جفرا نيوز -
إياد العدوان
فتحت مسودة مشروع القانون المعدل لقانون التنفيذ لسنة 2026 نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الدائن والمدين، في ظل توجه لإعادة تنظيم إجراءات التنفيذ، وتخفيف بعض القيود الواقعة على المدين المتعثر، مقابل تعزيز الأدوات القانونية التي تمكّن الدائن من الوصول إلى حقوقه وتنفيذ الأحكام القضائية.
وفي قراءة قانونية للتعديلات، يلتقي المحامي طارق أبو الراغب والمحامي والمستشار القانوني أسامة الضمور، عضو جمعية المحكمين الأردنيين، على أهمية تحقيق التوازن بين طرفي العلاقة التنفيذية، إلا أن لكل منهما ملاحظاته على بعض الأدوات التي تطرحها المسودة، خصوصاً في ما يتعلق بمنع السفر، والتسويات المالية، ووسائل التنفيذ البديلة عن الحبس.
وتبرز في مداخلتيهما قناعة مشتركة بأن حماية الدائن لا ينبغي أن تعني معاقبة المدين العاجز عن السداد، كما أن إلغاء حبس المدين لا ينبغي أن يؤدي إلى إضعاف قدرة الدائن على استيفاء حقه أو تعطيل الأحكام القضائية.
عودة إلى حبس المدين؟
أكد المحامي طارق أبو الراغب أن التعديلات الجديدة على قانون التنفيذ لن تعيد العمل بحبس المدين عن الديون العادية، مشدداً على أن إنهاء الحبس بموجب المادة 22 من القانون أصبح أمراً محسوماً، وأن ما يُتداول بشأن عودته غير صحيح.
وأوضح أن هناك حالات كانت قائمة في القانون السابق واستمر العمل بها دون تعديل، وتتعلق بالديون الناشئة عن عقود الإيجار والعمل والنفقة، مبيناً أن هذه الحالات لا تعني إعادة حبس المدين عن الديون العادية.
ويتفق الضمور مع هذا الاتجاه، مؤكداً أن مسودة مشروع القانون المعدل لم تتجه إلى إعادة حبس المدين بصورة مطلقة، وأن القاعدة العامة المتمثلة بعدم جواز حبس المدين عند عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي ما تزال قائمة، مع الإبقاء على الاستثناءات التي يجوز فيها الحبس، ومنها بعض الالتزامات الناشئة عن عقود الإيجار والعمل.
بين إلغاء الحبس وحماية حق الدائن
ويرى أبو الراغب أن إلغاء حبس المدين لا يعني الاستغناء عن الضمانات التي تحمي الدائن، مشيراً إلى وجود اختلال في التوازن بين الطرفين، ومؤكداً أن الدائن يحتاج إلى أدوات فعالة تمكنه من تحصيل حقه.
ويطرح الضمور رؤية قريبة من حيث المبدأ، إذ يرى أن المسودة تحاول تحقيق التوازن بين مصلحتين، تتمثل الأولى في حماية حق الدائن وتمكينه من تنفيذ الأحكام القضائية، والثانية في مراعاة الظروف المالية والاقتصادية للمدين الذي قد يكون عاجزاً فعلياً عن الوفاء بالتزاماته.
ويؤكد الضمور أن قوة نظام التنفيذ لا ينبغي أن تقاس بمدى قدرته على تقييد حرية المدين، وإنما بقدرته على الوصول إلى أموال المدين الحقيقية وضمان تنفيذ الأحكام القضائية.
منع السفر.. ضمان للدائن أم قيد يحتاج إلى مراجعة؟
ينتقد أبو الراغب التوسع في بعض الضمانات الجديدة، وفي مقدمتها منع السفر، معتبراً أن تطبيقه في القضايا التعاقدية والمديونيات قد يثير إشكاليات دستورية تتعلق بحرية التنقل.
ويقترح بدائل حكومية يمكن أن تحقق الغاية ذاتها دون اللجوء إلى تقييد حرية المدين، من بينها تطبيقات إلكترونية شبيهة بأنظمة التتبع وتكون تحت إشراف جهة حكومية، بما يحقق التوازن بين حقوق الدائن والمدين.
أما الضمور، فيرى أن منع السفر قد لا يحقق الغاية المرجوة في بعض الحالات، خصوصاً أن المدين المعسر قد لا تكون لديه أصلاً القدرة المالية على السفر، داعياً إلى البحث عن أدوات تنفيذية أكثر فاعلية تحقق التوازن بين الطرفين.
السوار الإلكتروني.. بديل عن الحبس
ويضع أبو الراغب السوار الإلكتروني ضمن الضمانات التي تحتاج إلى مراجعة، داعياً إلى أن تكون أي وسيلة بديلة عن الحبس مدروسة بصورة تضمن حقوق الطرفين ولا تتحول إلى قيد غير مبرر على المدين.
في المقابل، يرى الضمور أن السوار الإلكتروني يمكن أن يشكل إحدى الأدوات التنفيذية في الحالات التي لا يجوز فيها الحبس، إلى جانب منع السفر وغيرها من التدابير، شريطة أن تخضع هذه الإجراءات لضوابط واضحة تحدد حالات استخدامها ومددها وآليات الاعتراض عليها.
التسويات المالية.. النسب محل خلاف
ينتقد أبو الراغب النسب المقترحة للتسوية بالأقساط، معتبراً أن إلزام المدين بدفع 15 بالمئة من قيمة الدين دفعة أولى، ثم دفع نسبة شهرية مرتفعة، قد يشكل عبئاً كبيراً في المديونيات المرتفعة.
وضرب مثالاً على ذلك بمدين تبلغ مديونيته 100 ألف دينار، سيكون مطالباً بدفع 15 ألف دينار دفعة أولى، وثلاثة آلاف دينار شهرياً وفق النسبة التي تناولها، معتبراً أن هذه المبالغ قد تتجاوز قدرة كثير من المدينين، خصوصاً من لا يمتلكون دخلاً ثابتاً.
ودعا أبو الراغب إلى مراجعة هذه النسب خلال مناقشة التعديلات أمام مجلس النواب، مقترحاً تخفيض الدفعة الأولى إلى 10 بالمئة والقسط الشهري إلى 2 بالمئة للديون الأقل من 10 آلاف دينار، وخفض النسبة إلى 1 بالمئة للمديونيات التي تتجاوز 100 ألف دينار.
في المقابل، يؤكد الضمور أن المسودة نظمت التسوية المالية بحيث لا تقل الدفعة الأولى عن 15 بالمئة من المبلغ المحكوم به، وألا يقل القسط الشهري عن 2 بالمئة من باقي الدين، إلا أنه يشدد على أن القدرة على دفع نسبة محددة لا يمكن افتراضها بصورة موحدة لجميع المدينين.
ويفرق الضمور بين المدين الذي يملك الملاءة المالية لكنه يماطل في السداد، والمدين الذي فقد مصدر دخله أو تعرض لظروف اقتصادية حالت دون الوفاء بالتزاماته، مؤكداً أن التسوية العادلة يجب أن تكون متناسبة مع القدرة المالية الفعلية للمدين دون الإضرار بحقوق الدائن.
الحجز على أموال المدين.. الأولوية للوصول إلى الحق
يشير أبو الراغب إلى أن التعديلات تتضمن إجراءات من شأنها تسريع تنفيذ الأحكام، من بينها إمكانية الحجز على أموال المدين فور صدور القرار إذا ثبت وجود أموال لديه، إضافة إلى تسهيل تسجيل الدعاوى واستخدام الوسائل الإلكترونية في التبليغ والتنفيذ.
ويرى أن هذه الإجراءات يمكن أن تكون أكثر فاعلية من الاعتماد على الحبس، لأنها تستهدف الوصول إلى أموال المدين وتحقيق الغاية الأساسية من التنفيذ، وهي استيفاء حق الدائن.
ويتفق الضمور مع أهمية تعزيز أدوات الحجز، موضحاً أن المسودة وسعت صلاحيات رئيس التنفيذ في الحجز على أموال المدين، كما عززت الأدوات المتاحة للدائن للوصول إلى مصادر الأموال والدخل.
ويشدد على أن المشكلة الأساسية لا تكمن في تقييد حرية المدين، وإنما في قدرة نظام التنفيذ على الوصول إلى الأموال الحقيقية للمدين وضمان تنفيذ الحكم القضائي.
