جفرا نيوز -
الهاشميون وبناء الدولة ..... من ذاكرة الرسائل والطوابع إلى مسيرة بناء الدولة الأردنية
بقلم: الكاتب محمود عبيدات
هنالك مؤسسات لا يمكن اختزال تاريخها في طبيعة الخدمات التي تقدمها، ولا قياس أهميتها بما تؤديه من مهام يومية فحسب، بل بما تحمله من ذاكرة وطنية، وما تختزنه من حكايات الناس، وما تعكسه من مراحل تطور الدولة والمجتمع. والبريد الأردني واحد من هذه المؤسسات التي تستحق أن تُروى حكايتها باعتبارها جزءاً أصيلاً من حكاية الأردن وسرديته الوطنية؛ فهو ليس مجرد مؤسسة لنقل الرسائل والطرود، بل شاهد على نشأة الدولة الأردنية الحديثة، ورفيق لمسيرتها، وحافظ لجزء من ذاكرتها الممتدة لأكثر من قرن.
إن تاريخ البريد الأردني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمشروع بناء الدولة الذي قاده الهاشميون منذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921. فقد أدرك الأمير عبدالله بن الحسين، الملك المؤسس، أن بناء الدولة الحديثة لا يقتصر على تشكيل الحكومات وإنشاء المؤسسات السياسية والإدارية، بل يحتاج أيضاً إلى مرافق وبنية تحتية تضمن التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين، وتربط المدن والبلدات والقرى بمركز الإدارة. ومن هنا جاء الاهتمام المبكر بتنظيم خدمات البريد والبرق والهاتف، باعتبارها من المرافق الأساسية لإدارة شؤون الإمارة وتعزيز حضورها في مختلف المناطق.
وفي تلك المرحلة التأسيسية، بدأت ملامح التنظيم البريدي تتشكل، وافتُتحت مكاتب في عدد من المدن الأردنية، وكان مكتب بريد السلط من المحطات المبكرة في هذه المسيرة، لتشكل تلك المكاتب نواة شبكة وطنية أخذت تتوسع مع تطور مؤسسات الدولة واحتياجات المجتمع. ولم يكن افتتاح مكتب بريد في مدينة أو بلدة مجرد إجراء إداري، بل كان خطوة في امتداد حضور الدولة وربط جغرافيتها، ودليلاً على أن بناء الوطن يحتاج إلى مؤسسات تصل إلى الإنسان أينما كان.
وهنا تتجلى العلاقة المتبادلة بين الهاشميين والبريد الأردني؛ فقد أسست القيادة الهاشمية البريد ضمن مشروع بناء الدولة، وأسهم البريد بدوره في ترسيخ هذا البناء. فالدولة لا تقوم بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج إلى أدوات عملية تنظم التواصل، وتضمن انتقال المعلومات والمراسلات، وتسهل وصول الخدمات إلى المواطنين. وقد كان البريد أحد الجسور التي ربطت مركز الدولة بأطرافها، وساعدت على انتظام العمل الإداري، وتبادل الوثائق والمراسلات الرسمية والتجارية، وتعزيز التواصل بين مختلف مناطق المملكة.
فكل مكتب بريد افتُتح في مدينة أو قرية كان يمثل امتداداً لحضور الدولة، وكل رسالة رسمية وصلت إلى مواطن كانت تعكس جانباً من قدرتها على إدارة شؤون المجتمع. وفي زمن كانت فيه وسائل الاتصال محدودة، أسهم البريد والبرق والهاتف في تقريب المسافات، وربط المؤسسات الحكومية بالمواطنين، ودعم النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وبذلك لم يكن البريد شاهداً على بناء الدولة فحسب، بل كان أحد المرافق التي شاركت عملياً في بناء وحدتها وترسيخ حضورها في حياة أبنائها.
