جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف
ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا
- عبدالله الثاني بن الحسين.
بعد العملية الإجرامية البشعة التي طالت أبناءنا في بلدة حمود، سمعنا أصواتًا تربط هذه الجريمة المروّعة بالمساجد والمناهج ودور القرآن، حتى إن بعضهم طالب بإلغاء الأذان. كما تعرّض بعض رجال الدولة الأوفياء، ممن توفّاهم الله قبل سنوات بعد أن شغلوا مناصب مهمة قبل نصف قرن، للهجوم والاتهام بأن قرارات اتخذوها في تلك الأيام كانت سببًا في هذه الجريمة.
بالنسبة إليّ، كانت ردّة الفعل الغاضبة هذه مفهومة؛ فالجريمة هي الأولى من نوعها في تاريخ الدولة الأردنية، وقد أحدثت اختلالًا في توازن المجتمع، الذي كان بحاجة إلى وقت ليستعيد توازنه. لكننا لا ننفي، للأسف، أن قلّة اعتادت مهاجمة دور العبادة والمناهج واتهامها بالتسبّب في الإرهاب، وجدت في هذه الجريمة فرصة لنفث سمومها.
سأروي قصة عشتُ تفاصيلها: في تسعينيات القرن الماضي، تشكّل وفد إسلامي أردني للقاء البابا، ترأّسه المرحوم الدكتور كامل أبو جابر، وزير الخارجية الأسبق، وهو مسيحي. وكنتُ سكرتيرًا للوفد، أساعد أعضاءه في الحجوزات، وأرافقهم إلى الأسواق، وأحمل حقائبهم.
حضرتُ لقاء الوفد ببابا الفاتيكان آنذاك، وشهدتُ سلامه على أعضائه، ومن بينهم من يُتّهمون هذه الأيام، بهتانًا، بأن لهم يدًا غير مباشرة في العملية الإرهابية. ولو كانوا متشدّدين، كما يدّعي البعض، لرفضوا أن يترأس وفدَهم رجلٌ مسيحي.
سأل البابا رئيسَ الوفد، الدكتور كامل أبو جابر رحمه الله، عن أحوال المسيحيين في الأردن، وما إذا كانوا يتعرّضون لأيّ نوع من التمييز. فأجابه الدكتور كامل: يا قداسة البابا، أنا مسيحي وأترأس هذا الوفد. أعتزّ بمسيحيتي، وأعرّف نفسي بأنني عربي مسيحي وثقافتي إسلامية.
وبعد هذه الإجابة الواضحة، لم يبقَ ما يُقال.
ومن المهم أن نذكر أن هذا الوفد لم يكن رسميًا، فلم يصدر قرار رسمي بتشكيله، وإنما كان وفدًا شعبيًا إسلاميًا اختار أعضاؤه الدكتور كامل رئيسًا لهم، ولم يكن يشغل آنذاك أيّ منصب رسمي. وهذه القصة، على بساطتها، تعبّر عن حقيقة المجتمع الأردني؛ فالجميع شركاء في هذا الوطن.
منذ اليوم الأول، قلنا إن الإرهاب يُدار من الخارج؛ لأن هذا العمل، بمنطق الأمور، غريب عن مجتمعنا. وهذا ما ثبت بعد يوم من القبض على المجرمين. وقد تعلّمنا ذلك من مئات الشواهد والحوادث، منذ أن زجّت الولايات المتحدة بالمجاهدين في حرب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان عام 1979.
رحم الله شهداء الوطن، وحفظ الله الأردن أرضًا وشعبًا وقيادةً.