جفرا نيوز -
طارق ديلواني
أنا كنت منشغلاً بمحاولة التقاط ما لم تقله الكلمات مباشرة. لأن بعض الرسائل تترك لمن يعرف كيف ينصت.
فقد كان خطاباً مختلفاً تماماً،
أقرب الى إعادة "ضبط مصنع" للدولة الأردنية بأكملها، حيث السيادة المطلقة التي لا تساوم في الخارج، والتحديث القسري الذي لا يرحم الكسل في الداخل.
ورسالة صارمة بأن ثمة ما ينبغي أن يتغير في سلوك الدولة ومؤسساتها.
خطاب وزّع المسؤوليات، وطوى زمن الارتخاء البيروقراطي و"ترحيل الملفات".. فمن لا يستطيع مجاراة الإيقاع العالي للدولة ومصالحها العليا، سيبقى خارج السرب حتماً.
لكن خارج نص الورقة.. ثمة ما قاله العرش بلا قفازات..
وثمة نبرة ايضاً في خطاب الملك.. تستحق الاصغاء بتركيز في المسافة بين الكلمات، وفي ثِقل بعض الجمل، وفي الانفعال الذي قد يقرأه المستمع في نبرة الصوت حين تتجاوز الكلمات حدود النص المكتوب.
بدأ بمواجهة الإرهاب، واستحضر دماء الشهداء، وتحدث عن الجيش والأجهزة الأمنية، وعن فلسطين، وهيبة الدولة، ومسؤولية المؤسسات، وانتهى عند علاقة شخصية شديدة الخصوصية بين الملك وشعبه : "وأهلي وعشيرتي أمانة في عنقي"..
يا لها من عبارة ثقيلة. قابلتها" مهاهاة" سيدة أردنية معجونة برائحة الطين، ومئات الكيلومترات التي قطعتها وثوب مطرز بحكايا الأمهات.. لتقول ما تريد بطريقتها.. لا لتصفق... فلا زجاج يعزل، ولا مسافات تفصل.
هذه البلاد لا تختصرها قبة، ولا مقاعد، ولا أعلام مرفوعة. وربما لهذا بدا لي أن اللحظة الأخيرة تستحق إصغاء مختلفاً. فأنا أؤمن أن بعض اللحظات في الخطابات العامة لا تقيّم في الكلمات وحدها، في أحيان كثيرة تقيّم في الطريقة التي تصل بها إلينا.
ربما أقرأ أكثر مما ينبغي في بعض تفاصيل الخطاب، الا أن المفارقة الأردنية التي لا أملّ من التأمل فيها: هي أن ذلك البلد المحاط بكل هذا الضجيج، والمثقل بكل هذه الجغرافيا، لا يزال يجد طريقه إلى أبسط تعريفاته، أهل، وذاكرة، وأمانة. وكل ما عدا ذلك تفاصيل كبيرة، لكنها تظل تفاصيل.