اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

السنيد يكتب : بطلان دعوى الفكر التكفيري وهدمها

الأحد-2026-11-01 10:17 pm
جفرا نيوز -

كتب علي السنيد:

     عندما دخل الرسول محمد – عليه الصلاة والسلام - وصحابته الأطهار الى مكة المكرمة فاتحين، وهم نواة الإسلام الأولى وكان يقودهم نبيهم الذي تتنزل عليه آيات الذكر الحكيم، وقد حققوا فتحاً عسكرياً حاسماً فلم يسفكوا الدم اتباعا لتعاليم رسولهم الكريم الذي حقن دماء اهل مكة من الكفار والمشركين، وامنهم على انفسهم وبيوتهم واموالهم واعراضهم، وجلهم ممن ناوئوا الإسلام، وحرضوا عليه، وحاولوا ان يطفئوا نوره، وحاربوه منذ بداية عهده.
 وكانوا قد عذبوا المسلمين الأوائل، ومنعوهم من حقهم في الاعتقاد، وقتلوا خيار الصحابة في المعارك التي فرضوها على المسلمين، وقد شنوا أكثر من حرب عليهم وحاولوا اغتيال الرسول، بعد أن كذبوه ، واتهموه بالجنون والسحر، وتسببوا بتشريد الصحابة، وهجرتهم، ومنعوهم من إقامة شعائرهم، والحج الى مكة المكرمة. 
ولما تمكن رسول الرحمة منهم حقن دماء أهل مكة، ولم يسبي النساء والذراري، وحفظ أموالهم واعراضهم، ولم يجبرهم على تغيير معتقداتهم والإيمان عنوة ، والتحول الى الإسلام، وانما ترك ذلك لخياراتهم وقناعاتهم، واصدر عفوا عاما عنهم بقوله عليه الصلاة والسلام "اذهبوا فانتم الطلقاء".  
ولم يحتل الرسول عليه السلام مكة، ويقيم فيها حكما عسكريا ويشرد أهلها ، ويستولي على خيراتها، ويغير توازناتها الداخلية، وانما غادرها الى المدينة بعد ان حرر بيت الله الحرام من الاصنام ، وترك امر انتشار الاسلام للقناعات، والحرية الشخصية.
وهذا المشهد التاريخي لسماحة الإسلام العظيم يبدد خرافات، واضاليل التكفيرين الذين جاءوا بأحكام الموت على الجميع. 
وهو يمثل السلوك الإسلامي الصحيح مع المخالفين في الدين والمعتقد، ومع المهزومين في ميدان المعركة.
فكيف بتكفير المسلم الذي يشهد بوحدانية الله سبحانه، وتعالى، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة ، ويصوم رمضان، ويحج الى البيت العتيق، والذي يتم نزع صفة الإسلام عنه في كافة الدول العربية وفقا للتكفيرين بدعوى انها دول تحكمها أنظمة كافرة، وعلى اعتبار ان الإسلام ضاعت دولته في التاريخ، وسيستعيدونها هم للامة، وكان من أكبر تجلياتها الحديثة داعش الإرهابية.
وهم يوزعون احكام التكفير على كافة الدول العربية القائمة، وسلطاتها السياسية، وينسحب ذلك الى شعوبها التي حللوا نظرياً دمائها ، واموالها ، واعراضها، وحتى أصبح في عرف هذه التنظيمات المتهافتة ان أركان الإسلام لا تحقق للمسلم اسلامة ما لم يكفر بهذه الدول، ويخرج على امنها ، واستقرارها ، ويهاجر الى دولة الإسلام التي يقيمها التنظيم التكفيري، ومبايعة اميرها. 
وكذلك يبطل أصحاب هذه الدعوى الضالة كون ان أركان الإيمان التي تشمل الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله تكفي المؤمن ليتحقق إيمانه من خلالها ما لم يكن عضوا في هذه التنظيمات الظلامية، ويبايع أمير الجماعة التي يصبح انتماؤه لها فقط هو ما يحقق معايير إسلامه وايمانه، وبذلك يحقن دمه وماله ويصون عرضه. 
وهذا الخبل يخالف سلوك رسول الرحمة الكريم الذي جاء بالإسلام، وتنزلت عليه الرسالة، وهو الهادي لامته، ومن رسم لها خط سيرها القويم في هذه الحياة وصولا الى تحقيق مرضاة الله سبحانه وتعالى.
وهنالك حادثة مهمة يطرحها القرآن الكريم، وهي تهدم فتوى التكفير من أساسها، وهي تخص تولي سيدنا يوسف عليه السلام، وهو نبي الله السلطة في عهد الملك في مصر القديمة وهو غير مؤمن بالله وحيث يرد ذلك على لسان سيدنا يوسف عليه السلام بنص الآية الكريمة "اني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله" وهو يقصد بذلك عند تفضيله الدخول الى السجن، وترك المجتمع الذي تربى فيه، وما يدعونه فيه الى الرذيلة - حاشاه عليه السلام -.
 وهو يؤشر الى معتقد اهل مصر القديمة، وشكل الدولة القائمة فيها انداك، وهذا لم يمنعه من ان يطلب من الملك بان يضعه على خزائن الأرض، ولكي يصبح مسؤولا كبيرا في هذه الدولة ذاتها، وفي ظل السلطات القائمة. 
ولا يعقل ان نبي الله يوسف عليه السلام يسير في توجه يؤدي به الى الكفر بنظر غلاة التكفيرين اليوم، وما جرى كان على العكس من ذلك تماما فان الله سبحانه وتعالى لم يعاتبه على قبول ذلك المنصب، والمشاركة في حكومة تلك الدولة غير الموحدة او يصفه بالكفر جراء ذلك ، وانما اشاد بالمكانة التي حققها يوسف بقوله تعالى "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء، ولا نضيع اجر المحسنين".
فكيف بهذه الدعوى الهدامة تكفر كل من يعمل في وزارات ومؤسسات الدول العربية التي يحكمون عليها بالتفكير بالجملة، وعلى اعتبار انها تحكم بغير ما انزل الله، ويشمل التكفير عوضا عن شعوبها المسلمة كل سلطاتها السياسية وهيئاتها العامة، وموظفيها ، وحتى خطباء المساجد فيها ، ووزراء الأوقاف.
 
