اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

ظلُّ الرمح وظلام العقل: من بلدة حمود إلى سؤال المعرفة

الأحد-2026-10-25 10:30 pm
جفرا نيوز -
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
في بلدة حمود بالكرك، وقف أهل الفقيد يودّعونه بما يُودَّع به الموتى في كل بيت أردني: صلاة وصمت وأيدٍ تمتد للمواساة. وفي وضح النهار، انهالت الرصاصات على المصلين، لا تسأل عن اسم ولا عن دين. أراد مطلقوها، وهم أصحاب خلفية تكفيرية، أن يحوّلوا الحزن نفسه إلى ساحة مواجهة، وأن يقولوا للأردنيين إنه لا حرمة لجنازة ولا لصلاة ولا لدمعة.
لكنهم أخطؤوا الحساب. فقد التفّ الأردنيون فوراً، على اختلاف أطيافهم، حول رأس الدولة، جلالة الملك عبد الله الثاني، الذي توعّد المنفذين بأشد العقوبات، وقال الشارع كلمته قبل أن يقول المحللون كلماتهم. وهذا الالتفاف يطمئن، غير أنه لا يكفي، لأنه يجيب عن نصف السؤال فقط. فمن أطلق النار لم يبدأ من الرصاصة، بل بدأ قبلها بسنوات، من فكرة وجدت عقلاً بلا أسئلة وفراغاً بلا من يملؤه. الرصاصة آخر حلقة في السلسلة، وأولاها فكرة.
ولفهم هذه الحلقة الأولى أعود إلى صورة قديمة: "ويومٍ كظلِّ الرمحِ قصَّرتُ ظلَّه"، حين ينكمش الظل عند الزوال حتى يكاد يختفي. وهذا حال زمننا، فقد تزاحمت الأحداث حتى لم يبقَ بين الواقعة وفهمها مسافة، وهو ما رآه الفيلسوف الألماني هارتموت روزا في تسارع الحداثة المتأخرة. وحين يضيق الظل، أي مسافة التأمل، يتسع الباب أمام من يعتقد أنه يملك أجوبة جاهزة وقاطعة. وفي هذا الضيق ينتعش الفكر التكفيري الظلامي، لا لأنه هو الظل، فظلُّ التأمل غير ظلام الجهل، بل لأنه لا يعيش إلا حين يضيق ظلُّ التأمل ويغيب نور السؤال. فكيف نحمي هذه المسافة، وكيف نبني في المدرسة ما سنحتاجه في الميدان؟
وقبل المدرسة، لا بد من التوقف عند من حمل هذا السؤال قبل غيره. فموقف الملك ليس انفعالاً عابراً، بل امتداد لمعركة يقودها جلالته مع الفكر التكفيري على ثلاث جبهات. ففي الفكر، رعى الأردن بتوجيه من الملك "رسالة عمّان" عام 2004 ومؤتمر عمّان الإسلامي عام 2005، فأكدا حرمة الدم ورفضا تكفير أهل القبلة. وفي الأمن، سمّى جلالته هؤلاء "خوارج العصر" الذين يتسترون بالدين وهو منهم براء، ووضع الأردن في صدارة من واجه التنظيمات المتطرفة. وفي الضمير، بادر الأردن إلى "أسبوع الوئام العالمي بين الأديان" الذي تبنّته الأمم المتحدة عام 2010، وحمل جلالته الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. ولذلك فإن الدم الذي سال في بلدة حمود استهدف هذا النهج كله: نهجاً يرى أن حرمة الكنيسة من حرمة المسجد، وأن الأردنيين جميعاً أبناء بيت واحد.
غير أن الموقف الملكي يحتاج إلى ثقافة مجتمعية وقدرة تنفيذية تحوّله إلى عادة في الصف وفي منابر الخطاب كافة، فالحماية لا تتحقق بالقرار السياسي ولا بالأجهزة الأمنية وحدهما. وأول ما تُبنى به هذه الثقافة هو التعليم. لقد نجحنا في تقليص الأمية الأبجدية، لكن ذلك نصف المهمة، فمن يفك الحرف لا يفك بالضرورة الواقع. وقد ميّز البرازيلي باولو فريري بين "التعليم البنكي”، حيث يُودِع المعلم المعلومات في عقل الطالب كما تُودَع النقود في المصرف، وتعليم "طرح المشكلات” الذي يجعل المتعلم شريكاً في صناعة المعرفة. وفي الأول يتخرج طالب يحفظ ولا يسأل، فيصير عقله وعاءً مفتوحاً لأول محتوى يملؤه بيقين كافٍ وعدو محدد.
ولا أقول هذا من فراغ. فحين كنتُ مديراً لصندوق دعم البحث العلمي، كنت قد اشرفت على الدراسة الوطنية التي نفّذها الصندوق واعلنت نتائجها عام 2016، بعنوان "الشباب في مواجهة الفكر المتطرف"، وخرجتُ منها بقناعة لم تفارقني: أن التحدي لا يكمن في نقص المعلومات لدى شبابنا، بل في غياب أدوات السؤال والتحليل التي تحوّل المعلومة إلى فهم. وهو ما نبّه إليه ابن خلدون في مقدمته، قبل قرون، حين حذّر من أن الاختصارات المخلّة تُضعف ملكة الفهم وتكتفي بالحفظ.
ولا يكفي أن نعلّم الطالب "ماذا" يفكر، بل "كيف" يفكر. فقد جعل كانط شعار التنوير "تجرّأ على استخدام عقلك"، وسبقه ابن رشد حين قرر في "فصل المقال" أن الحق لا يضاد الحق. وحين تغيب هذه الجرأة، يغدو من يتقن التكفير أقدر على إقناع الشاب ممن يتقن التفكير. وللتعليم وجه يمسّ القلب أيضاً، فالآداب والتاريخ تنمّي الخيال السردي، أي القدرة على تصوّر حياة الآخر من الداخل. ومن عجز عن تخيّل حزن عائلة تشيّع فقيدها، سهل عليه أن يرى في المشيّعين أرقاماً لا بشراً.
ومن هنا ندرك أن المدرسة ساحة صراع على المعنى. فقد نبّه الإيطالي غرامشي إلى أن السيطرة تقوم على صناعة "الحس المشترك"، أي أن كل فراغ فيه تملؤه هيمنة مضادة. والتطرف هيمنة مضادة تصنع عالماً مقسوماً إلى نحن وهم، وتاريخاً مختزلاً في مظلومية، وأملاً معلّقاً بالانتقام. ولا تُهزم بالأجهزة الأمنية وحدها، بل بمدرسة تعيد للطالب ذاكرته الحقيقية، فتعلّمه أن المسيحيين جزء أصيل من هذه الأرض وصناعة نهضتها، من ميلاد المسيح عليه السلام، وورقة بن نوفل إلى بطرس البستاني وجرجي زيدان وفرح أنطون، ومن أديب عباسي وروكس العزيزي وعيسى الناعوري إلى يعقوب حنا العودات، الملقب بالبدوي الملثم. ويعني ذلك معلمين يديرون الحوار ولا يكتفون بالإملاء، وامتحانات تقيس الفهم لا الاسترجاع، وثقافة رقمية تعلّم الطالب تفكيك الخطاب.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نُحمّل المدرسة أكثر مما تحتمل. فالتعليم ليس عصا سحرية، والإرهاب ظاهرة مركّبة تتشابك فيها المظالم والفراغات الأمنية وشبكات التجنيد ودعاة الأيديولوجيا الذين يحسنون استغلال الغضب. لكن المنطق البنيوي ثابت: المجتمع الذي يربّي أبناءه على الاستظهار والامتثال أضعف مناعةً أمام الخطاب الشمولي من المجتمع الذي يربّيهم على السؤال والتعدد. وهذه المناعة رأس مال حقيقي لا تعوّضه مؤسسات الدولة مهما بلغت كفاءتها.
تُختبر هذه المناعة في الإقليم قبل الصف. فالجغرافيا لا تترك لنا ترف الابتعاد أو العزلة، والأردن في قلب إقليم مضطرب أُعيد رسم خريطته أسرع مما تلاحقه عمليات السلام، وفي هذا الفراغ ينتعش من يحوّل الفوضى إلى فرصة. وقد تكرر استهداف دور العبادة، ولم يفرّق مرتكبوه بين مسجد وكنيسة: ففي مسجد الروضة بشمال سيناء عام 2017 سقط أكثر من ثلاثمئة مصلٍّ في صلاة الجمعة، وفي صنعاء عام 2015 فجّر انتحاريون مسجدين فقتلوا 137 مصلياً، وفي جنوب شرق إيران عام 2010 أودى تفجير مزدوج بمسجد شيعي بحياة 27 شخصاً. ولم تسلم الكنائس أيضاً، ففي كنيسة سانتا ماريا في إسطنبول عام 2024، وكنيسة مار إلياس في دمشق عام 2025، تكرر المشهد نفسه. وما يجمع هذه الحوادث أنها تحمل رسالة ثلاثية الوجهة: تقول للدول إن تماسكها قابل للكسر، وللأقليات إنها غير آمنة، وللأكثرية إن عليها أن تختار بين الخوف والانتقام. وقد وصلت هذه الرسالة إلى الأردن في بلدة حمود، حيث استُهدف مشيّعون في جنازة، في مشهد غريب عن عُرف الأردنيين وعن علاقتهم بحرمة الموت والعبادة. وكما رأى ابن خلدون أن العصبية تحفظ الدولة، ولذلك فإن العصبية الوطنية الواحدة هي خط الدفاع الأول عن الاردن اليوم، وهي ما يستهدفه هذا العنف تحديداً.
ولن تجد هذه الرسائل من يصدّقها إلا في قلوب مهيّأة. فمنطقتنا من أكثر مناطق العالم شباباً، وجيلها يعيش بين مؤسسات لم تواكبه وفرص لا تتسع له، وفي حداثة سائلة، وصفها زيجمونت باومان، تذوب فيها الهويات، فيبحث القلق عن يقين صلب قد يجده عند من يقدّم هوية جاهزة. ويفرض ذلك معالجة متعددة الأبعاد: تنمية تقلّص الفجوة بين المركز والأطراف، وعدالة تُشعر المواطن بأن الدولة له، وإعلاماً جاذباً، ومنابر تفكك التكفير من داخل المرجعية، وإدخال "رسالة عمّان" في المقررات الدراسية وبرامج تأهيل لكل من يتحدثون على المنابر الخطابية والمعلمين. وإلا تحققت أهداف أصحاب الفكر التكفيري وأتباعهم، بدفع المجتمع إلى ما سمّاه الفيلسوف بيونغ-تشول هان "مجتمع الإرهاق"، حيث يستنزف الفرد نفسه طوعاً وتضعف الروابط الجماعية التي تحمي من التطرف. ويزداد الخطر ما دامت دول المنطقة والعالم تؤجل البتّ في مصير المقاتلين الأجانب وعائلاتهم المحتجزين في المخيمات والسجون.
فماذا ينتظرنا في العقد المقبل؟ إما أن يُعالَج الحادث أمنياً ثم يُطوى، فتعود الأسباب إلى عملها حتى الفاجعة التالية، وإما أن يستغله خطاب الكراهية المتبادل فيصبح شرارة انقسام إذا تكرر، وهو ما يريده المنفذون، وإما أن تصبح الصدمة لحظة مراجعة وطنية صبورة. والأخير أصعبها، لأن نتائجه لا تظهر في الدورة الانتخابية القريبة، لكنه الوحيد الذي يحمي المستقبل.
 
وهنا تكمن قوة الأردن. فهو يملك ما لا تملكه دول كثيرة: قيادة هاشمية ترى في التعددية قوة لا تهديداً وتحرس باب البيت بالموقف والفعل، ومرجعية دينية معتدلة تبلورت في "رسالة عمّان" برعاية هذه القيادة، وعرفاً عشائرياً عريقاً يجمع المسلم والمسيحي في الفرح والعزاء، وشعباً أثبت في ساعة الفاجعة أنه لا يُساق إلى الانتقام ولا إلى الانقسام. أراد القتلة أن يهزّوا بيت الأردنيين فازداد تماسكاً، وأن يشتتوا صفّهم فازداد وحدة. وبهذا نعود إلى الظل الذي بدأنا به: يقصر عند الزوال لكنه لا يزول، ثم يعود فيطول من الجهة الأخرى، وكذلك الأمم يضيق فيها هامش التأمل لحظةً، ويتحدد مصيرها بما تفعله بعد الصدمة. وقد اختار الأردنيون، بقيادتهم وتلاحمهم، أن يبنوا في مدارسهم ومنابرهم ما يحتاجونه في الميدان: عقولاً حرة لا تقبل أن يُختزل الإنسان في انتمائه، وقلوباً تعرف أن حرمة الكنيسة من حرمة المسجد، ومواطناً يفهم أن الوطن بيت يتسع لكل أبنائه. فمن لم يستعد ظلَّه، أي مسافة التأمل بينه وبين الأحداث، دفعه التيار إلى حيث لا يريد، أما الأردنيون فاختاروا أن يقفوا في ظلّ وطنهم الواحد، وهو ظلٌّ عصيٌّ على الرصاص والفتنة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير