جفرا نيوز -
عندما تهدأ العاصفة يجب أن يراجع الإنسان نفسه و يستخلص العبر و الدروس المستفادة و كيف يحمي نفسه و وطنه من أي خطر مستقبلي قد يواجهه، كعضو في تيار معا المدني الذي لطالما حذر من تسلل الأفكار المتطرفة الى الأردن منذ سنوات عديدة منذ بداية ظهور التنظيم الإرهابي داعش و كأردني تربى وتعلم حتى المرحلة المتوسطة في أحد الدول الخليجية. في البداية و انا و العديد ممن يشبهوني لم نستهجن خطاب داعش و ذلك لأنهم لم يتحدثوا إلا وهم معززين اقوالهم و تأويلاتهم من الكتاب و السنة مسقطين روح النص و سبب النزول و الظرف الزماني و المكاني لم ورد، فكان الفرق بين العديد من مواطني هذه الدولة و الإرهابي هو وجود السلاح و البيئة الداعمة و الظرف المثالي للتنفيذ و للأسف اجتمعت هذه العوامل الثلاثة في حادثة كنيسة الكرك لأجد نفسي اليوم أسير فكر قد لاحقني حتى وطني الأم.
كيف تزرع فكرة التطرف؟ سأقول ما حدث معي من خلال تجاربي و تجارب من حولي، نقطة البداية كانت في المدرسة عندما دخل علينا الأستاذ و هو فرح من حادثة تفجير قد حدثت في اليوم السابق راح ضحيتها عشرات القتلى من العرب والأجانب لتتحول الحصة الأولى الى درس في الفكر الجهادي المتطرف ضد كل من طرأ في باله و علينا ألا ننسى انه في هذه الفترة تحديدا كنا في أوج التطرف الجهادي حيث كانت تصدر لنا القاعدة "زبدة" أفكارها الرجعية و كان اغتيال الكتاب و المفكرين و السياسيين في مصر على أشده، و للأسف ساهمت العديد من الدول العربية بتغذية هذا الفكر لحث الناس على القتال في افغانستان و لم يعتقدوا يوما بأنهم سيجنون ما زرعت أيديهم، بعدما انهيت دراستي الجامعية كنت يوما أشاهد قناة الجزيرة لأجد صورة شخص اعرفه جيدا لأنه كان يدرسني في المرحلة الثانوية و كان الخبر ينص على "مقتل المسؤول الشرعي" لأحد الجماعات السلفية الذين اتهموا بتدمير الكنائس و الإستيلاء على الممتلكات و التضييق و التهجير و غيرها من ابداعاتهم، فهنا السؤال موجه الى وزارة التربية و التعليم كيف يصل المتطرفون الى التعليم المدرسي؟ و هل يخضع المعلمون الى فحص عقلي و فكري و ثقافي؟ هناك مثل أردني يقول "مجنون رمى حجر في البئر ١٠٠ عاقل ليطلعه" فما بالكم بفكرة تزرع في عقل طفل او شاب لتحصد الأرواح.
كما انه في أحد الايام التقيت صديقا ليحدثني عن تجربة فريدة قد خاضها لأول مرة في حياته حيث دعاه بعض زملاءه في العمل الى ما يسمى"بالخروج الى الدعوة" حيث يخرج مجموعة من الرجال للتعبد مبكرا قبل الفجر حتى العشاء و يولون أميرا عليهم ليعلمهم حول الجهاد المتطرف و الحور العين و سبايا الحرب و التسري بالجواري و استحضار القرن الثاني للهجرة عامة لإسقاطه على حاضرنا، و هنا سؤال لوزارة الأوقاف هل يترك هؤلاء لإستغلال بيوت الله في زرع الفتن في عقول أبناءنا؟ و الملاحظ أيضا حتى عندما خرج وزير الأوقاف مشكورا بالترحم على شهداء كنيسة الحمود لم يسلم أيضا من لسان المتطرفين الذين منهم أساتذة في الفقه يعلمون ابناءنا في الجامعات عن عدم جواز الترحم لغير المسلم غافلين قول الله "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ".
هنا لا أريد التعميم فكل تعميم خاطئ و ليست كل المساجد و الأئمة سواء و لكن للأسف تفشى هذا الفكر المريض بيننا حتى طال الطيبون فينا من شيوخ و أئمة و مفكرين و مفكرات، لا نريد أردنا يشعر فيه المسيحي و البهائي و الدرزي بالخوف لأنه مختلف ولا أردنا يشعر فيه المسلم بأنه مطالب بإثبات براءته من جريمة ارتكبها متخلف نريد دولة تحمي الجميع بالقانون و ان الرد على التطرف لا يتم بمعاقبة مرتكبيه فقط بل أيضا بتأكيد أن المواطنة لا تتجزأ و أن حرية الاعتقاد ليست منحة من أحد و ان الدم الأردني لا يختلف بحرمته بإختلاف صاحبه وان المشكلة واضحة و هي البيئة الحاضنة التي يجب عدم التهاون مع اي من مخرجاتها التكفيرية كما انه على النخب السياسية ألا تهادن مع قوى الشد العكسي التي لا تقبل الإختلاف و أن هذا الوطن يتسع لنا جميعا و رحم الله كل من مات و من سيموت من الأردنيين.
ينال الدباس