اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

هل تعيد مؤقتة السلة رسم ملامح اللعبة؟

الخميس-2026-11-05 09:33 am
جفرا نيوز -
محمد علي الزعبي 

ليست قيمة الإدارات الرياضية بما تنجزه من معاملات أو تديره من استحقاقات، بل بما تؤسسه من قواعد، وما تحدثه من تحولات في بنية المؤسسات ومساراتها، ومن هذا المنطلق، فإن تجربة اللجنة المؤقتة للاتحاد الأردني لكرة السلة تستحق قراءة تتجاوز حدود الإدارة اليومية، باتجاه ما تحمله من ملامح مشروع لإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة تماسكه المؤسسي، فالمهمة لم تكن محصورة في إدارة مرحلة انتقالية، وإنما امتدت إلى إعادة تنظيم مفاصل العمل، وتشكيل اللجان المتخصصة، وتوزيع المسؤوليات، وتفعيل أدوات الإدارة والتخطيط، في محاولة للانتقال بالاتحاد إلى صيغة أكثر انضباطا وفاعلية، ذلك أن المؤسسات الراسخة لا تُبنى باجتهادات فردية، وإنما بهياكل واضحة، واختصاصات محددة، وعمل تراكمي تحكمه المصلحة العامة وتضمن استمراريته.

وفي الميدان، جاءت بطولة الفئات العمرية بمشاركة 1330 لاعبا ولاعبة في محافظات المملكة لتشكل واحدة من أبرز المحطات في هذا المسار، ليس بحجم المشاركة وحده، بل بما تحمله من دلالات تتصل بتوسيع قاعدة اللعبة وكسر محدودية الانتشار الجغرافي واستعادة الاهتمام بمنجم المواهب الحقيقي، فهذه الأرقام تعني أن هناك جيلا ينتظر فرصته، وأندية تحتاج إلى الحضور والمساندة، وطاقات تستحق أن تجد طريقها إلى المنافسة والرعاية. ويتكامل ذلك مع إطلاق برنامج الصقور الواعدة، بوصفه توجها نحو الاستثمار المبكر في المواهب وصناعة رافد مستقبلي للمنتخبات الوطنية، فيما يشكل الدعم المالي المقدم للأندية رسالة عملية بأن النهوض باللعبة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن مؤسساتها القاعدية، ولا بتحميلها أعباء التطوير دون تمكينها من أدواته،، إنها معادلة واضحة،، اتحاد فاعل، وأندية قادرة، وقاعدة واسعة، ومواهب تجد من يرعاها.

أما على مستوى المنافسات، من الملاحظ إن التحضيرات لبطولتي الرجال والسيدات، وبطولة المنتخبات للشباب والشابات، تعكس سعيا لاستعادة انتظام النشاط المحلي وتوفير بيئة تنافسية تتيح للأجهزة الفنية اختبار الخيارات وانتقاء العناصر المؤهلة لارتداء قميص الوطن، وتتصل هذه الاستحقاقات بالتحضير للنافذة الخامسة في قطر، حيث تتطلب المنافسة الدولية جاهزية فنية وبدنية لا تُستحضر في اللحظات الأخيرة، بل تُبنى عبر مسابقات قوية وبرامج إعداد مدروسة، وفي سياق استكمال هرم المنافسات، تأتي إعادة الدوري الأردني للدرجة الأولى بعد توقف امتد ثلاث سنوات كخطوة بالغة الأهمية، تعيد الحياة إلى شريحة من الأندية وتفتح المجال أمام لاعبين طال غيابهم عن المشهد التنافسي، فضلا عن استعادة حلقة أساسية في البناء الطبيعي لمنظومة كرة السلة، فعودة هذه البطولة ليست مجرد إضافة إلى الروزنامة، بل استرداد لمساحة رياضية كان غيابها يترك فراغا واضحا في جسد اللعبة.

ما يلفت في مجمل هذه التحركات هو تعدد مساراتها وترابط غاياتها، فلا يجري التعامل مع الإدارة بمعزل عن التطوير الفني، ولا مع المنتخبات دون الاهتمام بالأندية، ولا مع المنافسات دون الاستثمار في الفئات العمرية، وهذه مقاربة تستحق المساندة، لأنها تنطلق من فهم لطبيعة التحديات التي تواجه كرة السلة الأردنية، وتتعامل معها بمنطق المعالجة الشاملة بدلا من الحلول المجتزأة، ومن الإنصاف أيضا أن يُمنح هذا الجهد حقه من التقدير، وأن تُقرأ خطوات اللجنة في سياقها الزمني والموضوعي، بعيدا عن الأحكام المتسرعة والتجاذبات التي لا تخدم اللعبة، فالدعم لا يتعارض مع المساءلة، والإشادة لا تعني إغلاق باب النقد، بل إن نجاح أي تجربة مؤسسية يتطلب بيئة مسؤولة تساند الإنجاز وتراقب الأداء وتدفع نحو الأفضل.

اجد إن كرة السلة الأردنية تقف أمام فرصة لإعادة تأسيس مسارها على قواعد أكثر صلابة، واللجنة المؤقتة تتحمل اليوم مسؤولية مهمة في تحويل هذه الخطوات إلى منجز مؤسسي قابل للاستمرار، وما تحقق من تنظيم إداري، واتساع في قاعدة المشاركة، ودعم للأندية، وبرامج لاكتشاف المواهب، واستعادة للمنافسات، واستعداد للاستحقاقات الوطنية، يشكل أرضية تستحق البناء عليها لا التقليل من شأنها، فالرهان الحقيقي ليس على عبور المرحلة بأقل الخسائر، بل على الخروج منها بمؤسسة أكثر تماسكا، ولعبة أكثر انتشارا، ومنتخبات أكثر قدرة على المنافسة، وتلك مسؤولية لا تقع على عاتق اللجنة وحدها، بل تتطلب التفاف الأندية والأسرة الرياضية حول مشروع التطوير، وتغليب مصلحة اللعبة على أي اعتبارات أخرى، فالأوطان لا تبني مؤسساتها بالتشكيك في كل خطوة، ولا تبلغ الرياضة مكانتها بالانتظار، بل بالإرادة والعمل والشراكة، وبمنح كل جهد جاد فرصته ليبرهن عن أثره.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير