جفرا نيوز -
في تقديرات دوائر الأمن الإسرائيلية، لم يعد السؤال المتعلق بالمواجهة العسكرية مع إيران يدور حول «هل ستندلع»، بل حول «متى» ستحدث، وما طبيعة الضربة المحتملة وحدودها.
ومع انتهاء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، تتراجع أحد القيود السياسية التي كانت تحكم حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بما قد يفتح نافذة جديدة أمام خيارات التصعيد العسكري، غير أن هذه التطورات تزامنت مع ضربة أميركية استهدفت جزيرة قشم الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، وصفتها واشنطن بأنها إجراء دفاعي لا يمثل عودة إلى التصعيد العسكري.
وبينما تتباين التقديرات في تل أبيب وواشنطن بشأن ما إذا كانت هذه النافذة ستفضي إلى هجوم عسكري واسع، أم ستبقى أداة ضغط سياسية وتفاوضية، تتقاطع معظم التحليلات عند معادلة أساسية: إسرائيل لا تملك القدرة على تحديد مدة الحرب أو ضمان نهايتها، وإيران لديها دوافع وقدرات تتيح لها الصمود وإطالة أمد المواجهة، فيما لا تملك واشنطن حلاً عسكرياً واضحاً يضمن إنهاء هذا التناقض، خصوصاً في ظل تحدياتها الاقتصادية والسياسية.
وعكست تحليلات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية رئيسية، بينها «معاريف» و«هآرتس» و«إسرائيل اليوم»، حالة من التقارب في تقدير الموقف، مفادها أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية رفعت مستوى التأهب، وأن سلاح الجو يحتفظ ببنك أهداف واسع أُعد مسبقاً، بانتظار القرار السياسي، ويتضمن نحو 76 موقعاً مرتبطاً بالبرنامج النووي الإيراني.
وفي مقال حمل عنوان «السؤال ليس هل، بل متى»، يرى المحلل السياسي والعسكري آفي أشكنازي، في «معاريف»، أن إسرائيل تعيش حالة استعداد لاحتمال تنفيذ هجوم واسع، مشيراً إلى أن سلاح الجو أعد مجموعة كبيرة من الأهداف ضمن بنك أهداف الجيش الإسرائيلي.
ولا تقتصر المخاوف الإسرائيلية على الجبهة الإيرانية، إذ تبرز الساحة الشمالية باعتبارها أحد أكثر التحديات خطورة، في ظل توقعات بمشاركة فاعلة من حزب الله في أي مواجهة، من خلال إطلاق الصواريخ باتجاه عمق إسرائيل ومناطقها الشمالية.
وفي هذا السياق، يعمل الجيش الإسرائيلي على إعادة توزيع قواته وتعزيز الجاهزية في الشمال، من خلال إخلاء وحدات قتالية من الضفة الغربية، فقد أنهى لواء المظليين مهمته هناك، فيما لا تزال الفرقة 98 منتشرة في الضفة، ويخضع اللواء المدرع السابع لبرامج تدريب واستعادة الجاهزية في هضبة الجولان.
وتشير هذه التحركات إلى استعداد المؤسسة العسكرية لاحتمال اتساع المواجهة، بما يتجاوز حدود الاشتباك المباشر مع إيران.
وتتضمن التقديرات الإسرائيلية أيضاً احتمال ممارسة ضغوط عسكرية مباشرة على الحكومة اللبنانية والسكان، مع إسناد دور لسلاح البحرية في استهداف البنية العمرانية في الضاحية الجنوبية، أو فرض حصار بحري على لبنان، في حال انضم حزب الله إلى المواجهة.
وفي قراءة أكثر تحفظاً، يربط المحلل العسكري عاموس هارئيل، في «هآرتس»، بين احتمالات الهجوم على إيران ومسار المفاوضات، كاشفاً أن الخلاف بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير لم يكن محصوراً في توقيت العملية، بل امتد إلى أهدافها وتداعياتها.
وبحسب هارئيل، كان نتنياهو يميل إلى شن هجوم قبل الانتخابات الإسرائيلية، في حين عارض ذلك كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الأركان زامير. وتمثلت إحدى أبرز مخاوف الأخير في أن تؤدي جولة قتالية جديدة إلى سقوط ضحايا في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بما ينعكس على المشهد السياسي ويمنح نتنياهو مبرراً لتجنب تشكيل حكومة مع معسكر التغيير المدعوم من الأحزاب العربية، على غرار ما حدث في أيار 2021، عندما انسحب نفتالي بينيت من جهود تشكيل حكومة بديلة عقب عملية «حارس الأسوار».
ويحدد هارئيل ثلاثة تحفظات رئيسية لدى هيئة الأركان الإسرائيلية، أولها التباين بين الأهداف الإسرائيلية والأميركية؛ فبينما يتحدث نتنياهو صراحة عن إسقاط النظام الإيراني، تسعى واشنطن إلى انتزاع اتفاق أفضل يقيّد البرنامج النووي الإيراني ويضمن فتح مضيق هرمز، أما التحفظ الثاني فيتعلق بغياب إجابة واضحة عن طبيعة الأهداف الجديدة التي يمكن تحقيقها عسكرياً، بعد الضربات والعمليات السابقة.
ويتمثل التحفظ الثالث في الفجوة بين التصور الأميركي والإيراني لطبيعة المواجهة؛ فترامب يتحدث عن عملية قصيرة لا تتجاوز بضعة أيام، في حين أعلنت طهران رفضها الدخول في جولة محدودة زمنياً، محذرة من أن أي تصعيد جديد قد يوسع نطاق استهدافاتها لتشمل دولاً في المنطقة تستضيف قواعد أميركية أو تقدم دعماً لواشنطن.
وفي اتجاه أكثر تشدداً، يدعو الكاتب العسكري الإسرائيلي المقدم في الاحتياط أور هوربيتس، في «إسرائيل اليوم»، إلى عدم إخضاع التحديات الأمنية للحسابات السياسية والانتخابية، مطالباً الحكومة الإسرائيلية المقبلة بوضع استراتيجية تستهدف إسقاط النظام الإيراني خلال العامين المقبلين.
ويستند هوربيتس إلى ما يصفه بالأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تواجهها إيران، والتوترات داخل قيادتها، معتبراً أن الظروف الراهنة تمثل «فرصة تاريخية»، وإن لم تكن مضمونة، لإزالة ما يراه التهديد الاستراتيجي الأخطر على إسرائيل.
ويربط هذه الفرصة بوجود إدارة ترامب في البيت الأبيض، مشيراً إلى أن أمام إسرائيل نحو عامين قبل انتهاء ولايته، دون وضوح بشأن طبيعة السياسة الأميركية في المرحلة التالية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع تقديرات مدير معهد بيكوم البريطاني-الإسرائيلي، ريتشارد بيتر، الذي يرى أن نتنياهو يدرك أهمية وجود إدارة أميركية تتبنى مقاربة متقاربة مع رؤيته تجاه إيران، وأن ما يعتبره فرصة لإسقاط النظام قد لا يستمر أكثر من عامين، في ظل ارتباطه ببقاء ترامب في البيت الأبيض.
في المقابل، يحذر داني سيترينوفيتش، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والخبير في الشأن الإيراني، في تصريحات لشبكة «CBC News»، من أن الجولة الثالثة من الحرب قد تكون الأكثر تدميراً، بالنظر إلى طبيعة الرد الإيراني المحتمل، الذي قد يشمل منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية في دول الخليج، وصولاً إلى احتمالات استهداف دول تستضيف قواعد عسكرية أميركية.
ويحذر سيترينوفيتش من خطورة تداخل الحسابات السياسية لنتنياهو مع التطورات الميدانية، معتبراً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يستثمر أي تطور عملياتي في إيران، حتى لو لم يكن قد صنعه، لتضخيم أهميته وتوظيفه لتبرير هجوم جديد. ويرى أن الجمع بين الاعتبارات السياسية والتطورات العسكرية قد يقود إلى مواجهة لا تفرضها الضرورات الأمنية بالضرورة.
وفي خضم هذه التقديرات، جاءت الضربة الأميركية التي استهدفت جزيرة قشم، لتضيف تطوراً ميدانياً جديداً إلى المشهد، خصوصاً أنها وقعت في اليوم نفسه الذي بدأت فيه الانتخابات النصفية الأميركية.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي قوله إن الحرس الثوري الإيراني أطلق، ليل الثلاثاء، صاروخاً من جزيرة قشم باتجاه مقاتلة أميركية في مضيق هرمز، الأمر الذي دفع الطائرة إلى استهداف منصة إطلاق صواريخ أرض-جو في الجزيرة، في إطار ما وصفه المسؤول بأنه دفاع عن النفس.
كما أكد مسؤول أميركي لشبكة «فوكس نيوز» أن الضربة جاءت رداً على إطلاق النار من الجانب الإيراني، مشدداً على أنها لا تعني استئناف الولايات المتحدة هجماتها العسكرية على إيران، ولا تمثل بداية موجة جديدة من التصعيد.
من جهتها، ذكرت شبكة «نيوز نيشن» الأميركية، نقلاً عن مصدر مطلع، أن الهجوم استهدف أجهزة رادار ومنصات إطلاق صواريخ في الجزيرة.
وتكتسب قشم أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها المطل على مضيق هرمز، وما تضمه من منشآت عسكرية، بينها موقع صاروخي تحت الأرض وقاعدة بحرية، إلى جانب محطة رئيسية لتحلية المياه، ما يجعل استهدافها يتجاوز البعد التكتيكي المرتبط بتدمير منصة إطلاق صواريخ.
وتكشف هذه التطورات عن ثلاثة مسارات محتملة للمرحلة المقبلة، يتمثل الأول في تنفيذ ضربة أميركية محدودة تستمر بضعة أيام، تستهدف منشآت نووية أو مواقع لقيادة الحرس الثوري، بهدف توجيه رسالة عسكرية قوية وإجبار طهران على العودة إلى المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة لواشنطن.
غير أن هذا الخيار يواجه معضلة أساسية، تتمثل في صعوبة ضمان توقف الرد الإيراني بمجرد انتهاء القصف الأميركي، خصوصاً أن طهران لا تبدو مستعدة للتعامل مع المواجهة باعتبارها عملية قصيرة يمكن احتواؤها زمنياً.
أما المسار الثاني، فيتمثل في حملة عسكرية موسعة قد تمتد لأسابيع، وهو الخيار الذي قد تدفع إسرائيل باتجاهه، بهدف استكمال تدمير البنية التحتية العسكرية الإيرانية، بما يشمل منشآت الطاقة ومواقع إنتاج الصواريخ والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي، وصولاً إلى محاولة إحداث تغيير في النظام السياسي الإيراني.
لكن هذا السيناريو يصطدم بجملة من العقبات، أبرزها أن الضربات السابقة لم تنجح في إنهاء القدرات النووية الإيرانية أو حسم مصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، الذي لا تزال كميات منه غير محسومة في التقديرات المتداولة.
كما أن اتساع الحرب قد يفرض على إسرائيل والولايات المتحدة مواجهة إقليمية طويلة، لا تملكان ضمانات بشأن نطاقها أو كلفتها أو موعد انتهائها. وفي هذا الإطار، يعكس التأكيد الأميركي على أن ضربة قشم كانت دفاعية ولا تعني استئناف التصعيد، تحفظ واشنطن إزاء الانزلاق إلى حرب شاملة في المرحلة الراهنة.
أما المسار الثالث، فيقوم على التوصل إلى تسوية مؤقتة عبر الوساطة القطرية، تفضي إلى فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف القيود والحصار المفروض على إيران، بما يسمح لترامب بإعلان تحقيق إنجاز سياسي وتقديم الاتفاق باعتباره انتصاراً دبلوماسياً. غير أن مثل هذه التسوية قد لا تلبي المطالب الإسرائيلية، التي تنظر إلى أي اتفاق لا ينهي التهديد النووي والصاروخي الإيراني باعتباره هدنة تمنح طهران فرصة لإعادة تنظيم قدراتها.
وفي المحصلة، تكمن المعضلة الأساسية في أن إسرائيل قد تكون قادرة على الدفع باتجاه الحرب، لكنها لا تملك ضمانات التحكم بمسارها أو نتائجها، فيما تواجه واشنطن صعوبة في المواءمة بين رغبتها في فرض اتفاق بشروط أفضل وتجنب حرب إقليمية مكلفة، في حين تمتلك إيران أوراقاً عسكرية وجغرافية واقتصادية تتيح لها إطالة المواجهة ورفع كلفتها.
وهنا يبرز الفخ الذي تحذر منه التقديرات الإسرائيلية نفسها: أن تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى تحمل كلفة حرب لا تستطيع تحديد نهايتها، أو القبول بتسوية أميركية لا تحقق أهدافها الاستراتيجية، بعدما تكون قد دفعت المنطقة إلى مواجهة يصعب احتواء تداعياتها.