأ بالتأهيل الحقيقي، ولا تنتهي بانقضاء المحكومية وتخضع للقانون والرقابة وتحترم الحقوق.
رجال الأمن ليسوا مجرد أرقام في بيانات الشهداء، خلف كل زي عسكري بيت وأم وأب وأحلام لم تكتمل، ولا يجوز أن تتحول شجاعتهم إلى بديل عن الوقاية التي يفترض أن تسبق الجريمة.
أما أسرة جواد، فلها حق في رعاية دائمة تحفظ كرامتها وتؤمن احتياجاتها، فالوفاء للشهداء مسؤولية مستمرة لا مناسبة تنتهي بانتهاء العزاء.
سيجمع الزجاج المتناثر وتُمحى آثار الدماء ويعود الشارع إلى ازدحامه. أما بيت أبي فارس وأم فارس، فسيبقى فيه مكان لا يملؤه أحد، فدم جواد لا يطلب دموعا أكثر بل يقظة تمنع دمعة أم أخرى.