جفرا نيوز -
رامي رحاب العزه
ليست قوة الأوطان في قدرتها على مواجهة الأخطار التي تحيط بها فحسب، بل في شجاعتها على مواجهة الأخطاء التي تنشأ داخلها. فالأمم لا تُستنزف دائمًا بما يهدد حدودها، بل قد تُستنزف حين تتسع المسافة بين مؤسساتها وثقة أبنائها.
من هنا، أقرأ خطاب العرش لجلالة الملك عبدالله الثاني بوصفه رؤية تتجاوز إدارة الحاضر إلى تحصين المستقبل؛ رؤية تؤكد أن أمن الأردن لا تصونه قوة السلاح وحدها، بل تصونه أيضًا عدالة القانون، ونزاهة المسؤول، وكرامة المواطن.
فالجندي الذي يحرس حدود الوطن بروحه، يجب أن يجد خلفه مؤسسات تحرس حقوق المواطن بضميرها.
إن هيبة الدولة لا تعني أن يكون المسؤول فوق المساءلة، بل أن يكون القانون فوق الجميع. فالمناصب لا تصنع قيمة أصحابها، وإنما تصنعها أمانتهم في حمل المسؤولية. والدولة لا تضعف حين تعترف بخلل وتصلحه؛ بل تضعف حين يصبح الخلل مألوفًا، ويصبح الصمت عنه فضيلة زائفة.
ولعل أخطر ما قد يصيب وطنًا ليس أن يرتفع صوت مواطنيه مطالبين بالإصلاح، بل أن يخفت ذلك الصوت لأنهم فقدوا الأمل في أن يُسمع.
فالنقد المسؤول علامة انتماء، أما اليأس الصامت فهو إنذار لا يجوز تجاهله.
وفي الاقتصاد، لا تقاس عظمة الإنجاز بما تعلنه الحكومات من أرقام، بل بما تصنعه من أثر في حياة الإنسان. فلا قيمة مكتملة لمشروع لا يفتح باب أمل، ولا لتنمية لا يشعر بها المواطن في عمله وكرامته ومستقبل أبنائه.
أما المياه، فهي أبعد من أن تكون ملفًا خدميًا؛ إنها قضية سيادة وحق للأجيال القادمة. فاستقلال القرار الوطني لا يكتمل ما لم نمتلك القدرة على حماية ضروريات الحياة من الارتهان للظروف والضغوط.
وهنا تتجلى، في تقديري، الرسالة الاستراتيجية الأعمق للخطاب:
الأردن لا يملك أن يغيّر جغرافيته، لكنه يملك أن يرتقي بمؤسساته. ولا يستطيع أن يمنع اضطراب المنطقة، لكنه يستطيع أن يمنع أخطاء الداخل من أن تصبح عبئًا إضافيًا على أمنه ومستقبله.
لقد أثبت الأردنيون، في أشد المحن، أن انتماءهم ليس شعارًا، وأن صبرهم ليس ضعفًا، وأن ولاءهم للوطن أعمق من تقلبات الظروف.
ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن تتوقف عنده كل مؤسسة ليس فقط: ماذا قدم المواطن لوطنه؟
بل: هل قدمنا لهذا المواطن من العدل والإنجاز ما يليق بما قدمه لوطنه من صبر وتضحية وانتماء؟
إن الوفاء للرؤية الملكية لا يكون بترديد كلماتها، بل بتحمل مسؤولية تحقيقها. فالمخلص للوطن ليس من يُجيد وصف إنجازاته وحدها، بل من يمتلك شجاعة كشف مواضع القصور وإصلاحها. والمخلص للقيادة ليس من يكثر الثناء على توجيهاتها، بل من يحولها إلى واقع يلمسه الناس.
فأخطر ما يهدد هيبة الدولة ليس الاعتراف بالخطأ، بل أن يُحمى الخطأ باسم هيبتها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي أستخلصه من خطاب العرش: أن قوة الأردن لا تكتمل بما يقدمه أبناؤه من تضحيات فحسب، بل بما تقدمه مؤسساته من عدالة تستحق تلك التضحيات.
فالأوطان لا تُبنى على صبر شعوبها وحده، وإنما على أمانة من اؤتمنوا على مستقبلها.
الجندي يحرس حدود الوطن، والعدالة تحرس مكانته في قلوب أبنائه.
وحين تصبح كرامة المواطن مسؤولية، والعدل ممارسة، والإنجاز واجبًا لا منّة، نكون قد انتقلنا من حماية الدولة من الأخطار إلى بناء دولة أكثر قدرة على ألا تهزمها الأخطار.
فالأردن الذي يستحق أن نموت دفاعًا عنه، يستحق قبل ذلك أن نُحسن العمل من أجل أن يعيش أبناؤه بكرامة فيه.