جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف
من بين كل الفنون، السينما هي الأهم بالنسبة إلينا - لينين.
شاهدتُ برفقة زوجتي فيلم «فلسطين 36» للمُخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، وهو واحد من أكبر الأعمال السينمائية في تاريخ السينما الفلسطينية، ويقف بمستواه الفني إلى جانب كُبريات الأفلام التاريخية والدرامية العالمية. وقد امتدّ العمل على إنجازه عشر سنوات، وتقاطَع التصوير زمنيًّا مع أحداث «طوفان الأقصى»، الأمر الذي جعل بلوغ مواقع التصوير مهمة شاقّة، فاضطر فريق العمل إلى تصوير عدد كبير من المشاهد في شمال الأردن.
وحظي الفيلم بتمويل بلغ ستة ملايين دولار قدّمته مؤسسات عدة، في مقدّمتها معهد الدوحة للأفلام وشركة «أفلام بطيخ»، المملوكة لشقيقين فلسطينيَّين أمريكيَّين اتخذا من إنتاج الأفلام التي تروي قصص الشعوب المنكوبة رسالةً لهما.
تنطلق أحداث الفيلم من عام 1936، في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين، وذلك بعد نحو عقدين من بسط بريطانيا سيطرتها على البلاد عام 1917؛ وهو العام ذاته الذي شهد صدور وعد بلفور، الذي أعلنت فيه لندن تأييدها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ومهّدت لتنفيذه عبر تشجيع موجات الهجرة اليهودية إليها.
أفضت هذه السياسات الاستعمارية إلى تصاعد التوتر في فلسطين إلى مستويات غير مسبوقة؛ فقد وجد الفلسطينيون أراضيهم تتقلّص تدريجيًّا تحت وطأة التوسع الاستيطاني، في الوقت الذي تدفّقت فيه آلاف الأعداد من المهاجرين اليهود إلى البلاد بتسهيلات مباشرة من سلطات الانتداب البريطاني.
يوثّق الفيلم وقائع الثورة الفلسطينية الكبرى التي انطلقت عام 1936 واستمرت ثلاثة أعوام، لتكون أوسع انتفاضة شعبية في التاريخ الفلسطيني الحديث. ففي ذلك العام، أطلقت اللجنة العربية العليا -التي كانت قد تأسست حديثًا- دعوةً إلى إضراب عام لقي استجابة واسعة في مختلف أنحاء البلاد، وأسفر عن تعطيل جزء كبير من الحركة الاقتصادية.
يرصد فيلم «فلسطين 36» تداعيات ذلك الإضراب، ويتتبّع الانتفاضة المسلحة التي اشتعلت في القرى الفلسطينية، كما يفتح نافذة على السجالات السياسية التي دارت في أروقة النخب الفلسطينية بمدينة القدس. ويسلّط الضوء في الوقت نفسه على القمع البريطاني الدامي للثورة، حيث استقدمت سلطات الانتداب إلى فلسطين أساليب قاسية في مكافحة التمرد، كانت قد جرّبتها سابقًا في مستعمرات أخرى ضمن نطاق الإمبراطورية البريطانية، من بينها الهند وإيرلندا.
تتصدّر شخصية يوسف مقدّمة الشخصيات المحورية في العمل؛ إذ تتوزّع حركته بين منزله في القرية وشوارع القدس التي أصابها الإضراب بالشلل. وهو شاب بسيط لا يطمح إلى أكثر من بناء مستقبله، غير أن اندلاع الثورة، واشتداد البطش البريطاني، وتنامي أعداد المهاجرين اليهود، عوامل تدفعه دفعًا إلى مواجهة مكشوفة مع الاستعمار.
وتحضر إلى جانبه شخصية خلود، الصحفية ذات التوجّه القومي التي توقّع مقالاتها باسم مستعار هو «أحمد كنعاني»، وهي زوجة أمير؛ الرجل الذي يقيم علاقة تعاون سرية مع الوكالة اليهودية، في حين يُظهر للناس انحيازًا معلنًا إلى القضية الفلسطينية.
يعتمد الفيلم بنية سردية تمزج بين اللقطات الأرشيفية والمشاهد الدرامية، ويجمع في نسيجه بين شخصيات تاريخية واقعية وأخرى من نسج الخيال. ولعل أبرز ما يقدّمه هو كشف الأسس التي قام عليها مشروع الدولة الصهيونية، وفضح وحشية الاستعمار البريطاني، وما اتسم به من تناقضات صارخة وازدواجية في المعايير.
فالضباط البريطانيون يستبيحون ممتلكات الفلسطينيين، بينما ينتمون إلى إمبراطورية ترفع في خطابها شعار قدسية الملكية الخاصة. وعلى المنوال ذاته، يُجرّم نظام الانتداب الكفاح الفلسطيني المسلح، في حين تقوم سلطته هو على العنف أصلًا، ويمارسه دون قيد أو مساءلة.
يُسدل الفيلم ستاره والانتفاضة الفلسطينية ما تزال مُتّقدة، في مقابل قمع بريطاني يزداد وحشية يومًا بعد يوم. ويدرك المشاهد الملمّ بالتاريخ أن الإجراءات القمعية التي انتهجتها سلطات الانتداب أفضت، مع انطفاء الثورة، إلى إعدام واحد من كل عشرة رجال فلسطينيين أو جرحه أو زجّه في السجن أو نفيه خارج البلاد.
وتتضاعف أهمية هذا العمل في لحظة يرتكب فيها الكيان الصهيوني واحدة من أفظع الإبادات في التاريخ الحديث. يُضاف إلى ذلك أن قراءة التاريخ الفلسطيني تظل منقوصة ما لم تُلمّ بثورة عام 1936، التي لا تزال آثارها ممتدة إلى واقعنا الراهن، والتي أسهمت في صياغة ثقافة المقاومة الفلسطينية ونحت رموزها.
ولعل الكوفية الفلسطينية أوضح شاهد على ذلك؛ فهذا الغطاء التقليدي للرأس، المصنوع من قماش مقلّم أو منقوش بالمربعات، تحوّل إلى أيقونة للمقاومة بعد أن أقدمت السلطات البريطانية على حظره. وقد عادت محاولات حظره لتتكرر في عدد من المؤسسات في الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا خلال عشرينيات القرن الحادي والعشرين.
إنه فيلم أوصي بمشاهدته بإلحاح؛ فسيتملّكك الغضب ويعتصرك الحزن، وقد تنهمر دموعك وأنت تلامس فداحة الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني. بل ربما لا تقوى على إتمامه حتى نهايته، كما حدث مع زوجتي حين استبدّت بها المشاعر.