الإفصاح عن الأموال ومصادر الدخل
ويشير أبو الراغب إلى أن تعزيز إجراءات التنفيذ يجب أن يرافقه نظام فعال للكشف عن أموال المدين ومصادر دخله، بما يمنع إخفاء الأموال ويتيح للدائن الوصول إلى حقه بالطرق القانونية.
أما الضمور، فيلفت إلى أن المسودة تتضمن إلزام المدين في بعض الديون التجارية بالإفصاح عن مصادر دخله وأمواله خلال مدة محددة، معتبراً أن مثل هذه الأدوات يمكن أن تسهم في الحد من التهرب من تنفيذ الالتزامات المالية.
ويؤكد أن الوصول إلى الأموال الحقيقية للمدين يمثل جوهر العملية التنفيذية، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها المدين قادراً على السداد لكنه يتعمد المماطلة أو إخفاء أمواله.
أتمتة التنفيذ.. تسريع المعاملات والتبليغات
ويرى أبو الراغب أن من أبرز الجوانب الإيجابية في المسودة توسيع استخدام الوسائل الإلكترونية في تسجيل الدعاوى وإجراءات التبليغ والتنفيذ، معتبراً أن الأتمتة يمكن أن تسهم في اختصار الوقت ورفع كفاءة دوائر التنفيذ.
ويشير الضمور بدوره إلى أن المسودة تضمنت إجراءات تهدف إلى تعزيز فعالية التنفيذ، بما في ذلك استخدام الوسائل الإلكترونية، مؤكداً أهمية إعادة هندسة منظومة الإجراءات التنفيذية بما يجعلها أكثر سرعة ودقة وفاعلية.
الطعن والضمانات القضائية
ويشير أبو الراغب إلى أن التعديلات تضمنت استثناءات محددة تتعلق بالطعن في بعض القرارات التنفيذية، بما يعزز الضمانات القانونية ويوفر مجالاً لمراجعة بعض القرارات ذات الأهمية.
ويرى الضمور أن توسيع الضمانات القضائية يجب أن يترافق مع الحفاظ على سرعة التنفيذ، بحيث لا تتحول إجراءات الطعن إلى وسيلة لتعطيل استيفاء الحقوق أو إطالة أمد الدعاوى التنفيذية.
تهريب الأموال.. نقطة تحتاج إلى حسم
ويحذر الضمور من أن أي منظومة تنفيذ ستبقى محدودة الفاعلية إذا تمكن المدين من إخفاء أمواله أو تهريبها بقصد التهرب من تنفيذ الحكم.
ويقترح وضع نص صريح يجرّم تهريب الأموال بقصد التهرب من الوفاء بالالتزامات المالية، وتشديد العقوبة في حال ثبوت قيام المدين بتهريب أمواله للحيلولة دون تنفيذ الحكم القضائي.
ومن جانبه، يؤكد أبو الراغب أن حماية الدائن تتطلب أدوات عملية وفعالة للوصول إلى الأموال، وليس فقط إجراءات تقيد حركة المدين، داعياً إلى أن تركز التعديلات على تحقيق الغاية الأساسية من التنفيذ، وهي استيفاء الحق.
التحدي في فعالية التنفيذ لا في الحبس
وتكشف مداخلتا أبو الراغب والضمور أن جوهر النقاش حول تعديلات قانون التنفيذ لا يدور حول إعادة حبس المدين عن الديون العادية، وإنما حول شكل الأدوات التي ينبغي اعتمادها لضمان تنفيذ الأحكام وحماية حقوق الدائنين، مع مراعاة المدين الذي يثبت عجزه الحقيقي عن السداد.
وبين الدعوة إلى تسويات أكثر مرونة، والتحذير من المماطلة وإخفاء الأموال، تتجه النقاشات القانونية نحو ضرورة بناء منظومة تنفيذ تميز بين المدين المعسر والمدين القادر على السداد، وتمنح الدائن أدوات حقيقية للوصول إلى أمواله، دون أن تتحول إجراءات التنفيذ إلى عقوبة على من يثبت عجزه الفعلي عن الوفاء.
ويبقى نجاح التعديلات مرهوناً بمدى قدرتها على تحقيق هذا التوازن، وبمدى وضوح الضوابط التي ستحكم الحجز والتسويات ومنع السفر والسوار الإلكتروني والإفصاح المالي، بما يضمن في النهاية تنفيذ الأحكام القضائية وحماية الحقوق دون المساس بالضمانات القانونية للمدين.