ومع تطور الإمارة واستقلال المملكة، تطورت الإدارة البريدية واتسعت شبكة المكاتب، وتعزز ارتباط الأردن بالمنظومة البريدية الدولية، وصولاً إلى انضمامه إلى الاتحاد البريدي العالمي عام 1947. وواصل البريد مسيرته في العهود الهاشمية المتعاقبة، مواكباً مراحل البناء والتحديث في عهد الملك المؤسس عبدالله بن الحسين، ثم عهد الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، وصولاً إلى عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حيث أصبحت متطلبات التطور التكنولوجي والاقتصادي تفرض آفاقاً جديدة على طبيعة الخدمات البريدية ودورها.
وفي ذاكرة الأردنيين، لم يكن البريد مجرد وسيلة لنقل المراسلات، بل كان جسراً إنسانياً يحمل الشوق والأخبار والذكريات. كانت الرسالة الورقية تربط المغترب بأسرته، وتصل المدن بالقرى، وتنقل أخبار الأحبة من مكان إلى آخر. وكان انتظار ساعي البريد في البيوت حدثاً يحمل الكثير من الترقب، فربما جاء برسالة من ابن بعيد، أو خبر من قريب، أو وثيقة تتعلق بعمل أو تجارة أو شأن عائلي. وهكذا أصبح البريد جزءاً من الحياة اليومية للمواطنين، وذاكرة اجتماعية تختزن حكايات أجيال من الأردنيين.
ولعل الطوابع البريدية تمثل أحد أكثر الجوانب تعبيراً عن العلاقة بين البريد والهوية الوطنية؛ فهي لم تكن مجرد علامة مالية توضع على الرسائل، بل تحولت إلى وثائق تاريخية مصغرة حملت صور الأردن ورموزه ومعالمه ومناسباته الوطنية. فمن الإصدارات الأولى التي واكبت تأسيس الإمارة، والطوابع التي حملت صورة الأمير عبدالله بن الحسين، إلى الطوابع التي وثقت الاستقلال ومراحل العهد الملكي المتعاقبة، ظلت هذه الإصدارات سجلاً بصرياً يوثق مسيرة الدولة وتطورها.
وقد وثقت الطوابع شخصيات وطنية ومحطات تاريخية ومعالم أثرية وسياحية وثقافية ومناسبات ملكية ووطنية، وأسهمت في نقل صورة الأردن إلى مختلف أنحاء العالم. ولذلك فإن المحافظة على أرشيف الطوابع والوثائق البريدية ودراستها لا تمثل اهتماماً بالمقتنيات التاريخية فحسب، بل تشكل جزءاً من مسؤولية صيانة الذاكرة الوطنية وإبراز الهوية الأردنية للأجيال القادمة.
ومع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي شهدها العالم، لم يعد البريد مقتصراً على نقل الرسائل التقليدية، بل أصبح مطالباً بمواكبة التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية والمالية والرقمية. وتبرز هنا أهمية شبكة البريد الأردني الممتدة في مختلف محافظات المملكة، باعتبارها رصيداً وطنياً يمكن توظيفه في تعزيز الوصول إلى الخدمات الحكومية والإلكترونية، ودعم الشمول المالي والرقمي، ومساندة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل نمو التجارة الإلكترونية، ولا سيما في المناطق البعيدة.
إن التحدي أمام البريد الأردني اليوم لا يتمثل في المحافظة على إرثه التاريخي وحده، بل في تحويل هذا الإرث والانتشار الجغرافي إلى قيمة اقتصادية وتنموية تواكب متطلبات المستقبل. فالمؤسسة التي نجحت في الماضي في ربط المدن والقرى عبر الرسائل، تستطيع اليوم أن تؤدي دوراً متجدداً في ربط المواطنين بالخدمات والفرص، وأن تكون جزءاً من مسيرة التحديث والتحول الرقمي في المملكة.
وتكتسب حكاية البريد الأردني أهمية إضافية في ظل الاهتمام الملكي بتوثيق تاريخ الأردن وصيانة ذاكرته الوطنية وتعزيز هويته. فقد أولى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أهمية لترسيخ الاعتزاز بالهوية الأردنية وإبراز مسيرة الدولة وإنجازاتها، كما يبرز دور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في دعم توجهات توثيق السردية الأردنية وتعزيز ارتباط الأجيال بتاريخ وطنهم.
ويأتي مشروع السردية الأردنية «الأردن: الأرض والإنسان» في سياق هذا التوجه الوطني، باعتباره مسعى لتوثيق تاريخ المملكة وإرثها الحضاري والاجتماعي والسياسي. ومن هنا، فإن إدراج تاريخ البريد الأردني في هذه السردية يمثل إضافة مهمة؛ لأن تاريخ الأوطان لا تصنعه الأحداث السياسية الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضاً المؤسسات التي رافقت بناء الدولة وأسهمت في تشكيل حياة المواطنين. والبريد، بما يمتلكه من سجلات وطوابع ووثائق وصور ومراسلات وحكايات إنسانية، يقدم مادة تاريخية غنية تستحق التوثيق والإبراز.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني متخصص لتوثيق تاريخ البريد الأردني، من خلال إنشاء أرشيف يجمع الوثائق والطوابع والصور والسجلات القديمة، ويوثق شهادات العاملين والمتقاعدين الذين عاصروا مراحل تطوره، إلى جانب دراسة إنشاء متحف أو معرض دائم يعرض أدوات العمل البريدية القديمة والصناديق والطوابع ووسائل نقل الرسائل، ليكون مساحة ثقافية وتعليمية تعرف الأجيال بتاريخ مؤسسة رافقت نشأة الدولة وأسهمت في بناء ذاكرتها.
إن المؤسسات التي تعرف تاريخها وتحافظ على إرثها تكون أكثر قدرة على استشراف مستقبلها. والبريد الأردني أمام فرصة حقيقية للجمع بين ذاكرته العريقة ومتطلبات العصر الحديث، من خلال تطوير خدماته، والاستثمار في التكنولوجيا، وتعزيز كفاءة موارده البشرية وشراكاته، والاستفادة من انتشاره الجغرافي في دعم الاقتصاد الوطني وتسهيل وصول الخدمات إلى المواطنين.
إن حكاية البريد الأردني ليست حكاية مؤسسة خدمية فحسب، بل هي حكاية وطن تشكلت ملامحه عبر مؤسسات عملت بصمت، وقيادة هاشمية قادت مسيرة التأسيس والبناء والتحديث، وأجيال ساهمت في ترسيخ حضور الدولة وتعزيز وحدتها. فمنذ عهد الملك المؤسس عبدالله بن الحسين، مروراً بعهد الملك الحسين بن طلال، وصولاً إلى عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ظل البريد شاهداً على تطور الأردن، وشريكاً في ربط أرضه وإنسانه ومؤسساته.
لقد بنى الهاشميون البريد الأردني باعتباره إحدى مؤسسات الدولة الحديثة، وأسهم البريد في المقابل في بناء الدولة من خلال ربط مدنها وقراها وبواديها، وتسهيل إدارة مؤسساتها، وتعزيز التواصل بين أبنائها، وإيصال خدماتها إلى مختلف مناطق المملكة.
واليوم، وبعد أكثر من قرن على بداياتها، تستحق هذه الحكاية أن تُروى وأن تُوثق وأن تأخذ مكانها المستحق في السردية الأردنية؛ لأن تاريخ الأوطان لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضاً مؤسساتها ورجالها ونساؤها وكل التفاصيل التي أسهمت في بناء حاضرها ورسم مستقبلها.
فالبريد الأردني ليس مجرد تاريخ للرسائل والطوابع، بل هو حكاية وطن حملها البريد عبر الأجيال؛ حكاية قيادة أسست، ودولة بُنيت، ومؤسسة رافقت مسيرتها، وشعب ظل التواصل بين أبنائه أحد أسرار تماسكه وانتمائه. وما زالت فصول هذه الحكاية تُكتب في مسيرة الأردن نحو المستقبل.