جفرا نيوز -
… من صلاح الدين والثورة العربية الكبرى إلى شهداء حمود: المسلم والمسيحي إخوة في الوطن والمصير
بقلم: عبدالرحمن الأمعري
ليست الكرك مجرد مدينة على خارطة الأردن، وليست حمود مجرد قرية مرّت عليها فاجعة أليمة؛ فهذه الأرض تختصر حكاية وطنٍ عظيم، تعلّم أبناؤه أن الكرامة لا تتجزأ، وأن الإنسان لا يُقاس بدينه أو طائفته، بل بإنسانيته ومواقفه ووفائه لتراب الوطن.
في حمود، لم يكن الألم حكرًا على عائلة دون أخرى، ولم تكن الفاجعة حزنًا مسيحيًا بمعزل عن المسلمين؛ كانت مصيبة أردنية بامتياز، أصابت قلب الوطن، وأوجعت كل بيت يؤمن بأن الأردنيين عائلة واحدة، مهما اختلفت أماكن عبادتهم، وتنوعت طقوسهم، وتعددت خلفياتهم.
حين تسقط الأرواح البريئة في مكان عبادة، فإن الجريمة لا تستهدف أشخاصًا فحسب، بل تضرب حق الإنسان في الحياة، وحقه في العبادة والأمان، وتحاول أن تزرع الخوف في المجتمع، وأن تشق الصف الوطني من خلال استهداف الأبرياء وإثارة النعرات الدينية. لكن الأردن، الذي خبر المحن وواجه التحديات، يعرف أن قوته الحقيقية ليست في حجارة أبنيته وحدها، بل في وحدة أبنائه وتماسكهم ورفضهم لكل أشكال التطرف والكراهية.
الكرك… أرض التاريخ والكرامة والتضحيات
من مؤتة التي ارتبط اسمها بتاريخ التضحية والثبات، إلى قلعة الكرك التي شهدت تعاقب الحضارات، ومن صفحات التاريخ العربي التي ارتبطت باسم صلاح الدين الأيوبي والقدس، إلى الثورة العربية الكبرى عام 1916، ظل المشرق العربي أرضًا تتشابك فيها حكايات الشعوب، وتتداخل فيها المصائر، ويصعب اختزال تاريخها في لون واحد أو طائفة واحدة.
ولم تكن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في بلادنا يومًا مجرد علاقة جيرة عابرة؛ بل هي علاقة عائلات وقرى ومدن وأسواق ومدارس، وعلاقة خبز وملح ومصاهرة وصداقة، تشكّلت عبر أجيال طويلة. عاش الناس معًا، وتقاسموا الأفراح والأتراح، ووقفوا في وجه الأخطار التي هددت مجتمعاتهم، وبقيت المواطنة والعيش المشترك من أهم ركائز استقرار المنطقة.
ومع انطلاق الثورة العربية الكبرى، كانت فكرة النهضة العربية أوسع من الانغلاق الطائفي، وكان الانتماء للأرض والكرامة والحرية حاضرًا في وجدان أبناء المنطقة بمختلف مكوناتهم. ومن هنا، فإن استحضار التاريخ ليس ترفًا أدبيًا، بل تذكير بأن الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، ولا تُحمى بتكفير الناس أو التحريض عليهم، وإنما تُصان بالعدل والوحدة واحترام كرامة الإنسان.
لقد مرّ الأردن بمحطات قاسية، من تفجيرات عمّان عام 2005 إلى أحداث الكرك عام 2016، وصولًا إلى الفاجعة التي شهدتها قرية حمود. وفي كل مرة، كان الاختبار الحقيقي هو قدرة الأردنيين على الوقوف معًا، ورفض تحويل الألم إلى فتنة، والجريمة إلى خصومة بين أبناء الوطن الواحد.
إن الإرهاب لا ينتصر حين يسقط ضحاياه فقط؛ إنه يسعى إلى الانتصار الأكبر عندما ينجح في تحويل المجتمع إلى جماعات متناحرة. أما حين يتعانق الأردنيون في المصاب، ويقف المسلم إلى جانب المسيحي، والمسيحي إلى جانب المسلم، فإنهم يهزمون هدف الإرهاب، ويؤكدون أن الدم الأردني واحد، وأن الوطن أكبر من كل محاولات التفريق.
شهداء حمود… أسماء لن تغيب عن ذاكرة الأردن
إن الحديث عن الفاجعة لا يكتمل بالكلمات العامة وحدها؛ فخلف كل اسم حكاية، وخلف كل شهيد عائلة تنتظر، وأمٌّ تتشبث بآخر ذكرى، وأبٌ يحاول أن يستوعب أن ابنه لن يعود، وأطفال حُرموا من دفء أحبتهم، وأصدقاء لن يسمعوا أصوات من اعتادوا وجودهم بينهم.
ومن الأسماء التي أوردتها في هذا المقال، وتحتاج إلى مطابقة نهائية مع القائمة الرسمية قبل النشر:
1. الشهيد إيهاب نايف جميل الهلسا.
2. الشهيد الدكتور خالد ميخائيل مفضي الهلسا.
3. الشهيد الدكتور ماهر عادل خليل الزريقات.
4. الشهيد الدكتور عاصم إميل حنا البرقان.
5. الشهيد الدكتور محمد يوسف عودة القسوس.
6. الشهيد الدكتور فادي عاصم هاني الهلسا.
7. الشهيد الأستاذ المحامي مازن رسمي سلامة القسوس.
8. الشهيد علاء خليل صالح المصاروة.
9. الشهيد مروان خليل سالم الخيطان الهلسان.
رحم الله الشهداء، وألهم عائلاتهم الصبر والسلوان، وربط على قلوب كل من فقد عزيزًا في هذه الفاجعة. ولا يمكن لأي مقال أن يصف حجم الفراغ الذي يتركه الإنسان حين يغادر الحياة فجأة؛ فبعض الغياب لا تملؤه السنوات، وبعض الدموع لا تجفّ بسهولة، وبعض الوجع يبقى حاضرًا كلما مرّ طيف الراحلين في ذاكرة أحبتهم.
ولذلك، فإن أقل ما يستحقه هؤلاء الشهداء هو أن تُحفظ أسماؤهم وكرامتهم، وأن تُصان ذكرى ضحاياهم عن المزايدات، وأن تتكاتف الجهود لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة، وألا يُسمح لأي خطاب متطرف بأن يضيف إلى وجع عائلاتهم وجعًا جديدًا.
وزير الأوقاف محمد الخلايلة… رسالة في وجه التطرف وخطاب الكراهية
ومن المواقف التي تستحق التوقف عندها، موقف وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الدكتور محمد الخلايلة، الذي أكد في سياق حديثه عن فاجعة حمود أن المسلمين والمسيحيين أبناء وطن واحد، وأن ما يجمعهم هو المصير المشترك، وأن الإرهاب والتطرف لا دين لهما.
وفي خضم هذه الفاجعة، برزت تعليقات مؤلمة ترفض الترحّم على الضحايا لمجرد أنهم مسيحيون. وهنا لا بد من موقف واضح: لا يجوز أن تتحول لحظة الموت إلى ساحة للتجريح، ولا أن يصبح اختلاف الدين سببًا لحرمان عائلات الضحايا من المواساة، أو ذريعة للتشفي بوجعهم.
إن رفض الترحّم على إنسان لمجرد انتمائه الديني، إذا تحول إلى خطاب إقصاء وتحريض وكراهية، فهو خطاب متطرف يهدد قيم التعايش ويضرب الأخوّة الوطنية في الصميم. والاختلاف في المسائل الدينية لا يمنح أحدًا الحق في إهانة أهل الميت، أو الانتقاص من كرامة الضحايا، أو تحويل أحزان الناس إلى مناسبة للمزايدات.
أيُّ رسالة نبعثها إلى أبنائنا حين نعلّمهم أن الرحمة تتوقف عند حدود الدين؟ وأيُّ وطن نبنيه إذا أصبح الحزن على جارنا وصديقنا وشريكنا في الحياة موضع جدل وإدانة؟
إن الأردني الذي يقف إلى جانب أخيه المسيحي في مصابه لا يتنازل عن هويته، بل يعبّر عن أسمى ما فيها من نخوة ومروءة وأخلاق. والمسيحي الأردني ليس ضيفًا على هذه الأرض، ولا مواطنًا من الدرجة الثانية؛ إنه ابن هذا الوطن، وشريك في تاريخه وحاضره ومستقبله، ووجعه وجعنا، ومصيبته مصيبتنا.
وليس من المقبول أن نختزل الإسلام في كلمات قاسية تُكتب تحت منشورات الموت، بينما يدعونا القرآن الكريم إلى صون النفس الإنسانية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
وفي الإنجيل، تأتي رسالة المحبة والتضحية واضحة في قول المسيح عليه السلام: «لَيْسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِأَجْلِ أَحِبَّائِهِ» (يوحنا 15:13).
إن الرسالتين، في جوهرهما الأخلاقي، تضعان الإنسان أمام مسؤولية احترام الحياة، وصون الكرامة، وعدم تحويل الاختلاف إلى مبرر للعداء. ومن هنا، فإن الوقوف إلى جانب عائلات الضحايا، ومواساتهم، والدعاء لهم بالصبر والسلوان، موقف إنساني وأخلاقي لا يجوز أن يكون بابًا للتنازع أو التحريض.
إلى كل من كتب تعليقًا يرفض فيه الرحمة عن ضحايا حمود لأنهم مسيحيون: تذكّر أن هؤلاء بشر، وأبناء عائلات، وأصحاب أحلام وحكايات وبيوت تنتظر من لن يعود. لا تجعلوا الموت مناسبة لزرع الكراهية؛ فالأردن أكبر من خطابكم، ووحدته أقدس من أن تعبث بها أصابع الفتنة.
إن موقف وزير الأوقاف في التأكيد على وحدة المصير بين المسلمين والمسيحيين يجب أن يكون دعوة لكل صاحب منبر وقلم وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تحمّل مسؤوليته. فالكلمة قد تواسي قلبًا مكسورًا، وقد تزيد الجرح عمقًا؛ وقد تجمع الناس على المحبة، وقد تمنح دعاة الفتنة فرصة لإشعال نار لا يستفيد منها إلا أعداء الوطن.
الإرهاب لا دين له… والوطن لا يقبل القسمة
إن الإرهاب لا يحتاج إلى دين كي يقتل، ولا إلى عقيدة كي يبرر جريمته؛ إنه يحتاج إلى عقلية تنزع عن الآخر إنسانيته، وتتعامل مع اختلافه وكأنه تهديد يستوجب الإقصاء أو العنف. ولهذا، فإن مواجهة الإرهاب لا تكون أمنيًا فقط، بل تبدأ أيضًا من حماية الوعي، وتجفيف منابع التحريض، ورفض كل خطاب يزرع الكراهية بين أبناء المجتمع.
ولا يجوز أن نخلط بين دينٍ يدين به الملايين من الناس، وبين فعل مجرم أو جماعة متطرفة تتخذ الدين ستارًا لمآربها. كما لا يجوز أن نحمل جماعة كاملة مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد. فالعدالة تقتضي محاسبة الجناة وفق القانون، وصيانة حقوق الأبرياء، ومنع التعميم الذي يصنع خصومات جديدة بدلًا من معالجة الجريمة.
والمطلوب اليوم أن تتحول مشاعر التضامن إلى عمل حقيقي: دعم عائلات الضحايا، ومواساتهم، وملاحقة المسؤولين عن الجريمة وفق القانون، وحماية أماكن العبادة، وتعزيز ثقافة احترام الآخر في المدارس والجامعات والمساجد والكنائس ووسائل الإعلام.
أما محاولات بث الفرقة بين المسلمين والمسيحيين، فهي إساءة إلى الأردن قبل أن تكون إساءة إلى أي مكوّن من مكوناته. فلا أحد يملك حق احتكار الوطنية، ولا أحد يملك أن يوزع صكوك الانتماء على الناس بحسب دينهم أو طائفتهم.
الأردن أقوى بوحدته وتحت رايته الهاشمية
إن الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه المتماسك، لم يكن يومًا وطنًا لطائفة دون أخرى، بل بيتًا يجمع أبناءه تحت راية واحدة، ويحمي كرامتهم وحقهم في الحياة والعبادة والأمان. ومن واجبنا جميعًا أن نحافظ على هذا البيت، وأن نمنع خطاب الكراهية من اختراق جدرانه.
وفي الكرك، التي تعرف معنى التضحية والوفاء، يجب أن تكون الرسالة واضحة: لن نسمح للإرهاب أن يسرق منا إنسانيتنا، ولن نسمح للتطرف أن يحوّل اختلافنا إلى عداوة، ولن نقبل أن يصبح الحزن على شهدائنا مناسبة لتمزيق مجتمعنا.
إلى أهلنا في حمود، وإلى كل عائلة فقدت عزيزًا: أنتم لستم وحدكم. إن حزنكم حزن الأردن، ودموعكم دموع كل أردني يؤمن بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن الوطن لا يقوم إلا على المحبة والعدل والتكافل.
رحم الله الشهداء جميعًا، وألهم أهلهم الصبر والسلوان، وحفظ الأردن من الفتن والإرهاب والتطرف، وأدام بين أبنائه المسلمين والمسيحيين المحبة والتآخي.
ففي الأردن، لا يسأل القلب عن دين صاحبه قبل أن يحزن عليه، ولا تقف الرحمة عند باب كنيسة أو مسجد، ولا ينقسم الدم إلى ألوان. نحن أبناء وطن واحد، يجمعنا التاريخ والمصير والكرامة، وتظل وحدتنا الوطنية خطًا أحمر لا يقبل المساومة.
الكرك توحّدنا… والدم الأردني واحد… والأردن سيبقى أقوى بوحدة أبنائه، تحت ظل القيادة الهاشمية.
بقلم ✍🏻
عبدالرحمن الامعري