والإسلام العظيم هو دين كل الأنبياء والرسل، والذي جاء لكي يعرف الناس بخالقهم وحقه عليهم ولكي ينبذوا ما كانوا يعبدون من دونه ، ويقومون بواجب عبوديته ، ويسيرون على الطريق المستقيم الذي يرضيه سبحانه وتعالى عنهم، وليؤدوا العبادات التي تغذي الجانب الروحي لدى الانسان، وتجعله يسير على هدى من ربه أثناء عيشه على الأرض. 
وهذه دعوى كل الأنبياء والرسل، ومنهم السادة الرسل من سلالة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، واخرهم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا الجانب الروحي العظيم هو جوهر دعوة الإسلام ورسالته الخالدة. 
اما شؤون الحياة فهي متروكة لخيارات الناس حيث قال عليه الصلاة والسلام انتم ادرى بشؤون دنياكم، وكذلك لقدراتهم العقلية وتطور الزمن ومصالحهم وللكيفيات التي يرتضونها و يتوصلون من خلالها الى ما يناسبهم، ويحقق متطلباتهم، وباستخدام العلوم والمعارف التي توصلوا لها ، وذلك عبر مسيرة البشرية ، وكذلك وفقا لتجارب الأمم و الشعوب، وما تحققه من تطور وتقدم في شتى مجالات الحياة، وهذا ما اتاح كل هذا التقدم الذي احدثته البشرية على مختلف الصعد اليوم. 
ولو كان غير ذلك لبقيت الحياة بدائية على صورتها الأولى، واستبقت كل الاشكال القديمة. 
ومن الخبل اعتبار ان وسائل بعينها اعتمدتها الناس قبل الاف السنين في تسيير امورهم في الحياة هي تعاليم دينية يجب الابقاء عليها دون تطوير، ولو صح ذلك لما تقدمنا طرفة عين.
 فهل يعقل ان يبقى الطب مرتبطا ببعض النصائح التي تتخذ طابعا دينيا، والخصائص العلاجية لبعض الاعشاب ام ان هذا علم يتطور يوميا مع تقدم الفكر البشري، والكشف العلمي، وتجارب الامم وصراعها مع الأمراض، وما يستجد منها ، وهذا ينسحب على بقية العلوم، والمعارف وفي الاقتصاد ، والزراعة والصناعات وكافة مجالات الحياة، وسبل عيش الناس.
وشكل الدولة تطور مع تقدم القرون وذلك من حيث بروز سلطاتها السياسية، واليات عملها وكيفية تمثيلها للإرادة الشعبية ، وتحقيقها لمصالح الناس، وحدود الصلاحيات والمسؤوليات فيها، وكل التغييرات التي أحدثها الفكر البشري لتكون الدول اكثر تعبيرا عن شعوبها، واقتسام السلطات بين الأغلبية والأقلية والتنافس لخدمة الناس، وهذا من محاسن الفكر الإنساني حيث الدولة وكيانها وحدودها ومؤسساتها وعلمها الوطني وسيادتها ووثائقها الرسمية هي اختراع بشري في الصميم.
وظلت الدولة تتطور ، والمنظومة الدولية في حالة تغير حتى وصلنا الى النظام الدولي اليوم، ولا يعقل ان نرفض كل ما أنجزته الإنسانية على هذا الصعيد، ونعود الى شكل الدولة القديم الذي يناسب ذلك الزمان.
ومعروف ان الدولة في الحضارة الإسلامية تغيرت مع تغير الزمن من الخلافة الأولى الى ملكية في الدولة الاموية والعباسية، و الى سلطنة في الدولة العثمانية، وصولا الى الدولة القطرية اليوم. 
والمهم من كل ذلك أن الله سبحانه و تعالى وضع من خلال الدين مبادئ عامة للحياة ، و قيماً للخير والعدالة ، والبعد عن الشرور الآثام. 
وللحفاظ على الاخلاقيات العامة، والذوق العام، وعلى المؤمنين الموحدين به ان يلتزموا بها أثناء قيامهم بالمهمة الكبيرة المناطة بالإنسان على الأرض، والمتمثلة في كيفية اعمارها، وكذلك لإيجاد تعاملات اجتماعية تقوم على الصدق والأمانة، والبعد عن الغش، والخداع، ونقض العهود. 
والدين الإسلامي هدف الى تعظيم الجانب الروحي في الإنسان، وانتاج شخصية إيمانية راقية ومسالمة تجسد قيم الخير في سلوكها ، ولا تنكب على الدنيا ، وتعيش فقط في الجانب المادي للحياة او تستخدم كل الوسائل في تحقيق المصلحة الفردية على حساب شقاء الاخرين.
ولذلك حرم الإسلام الظلم، وجاء بالفضائل كلها ، وبمكارم الأخلاق، وبالسلوك القويم، وهذه ثمرات الدين وخلاصته في الواقع التطبيقي العملي له على مسرح الحياة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير