اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

اقتلوني أنا.. ولا تقتلوا أوطانكم

الثلاثاء-2026-10-27 10:31 am
جفرا نيوز -
محمود خطاطبة

«أنا أمامكم. اقتلوني أنا ولا تقتلوا وطنكم. احرقوني أنا ولا تحرقوا باريس، أرجوكم. انظروا لمستقبل أولادكم. حافظوا علينا وعلى مستقبلكم. مرة ثانية اقتلوني أنا ولا تدمروا فرنسا». هذه صرخة مواطنة فرنسية أطلقتها وسط الاحتجاجات والمظاهرات التي تشهدها فرنسا، تختصر حجم الرعب على الأوطان، وتطرح سؤالا يتجاوز حدود ذلك البلد، ليصل إلى كل دولة وشعب يواجه احتجاجات واضطرابات تهدد استقراره ومستقبله.

وتتساءل المواطنة الفرنسية، وفي قلبها غصة: «هل ترون مستقبلا في خراب بلدنا؟ لماذا تفعلون هذا؟ لماذا تحرقون وطنكم؟ ألم تشاهدوا ماذا فعل العرب بأوطانهم، أين هم الآن؟ أتريدوننا لاجئين يساومون علينا، ويلقون لنا الطعام من الطائرات. ماذا فعلت لهم المظاهرات؟».

هذه كلمات وتساؤلات ليست مجرد شعارات عابرة، بل «صرخة ضمير» حي يخشى على ضياع الوطن والهوية، فحين تصدح فرنسية بأعلى صوتها بتلك العبارات، فإنها تعبر عن معنى الانتماء الحقيقي، وتضع مرآة أمام العالم بأسره ليقيس عليها عواقب الفوضى والدمار.

بعيدا عن أسباب تلك الاحتجاجات التي شهدتها العديد من الدول الأوروبية، وإن كانت مهمة وضرورية، أو البحث عمن يقف وراءها، فإنّ الحدث يحمل دلالات ورسائل بالغة الأهمية، لعل أبرزها رسالتان تمسان الواقع العربي، الذي شهدت بعض بلدانه حروبا وأزمات ولجوءا ونزوحا، وما تزال مجتمعاتهم تدفع ثمنا لذلك.

الرسالة الأولى، موجهة إلى الشعوب العربية، والخوف من الفوضى «المجهولة». فقد تساءلت الفرنسية: «ألم تشاهدوا ماذا فعل العرب بأوطانهم؟ أين هم الآن؟ أصبحوا لاجئين في كل مكان، ويلقى لهم الطعام من الطائرات».

عبارة قاسية، لكنها في غاية الأهمية، تتطلب من الجميع، حاكمين ومحكومين، وقفة جادة وموضوعية، فالحفاظ على الوطن وكيان الدولة هو الركن الأساس في أي معادلة بقاء وتقدم، فالأوطان الممزقة والبنى التحتية المدمرة لا تفرز سوى المآسي واللجوء، فضلا عن أنه يخسر فرص التنمية والتعليم والعمل.

قد يكون استخدام الشعوب لنموذج الخراب العربي اليوم «مثلا سلبيا» يضرب لتخويف الأمم من عواقب الفوضى والتخريب والنهب، وهو ما يفرض علينا إدراك أن الإصلاح والتطوير لا يكونان أبدا بتدمير المؤسسات أو إحراق المكتسبات الوطنية، بل إن العدالة الاجتماعية وبناء الدولة هما الضمانة الوحيدة للاستقرار والازدهار.

وهنا يجب التأشير إلى أن الحفاظ على الوطن ضرورة لا خلاف عليها، لكنه لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بمطالبة الناس بتحمل أعبائهم إلى ما لا نهاية، بل بإقامة دولة يشعر مواطنوها بالعدالة، ويحصلون فيها على حقوقهم، وتصان كرامتهم، وتتاح لهم فرص المشاركة في صنع القرار.

ولعل الوطن، الذي فجع بعملية إرهابية استهدفت كنيسة حمود، يوم الجمعة الماضي، وما خلفته من شهداء ومصابين، ليس بعيدا عن هذه الرسالة، فاستهداف دور العبادة والمواطنين الآمنين لا يهدد أرواح الأبرياء فحسب، بل يستهدف أيضا النسيج الوطني الذي يجمع الأردنيين، بغض النظر عن ديانتهم، والشراكة في بناء الوطن وحماية استقراره.

لذلك، الرد الحقيقي على الإرهاب والتطرف لا يكون فقط بإنزال العقاب العادل بمرتكبي الجرائم، بل أيضا بصون الوحدة الوطنية، وتعزيز قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون، فالأردن، الذي يواجه تحديات إقليمية واقتصادية متزايدة، أحوج ما يكون إلى حماية جبهته الداخلية.

الرسالة الثانية، تسلط الضوء على أن المواطنة الحية تعني فداء لا تدميرا. وهنا تتجلى روح الوطنية في تلك السيدة التي فضلت الفداء الشخصي على خراب بلدها. وكأنها تقدم نموذجا للمواطنة الحقة التي ترفض تدمير الشوارع والمتاجر والمؤسسات، وفي الوقت نفسه تدعو لعدم السكوت عن الظلم، والعمل على محاسبة المقصرين، لكن دون أن يكون الثمن تمزيق الوطن وإشعال فتيل الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، فما يحرق اليوم يحتاج المجتمع سنوات طويلة لإعادة بنائه.

لذا، فإن الحفاظ على البلد أهم من أي إجراء قد يجر المجتمع نحو التمزق والكراهية، علما بأن هذا الوعي لا يعني أبدا غض الطرف عن الحقوق أو قبول غياب العدالة، بل يؤسس لثقافة الاحتجاج الواعي الذي يبني ولا يهدم، ويصلح ولا يفسد.

خلاصة، إن أحداث باريس وغيرها من العواصم توجه لنا درسا بليغا: الوطن شجرة توفر الظل للجميع، وحين يحترق الغصن، يحترق الجميع في لهيبه. فلنستلهم من صرخة تلك السيدة الفرنسية حكمة العقل، وحب الأوطان الذي يسبق المصالح الضيقة، لندرك أن بقاء الوطن هو الشرط الأساس لأي حلم إنساني قادم.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير