تتجه إسرائيل إلى مرحلة من المفاوضات السياسية المعقدة عقب انتخابات الكنيست الـ26، في ظل تقدم حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في النتائج الجزئية، مقابل استمرار المنافسة مع معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، من دون امتلاك أي من المعسكرين أغلبية برلمانية واضحة تتيح له تشكيل الحكومة منفردًا.
وأظهرت بيانات الفرز الأولية تقدم الليكود، الذي يتزعمه نتنياهو، في عدد المقاعد، يليه حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت، فيما حققت القوائم العربية تمثيلًا ملحوظًا، يعزز موقعها في الحسابات السياسية المرتبطة بتشكيل الحكومة المقبلة. وتبقى هذه النتائج أولية وقابلة للتغيير مع استمرار عمليات الفرز.
ويتطلب تشكيل الحكومة الحصول على دعم 61 عضوًا على الأقل من أصل 120 عضوًا في الكنيست، وهو ما يجعل تقدم أي حزب منفرد غير كافٍ لحسم هوية الحكومة المقبلة، ويضع التحالفات السياسية ومواقف الأحزاب الصغيرة في صلب المرحلة التالية للانتخابات.
مشاركة مرتفعة ومشهد سياسي منقسم
وسجلت الانتخابات نسبة مشاركة بلغت 77.7 بالمئة، وهي الأعلى منذ عام 1999، وفق البيانات الأولية، في مؤشر على اتساع المشاركة في الاستحقاق الانتخابي وسط الانقسام السياسي الذي تشهده إسرائيل.
ورغم أن ارتفاع المشاركة يعكس حجم التنافس على تحديد مستقبل الحكومة، فإنه لم يؤدِّ حتى الآن إلى حسم واضح بين المعسكرين الرئيسيين، إذ لا تزال الحسابات البرلمانية مرتبطة بالنتائج النهائية وقدرة كل طرف على بناء تحالفات تضمن له الأغلبية.
وفي أولى رسائله بعد ظهور التقديرات الأولية، دعا نتنياهو إلى تشكيل «حكومة يمينية قوية»، مستندًا إلى تقدم الليكود في الفرز وإلى ما وصفه بإنجازات إسرائيل العسكرية، كما تحدث عن ضرورة مواصلة مواجهة ما وصفه بالتهديد الإيراني.
في المقابل، اعتبر آيزنكوت أن نتائج الانتخابات تعكس رفض استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة، ودعاه إلى الاعتراف برسالة الناخبين والانسحاب من الحياة السياسية، في موقف يعكس انتقال المواجهة من المنافسة الانتخابية إلى الصراع على تشكيل الائتلاف المقبل.
الأحزاب العربية.. تمثيل أكبر ودور سياسي معقد
وتبرز القوائم العربية بوصفها أحد العوامل المؤثرة في الحسابات البرلمانية، مع ارتفاع التقديرات المتعلقة بتمثيلها مقارنة بانتخابات عام 2022، الأمر الذي قد يمنحها قدرة أكبر على التأثير في مسار المفاوضات.
غير أن تحويل هذا التمثيل إلى نفوذ حكومي فعلي لا يبدو أمرًا مضمونًا، في ظل مواقف نتنياهو الرافضة للاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل حكومته، وكذلك تعقيدات موقف معسكر المعارضة من إمكانية الاستناد إلى دعمها البرلماني.
ويواجه آيزنكوت، الذي يسعى إلى إنهاء حكم نتنياهو، تحديًا يتمثل في جمع قوى سياسية مختلفة حول صيغة حكومية واحدة، خصوصًا أن بعض أطراف المعارضة تتحفظ على تشكيل حكومة تعتمد على دعم القوائم العربية، سواء من خلال المشاركة المباشرة أو توفير دعم برلماني من خارج الائتلاف.
وفي المقابل، لا يبدو طريق نتنياهو خاليًا من العقبات، إذ يتعين عليه ضمان تماسك حلفائه من الأحزاب اليمينية والدينية، وتأمين العدد اللازم من المقاعد لتشكيل حكومة قادرة على نيل ثقة الكنيست.
مفاوضات قد تمتد لأسابيع
ومع استمرار الفرز، تبقى الأرقام المعلنة غير نهائية، فيما قد تؤثر الأصوات التي يجري احتسابها لاحقًا، بما فيها أصوات الجنود والدبلوماسيين وبعض الفئات التي تصوّت عبر المظاريف المزدوجة، في التوزيع النهائي للمقاعد ومصير القوائم القريبة من نسبة الحسم الانتخابية.
وبعد إعلان النتائج الرسمية، تبدأ مرحلة المشاورات السياسية التي يجري خلالها تحديد المرشح الأقدر على تشكيل الحكومة، وسط احتمالات تشمل تشكيل ائتلاف يميني، أو تحالف بديل بقيادة المعارضة، أو التوصل إلى صيغة توافقية تجمع أطرافًا متنافسة.
كما يبقى احتمال تعثر المفاوضات قائمًا إذا أخفق أي من المعسكرين في جمع الأغلبية المطلوبة، وهو ما قد يطيل بقاء نتنياهو في موقع رئيس حكومة تصريف الأعمال إلى حين حسم الترتيبات السياسية.
وبذلك، لا تمثل الانتخابات نهاية الصراع السياسي في إسرائيل، بل بداية مرحلة جديدة من المساومات على تشكيل الحكومة، في وقت يتقدم فيه الليكود في النتائج الجزئية، ويسعى آيزنكوت إلى بناء بديل سياسي، فيما تكتسب الأحزاب العربية وزنًا إضافيًا في حسابات البرلمان، من دون ضمان قدرتها على تحويل هذا الوزن إلى مشاركة فعلية في الحكم.
وتبقى هوية الحكومة المقبلة مرتبطة بالنتائج النهائية، ومواقف الأحزاب من التحالفات الممكنة، وقدرة كل معسكر على تأمين 61 مقعدًا، في مشهد لا يزال مفتوحًا على عدة احتمالات.