جفرا نيوز -
استعان محاربون وقادة عسكريون، عبر مختلف العصور، بالطقوس السحرية والتمائم والمعتقدات الخارقة، اعتقادا بأنها تمنحهم الحماية من الموت وتضمن لهم النصر في المعارك، في ممارسات ارتبطت بالخوف من المجهول وعدم اليقين بشأن نتائج الحروب.
وتناول الكاتب ويليام لوسون، في مقال نشرته مجلة "ناشونال إنترست" بعنوان "سيوف العظام والدجاج المقدس والتمائم المضادة للرصاص: لمحة تاريخية عن السحر في الحروب"، نماذج تاريخية لهذه الممارسات، بدءا من الحضارتين الإغريقية والرومانية وصولا إلى الحروب الحديثة.
وعرف الإغريق والرومان طقوس قراءة الطالع واستشراف نتائج المعارك من خلال مراقبة الطيور وفحص أحشاء الحيوانات المذبوحة. وكان الإسبرطيون يلتزمون بهذه الممارسات إلى حد امتناعهم عن المشاركة في معركة ماراثون عام 490 قبل الميلاد، بسبب تزامنها مع احتفال ديني، تاركين الأثينيين لمواجهة الغزو الفارسي.
أما الرومان، فاعتمدوا طقسا يقوم على إطلاق دجاج مقدس وتفسير إقبالها على الطعام بوصفه علامة على موافقة الآلهة على خوض المعركة. ويورد الكاتب مثال معركة دريبانا عام 249 قبل الميلاد، عندما تجاهل القائد الروماني بولوس كلاوديوس بولخر امتناع الدجاج عن الأكل وألقى بها في البحر، قبل أن يتعرض أسطوله لهزيمة كارثية أمام القرطاجيين، خسر فيها معظم سفنه ونحو 20 ألف جندي.
وبعد المعركة، واجه بولخر اتهامات بالخيانة، لكنه أدين بتهمة تدنيس المقدسات بسبب تعامله مع الدجاج المقدس، وصدر قرار بنفيه بدلا من إعدامه.
وفي الممارسات الإسكندنافية، اعتقد الحدادون أن إضافة مسحوق عظام الأجداد إلى صناعة السيوف تمنحها قوة خارقة، فيما أسهمت هذه الممارسة، وفق المقال، في تحسين جودة المعدن، إذ أدى حرق العظام في بيئة محدودة الأكسجين إلى إنتاج مادة غنية بالكربون تساعد على تصنيع فولاذ أكثر صلابة من الحديد التقليدي.
واستخدم المحاربون الإسكندنافيون أيضا الرونات، وهي رموز منقوشة على السيوف، اعتقادا بأنها تمنحهم النصر والحماية وتستحضر قوى الآلهة. ومن بينها رونة النصر المرتبطة بالإله "تير"، إله الحرب والتضحية، التي كان المحاربون ينقشونها على النصال أو المقابض.
ومع انتشار الأسلحة النارية منذ القرن السادس عشر، ظهرت معتقدات جديدة لحماية المقاتلين من الرصاص، إذ حمل بعض السكان الأصليين في أميركا تمائم وأحزمة وملابس مقدسة ودروعا اعتقدوا أنها تقيهم المقذوفات.
وأشار المقال إلى دراسة أجراها ضابط في الجيش الأميركي جون جي بورك عام 1892، تناولت ممارسة لدى الأباتشي لصناعة تمائم تسمى "ديتزي"، من خشب الصنوبر أو أنواع أخرى من الأشجار التي ضربتها الصواعق، وكان يُعتقد أن ارتداءها مع قمصان أو أوشحة طبية يوفر الحماية من الأذى.
وفي شرق أفريقيا، قاد الزعيم الروحي كينجيكيتيلي نغوالي انتفاضة الماجي ماجي ضد الاستعمار الألماني عام 1905، بعدما أقنع أتباعه بأن شرابا مقدسا سيحوّل الرصاص الألماني إلى ماء. لكن الاعتقاد لم يصمد أمام الأسلحة الحديثة، وقتل نغوالي، فيما استمرت الانتفاضة عامين آخرين.
وخلال الحرب العالمية الأولى، دفعت الخسائر البشرية الكبيرة واستخدام المدفعية والرشاشات والغازات السامة الجنود إلى التعلق بالرموز الدينية والتمائم الشعبية، إذ حمل جنود من قوات الحلفاء دمى صوفية صغيرة بألوان الأعلام الوطنية، عُرفت باسم "نينيت" و"رينتينتين"، إلى جانب تمائم خشبية اعتقدوا أنها تجلب الحظ وتحميهم من الأذى.
ولم تقتصر الممارسات على التمائم، إذ استخدم قادة عسكريون النبوءات الدينية أحيانا لتعزيز معنويات الجنود وتوحيد صفوفهم. ومن الأمثلة التي أوردها الكاتب نبوءة أوراكل دلفي التي وظفها الملك الإسبرطي ليونيداس لتبرير تضحيته في معركة ثيرموبيلاي عام 480 قبل الميلاد، وكذلك تفسير القائد الأثيني ثيمستوكليس نبوءة "الجدران الخشبية" باعتبارها إشارة إلى السفن، ما ساعد على حشد الأثينيين لمواجهة الأسطول الفارسي في معركة سلاميس.
ووفقا للمقال، يسود اعتقاد بأن النبوءتين تأثرتا برشى قدمها الرجلان، في ممارسة كانت شائعة بين أصحاب النفوذ في ذلك الوقت.
ويرى لوسون أن اللجوء إلى التمائم والطقوس والمعتقدات الخارقة لم يكن مجرد تعبير عن الخرافة، بل شكل وسيلة لتعزيز الشجاعة والثقة بالنفس ورفع الروح المعنوية في مواجهة الموت، مرجحا استمرار هذه الممارسات في الحروب رغم تطور الأسلحة والتكنولوجيا، نظرا إلى حاجة الإنسان للشعور بالحماية أمام المجهول.
وكالات