جفرا نيوز -
بقلم: الإعلامية رانيا عثمان النمر
الأردن كدولة لا تفتقر إلى الرؤى أو أن أولوياتها الاستراتيجية غير واضحة على العكس ثمة اتجاهات معلنة تخص منظومات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وثمة خطاب ملكي يضع في كل محطة مجموعة من الثوابت والأولويات التي يفترض أن تتحول إلى سياسات عمومية، وأن تنعكس على أداء المؤسسات وعلاقتها بالمجتمع.
ثمة فرق جوهري بين الدولة والحكومة، وإن كان الخلط بين المفهومين شائعاً في خطابنا العام. فالدولة هي نحن جميعاً، هي مشروعنا الوطني المشترك، ومؤسساتها ودستورها وهويتها ومستقبلها مسؤوليتنا جميعاً، ونحن شركاء فيها. أما الحكومة فهي سلطة تنفيذية تتولى إدارة شؤون الدولة خلال مرحلة زمنية محددة، وتتغير بتغير الظروف والاستحقاقات السياسية، وتُسأل عن قراراتها وسياساتها ونتائج أدائها.
لكن المعضلة التي تستحق النقاش تتجاوز السؤال التقليدي حول مدى تنفيذ الحكومات للتوجيهات الملكية، إنها تتصل بشيء أكثر عمقاً، إذ كيف يمكن أن تتبنى الدولة رؤية إصلاحية، فيما تواصل بعض مؤسساتها إنتاج ممارسات وسياسات لا تنسجم مع تلك الرؤية، بل قد تقوض شروط تحققها في بعض الحالات.
إذ لا تغيب الرؤية التحديثية ولا تنقص الاستراتيجيات في الأردن، لكن ثمة ضعف القدرة في معظم الحالات على تحويلها إلى سياسات عامة متماسكة، وفي ضعف منظومة مؤسسية قادرة على اكتشاف الخلل ومراجعته وتصحيحه في الوقت المناسب.
ومن هنا، فإن خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مناسبة سياسية لتجديد الالتزامات، بل فرصة لإعادة مساءلة الأداء الحكومي في ضوء ثلاثة اختبارات تمس جوهر العلاقة بين الحكومات بصفتها الجهة التي تدير مؤسسات الدولة وبين المجتمع وهي: التمثيل السياسي، الحريات العامة وإدارة الموارد.
التمثيل السياسي : هل نصلح البرلمان أم نعيد صناعة الخلل الذي شابه؟
حين يؤكد جلالة الملك أن الأمة مصدر السلطات، وأن مجلس النواب ركن أساس ومقدم في الحياة السياسية، وأن الأردنيين لا ينظرون فقط إلى القوانين التي تصدر عن القبة، وإنما أيضاً إلى سلوك النواب وخطابهم، فإنه يضعنا أمام سؤال يتجاوز تقييم أداء المجلس الحالي إلى تشخيص البيئة السياسية والانتخابية التي أفرزتهم.
فهل يمكن أن نطالب بمجلس نواب يمارس دوره الرقابي والتشريعي بكفاءة ويحظى بثقة المواطن الأردني، دون أن نراجع أولاً طبيعة المنظومة الانتخابية والحزبية من حيث الممارسة وليس من حيث النظرية، ومدى قدرتها على إنتاج تمثيل سياسي حقيقي.
لقد دخل الأردن مرحلة التحديث السياسي على أساس تعزيز الحياة الحزبية والانتقال التدريجي من التمثيل الفردي إلى التمثيل البرامجي لكن الانتقال من تعديل قواعد اللعبة الانتخابية إلى انتاج الثقافة السياسية الحقيقية وممارساتها الحزبية والإنتخابية الفضلى لم يكتمل بعد.
قد تتغير القوانين وتتغير آليات الإنتخاب، وتزداد حصة الأحزاب في البرلمان، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح ممثلاً سياسياً بصورة أكثر فاعلية، أو أن الأحزاب "الوليدة" تحولت فجأة إلى مؤسسات قادرة على إنتاج السياسات والقيادات والبدائل.
يعترف الجميع بنزاهة العملية الانتخابية، وهي شرط أساسي لا غنى عنه، فسلامة إجراءات الاقتراع وخلوها من التزوير لا تجيب وحدها عن سؤال نوعية التمثيل، ولا عن مدى قدرة قانوني الأحزاب والأنتخاب على الحد من تأثير المال الأسود والنفوذ الاجتماعي والعلاقات التقليدية، في ظل محدودية الرقابة المؤسسية الواضحة على ممارسات معظم الأحزاب.
النقطة الأساسية الثانية تكمن في طبيعة العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب أي أن السؤال المهم من يمتلك المبادرة التشريعية في مجلس النواب ؟
لا يمكن الحديث عن برلمان فاعل يلمس المواطن أثر تشريعاته في حياته اليومية ( كما يريد الملك) في ظل استمرار اختلال ميزان المبادرة التشريعية لمصلحة الحكومة. فالمشهد العملي يُظهر أن الحكومة هي التي تتقدم بأجندتها التشريعية، وترسل حزم مشاريع القوانين التي تحدد من خلالها أولوياتها، فيما تبدو المبادرة البرلمانية والحزبية أقل حضوراً وتأثيراً. والمفارقة أن الأحزاب التي يفترض أن تكون برامجها مدخلاً لصناعة السياسات والبدائل، لا تزال بحاجة إلى أن تثبت قدرتها على تحويل برامجها إلى مبادرات تشريعية من رحم البرلمان نفسه. أعتقد ان طبيعة فهم الحكومة لأهمية دور مجلس النواب خاصة بعد منظومة التحديث السياسي بأن تكون رافعة لها، لا أن تُضعف المبادرة التشريعية للأحزاب الممثلة في البرلمان، بحيث تصر الحكومة أن تبقى في موقع الطرف الأكثر تأثيراً في تحديد أولويات التشريع وبالتالي تنفرد في إدارة شؤون الدولة. فلا يمكن الحديث عن تحديث سياسي حقيقي إذا بقيت الحكومة تتعامل مع البرلمان باعتباره محطة لإقرار التشريعات أكثر من كونه شريكاً في صناعة السياسات ورقيباً على تنفيذها.
الحريات العامة: قلة في إنتاج المعلومات المستقلة واستخدامها في الرقابة والمساءلة
يضع خطاب العرش مسألة لا تقل أهمية عن مسألة التمثيل السياسي، حين يؤكد أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، وأن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول، وأن من أحب الأردن حفظ له كرامة الكلمة وأدب الاختلاف.
إن الدولة التي تسعى إلى تحديث سياسي واقتصادي وإداري تحتاج إلى مواطن واع يمتلك القدرة على السؤال والنقد والمساءلة، لا إلى مواطن خائف يكتفي بتلقي الخطاب الرسمي أو يتجنب الخوض في الشأن العام خشية سوء التأويل خصوصاً بعد قانون الجرائم الإلكترونية والذي ساهم في تراجع ترتيب الأردن في المؤشرات الأممية المعنية بالحريات خاصة الصحفية منها.
وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الحريات العامة باعتبارها ملفاً حقوقياً منفصلاً عن بقية السياسات، بل باعتبارها شرطاً من شروط جودة القرار الحكومي نفسه، باعتبارالمواطن شريكاً في النقاش العام وصناعة القرار وجزء من مشروع وطني ينتمي له ويدافع عنه، وليس متلقياً للقرارات، يُسمح له بالاختلاف والتعبير في مساحات ضيقة.
فكيف يمكن لحكومة أن تصنع سياسة عامة ناجحة إذا كانت لا تستمع إلى النقد قبل اتخاذ القرار؟ وكيف يمكنها اكتشاف مواطن الخلل إذا لم تكن هناك بيئة آمنة تسمح للصحافة والباحثين والأكاديمين والخبراء والمواطنين بكشفه ومناقشته؟
ولعل أحد أكثر المؤشرات دلالة على قلة المعلومات المستقلة هو محدودية حضور الصحافة الاستقصائية في الأردن، رغم أنها ليست ترفاً مهنياً أو شكلاً من أشكال العمل الإعلامي، بل إحدى أدوات الرقابة المجتمعية، والإنذار المبكر، وكشف مواطن الخلل في السياسات العامة، والإنفاق العام، وإدارة المؤسسات، ومحاربة الفساد. فقد أظهرت دراسة ميدانية منشورة عام 2025، شملت عينة من 240 صحفياً وصحفية في المؤسسات الإعلامية الأردنية، أن 63.7% منهم لا يمارسون الصحافة الاستقصائية، فيما أشار بعض المشاركين إلى محدودية الحرية في العمل الاستقصائي ضمن أسباب عدم ممارستها. وهذه ليست مجرد إشكالية تخص المهنة الإعلامية، بل تمس قدرة مؤسسات الدولة نفسها على الاستفادة من المعلومات المستقلة، وكشف الاختلالات قبل تفاقمها، وتصحيح القرارات استناداً إلى الوقائع لا إلى التقارير الرسمية وحدها.
الإختلاف ليس نقيضاً للإستقرار متى أُدير ضمن إطار القانون واحترام حقوق الآخرين. بالطبع، لا يعني ذلك التساهل مع خطاب الكراهية أو التحريض على العنف أو التكفير.
الأمن المائي: ضرورة تحويل السياسات إلى ممارسات تعادل ندرة المورد بكفاءة إدارته
حين يكرر جلالة الملك عبارة المياه المياه المياه ويصف الأمن المائي بأنه أولوية وطنية لا مجال للمساومة أو المهادنة فيها فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بضرورة تأمين مصادر جديدة للمياه، وإنما بمسؤولية الحكومة عن حماية مورد محدود واستدامته وضمان حقوق الأجيال القادمة.
لكن إدارة الأمن المائي لا ينبغي أن تختزل في المشاريع الكبرى، مهما بلغت أهميتها، بل يجب أن تشمل مراجعة شاملة لسياسات التكامل بين السياسة المائية والسياسات الزراعية سياحية والصناعية والتعدينية.
وهنا تبرز أسئلة مهمة هل نستخدم المياه المتاحة بكفاءة اقتصادية؟ هل تخضع المشاريع الزراعية والصناعية والاستثمارية والسياحية لتقييم الأثر البيئي وعلاقته بندرة المياه ؟ هل تتناسب أنماط الزراعة في الأردن مع ندرة المياه؟ وهل تتوافر بيانات شفافة تسمح بتقييم كفاءة الإدارة المائية وتحديد المسؤولية عن الهدر؟ ماذا عن كفاءة إدارة السدود؟ هل تمت معالجة شبهات الفساد في وزارة المياه؟ هل صرفت المنح الدولية في مكانها وتحديدا في جزئية صيانة الشبكات المهترئة؟ من يراقب على ذلك كله ؟
فتظهر المفارقة بصورة أكثر وضوحاً ننظر إلى العلاقة بين السياسة المائية والسياسة الزراعية. فالقطاع الزراعي يستهلك نحو 53% من الموارد المائية الأردنية( وفق تقديرات وردت في خطة النمو الأخضر الوطنية لقطاع الزراعة) ومع ذلك لا يزال مشروع الأنتقال من الزراعة التقليدية الى الزراعة باستخدام التكنولوجيا الحديثة، ومنها الزراعة التي تعتمد على على إعادة تدويرالمياه واستخدام بدائل التربة وترشيد استخدام المياه غير واضح في سياق أولويات الحكومة، والأكثر دلالة أن الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040 نفسها تشير إلى أن تبني تقنيات توفير المياه ونقل التكنولوجيا إلى القطاع الزراعي ما زال يعتمد على مبادرات المزارعين والمستثمرين، في ظل تدني آليات تدريب ودعم وأدوات تحفيز كافية. وهنا لا نتحدث عن نقص في الاستراتيجيات، بل عن خلل في تحويل الأمن المائي إلى سياسة إنتاجية متكاملة تربط الدعم الزراعي بكفاءة استخدام المياه، وتشجع أنظمة الري الحديثة والزراعة الذكية، وتعيد النظر في المحاصيل الأكثر استهلاكاً للمياه. فكيف يصبح الأمن المائي أولوية وطنية، بينما لا تتحول هذه الأولوية بالقدر الكافي إلى تغيير في أنماط الإنتاج الزراعي واستهلاك المياه؟
نحن لا نبحث عن دولة في كل حكومة نحن شركاء في الدولة التي نريدها، والحكومات تتعاقب من أجل إدارتها وتساءل عن مدى اقترابها أو ابتعادها عن تلك الدولة التي نريدها.