جفرا نيوز -
بقلم: د. محسن فايز أبو عوض
يشكّل توصل الأردن إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي بشأن المراجعة السادسة لبرنامج التسهيل الممدد والمراجعة الثالثة لتسهيل الصلابة والاستدامة، محطة مهمة في مسيرة الاقتصاد الوطني، ليس فقط لما يتيحه من تمويل إضافي يقارب 294 مليون دولار، بعد استكمال الموافقات المطلوبة، وإنما لما يحمله من دلالات تتعلق بمتانة المؤشرات الاقتصادية والمالية وقدرة الاقتصاد الأردني على التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها في ظل ظروف إقليمية استثنائية ألقت بظلالها على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها السياحة والتجارة والنقل والاستثمار، الأمر الذي يجعل المحافظة على الاستقرار الاقتصادي والنقدي إنجازاً يستحق التقدير، ويؤكد أهمية السياسات الاقتصادية المتوازنة التي انتهجتها الدولة.
وتشير البيانات إلى أن الاقتصاد الأردني حقق نمواً حقيقياً بلغ نحو 3% خلال النصف الأول من عام 2026، فيما أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة ارتفاع النمو في الربع الثاني إلى 3% مقابل 2.8% للفترة ذاتها من العام الماضي. كما سجلت قطاعات الزراعة والصناعات التحويلية أداءً إيجابياً، بما يعكس وجود فرص حقيقية لتعزيز القاعدة الإنتاجية وتنويع مصادر النمو.
وعلى صعيد الاستقرار النقدي، يبرز الدور المحوري الذي يقوم به البنك المركزي الأردني في المحافظة على الاستقرار النقدي وسعر صرف الدينار، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي. فقد بلغت الاحتياطيات الأجنبية نحو 28.5 مليار دولار في نهاية أيلول 2026، بما يغطي أكثر من تسعة أشهر من مستوردات المملكة، فيما بقي التضخم عند مستويات معتدلة بلغت 2.26% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.
وتؤكد هذه المؤشرات أهمية السياسة النقدية الحصيفة التي حافظت على التوازن النقدي، وعززت قدرة الجهاز المصرفي على مواصلة دوره في تمويل الأنشطة الاقتصادية، والمحافظة على مستويات جيدة من السيولة والملاءة المالية، رغم الضغوط التي تشهدها المنطقة.
غير أن القراءة الاقتصادية الأعمق تقتضي عدم الاكتفاء بمؤشرات الاستقرار، على أهميتها، بل الانتقال إلى السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل هذه المؤشرات الإيجابية إلى نمو اقتصادي يشعر المواطن بأثره المباشر؟
فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في المحافظة على الاحتياطيات أو ضبط معدلات التضخم والعجز، وإنما في رفع معدلات الاستثمار، وتوسيع قاعدة الإنتاج والتصدير، وتحفيز القطاع الخاص، وتوفير فرص عمل نوعية، خصوصاً للشباب، إلى جانب تخفيف الأعباء المعيشية وتعزيز القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التكامل بين السياسة المالية والسياسة النقدية، بحيث تتجه السياسة المالية نحو رفع كفاءة الإنفاق العام وتوجيهه إلى المشاريع الإنتاجية ذات القيمة المضافة، فيما تواصل السياسة النقدية توفير بيئة مستقرة تدعم الاستثمار والائتمان والنشاط الاقتصادي، مع مراعاة التوازن بين متطلبات النمو والاستقرار.
كما أن استمرار الإصلاحات الهيكلية وتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تمثل متطلبات أساسية لاستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية. وتبقى المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني للمياه ومشاريع السكك الحديدية، فرصاً مهمة لتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
أما على صعيد المالية العامة، فإن الالتزام بخفض المديونية تدريجياً وتحسين كفاءة الإيرادات والنفقات يمثل ضرورة للحفاظ على الاستدامة المالية، شريطة ألا يأتي ذلك على حساب الإنفاق التنموي والاجتماعي أو القدرة على تحفيز النمو.
إن اتفاق الأردن مع صندوق النقد الدولي يمثل شهادة مهمة على قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود، لكنه في الوقت ذاته يضع أمامنا استحقاقاً اقتصادياً أكبر؛ يتمثل في الانتقال من إدارة التحديات والمحافظة على الاستقرار إلى صناعة فرص النمو وتحقيق التنمية المستدامة.
فالأردن يمتلك مؤسسات نقدية ومصرفية راسخة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وموقعاً استراتيجياً، وفرصاً استثمارية واعدة. وما يحتاجه في المرحلة المقبلة هو البناء على هذه المقومات من خلال رؤية اقتصادية أكثر إنتاجية، تعزز الثقة بالاقتصاد الوطني، وتترجم الاستقرار المالي والنقدي إلى تنمية حقيقية تنعكس على حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.
فالاستقرار الاقتصادي ليس غاية بحد ذاته، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية، ويُصنع من خلاله النمو، وتتحقق به فرص الازدهار.