اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الرصاصة التي لا تعرف الأردن

الأحد-2026-10-25 10:53 am
جفرا نيوز -

رمزي الغزوي


أيُّ عفنٍ يسكن عقلًا يرى في كنيسةٍ هدفًا، وفي إنسانٍ مختلفٍ عنه عدوًّا يستحق الرصاص؟ بأيِّ اسمٍ يمكن أن نسمّي هذه الوحشية حين يتوهّم قاتلٌ أن رصاصته تستطيع أن تفرز الدماء، وأن تختار ضحاياها على أساس الإيمان، وأن تشقّ وطنًا عاش أبناؤه معًا قبل أن يولد في رأسه هذا الخراب؟ ما حدث في الكرك ليس جريمةً تستدعي الغضب وحده؛ إنه اعتداء على معنى أن نكون أردنيين، ومحاولة بائسة لزرع الكراهية في أرضٍ لم تكن يومًا ملكًا لطائفة، ولا حكرًا على عقيدة. ومن واجبنا أن نغضب، وأن نسمّي الجريمة باسمها، وأن نرفض كل خطاب يهيئ لها الطريق، فحين تصبح دور العبادة أهدافًا، يصبح الوطن كله في مرمى النار. الاعتداء الإرهابي في الكرك ليس حادثة عابرة في دفتر الأخبار، ولا شأنا يخص المسيحيين وحدهم. إنه طعنة في فكرة الأردن التي عرفناها وعشناها: أن يكون للناس حق الإيمان، وحق الاختلاف، وحق العودة إلى بيوتهم آمنين، من دون أن يفتش أحد في صلواتهم أو يسألهم إلى أي باب من أبواب العبادة يتجهون. من يعتدي على كنيسة لا يعتدي على حجارة وسقف وصلبان؛ إنه يعتدي على حق الأردني في أن يعيش كما هو، وعلى حق الوطن في أن يبقى وطنا لجميع أبنائه. ومن يظن أن الخوف سيعزل مسيحيا عن مسلم، لا يعرف شيئا عن هذا البلد، ولا عن البيوت التي تعانقت فيها الأفراح والمآتم قبل أن تتعلم السياسة لغة الشعارات.

أيها الإرهاب، أنت لا تعرف الأردن. لا تعرف أن الكرك ليست اسما على خريطة، ولا أن أجراس الكنائس غريبة عن سمع المآذن، ولا أن أهل هذا البلد لا يحتاجون إلى إذن كي يحب بعضهم بعضا. تريدنا أن ننظر إلى جرح جارنا كأنه جرح في بيت آخر، وأن نعامل دمعة أم مسيحية كأنها أقل وجعا من دمعة أم مسلمة. تريد أن تصنع من الدين متراسا، ومن الهوية سلاحا، ومن الخوف وطنا صغيرا يضيق بأهله. وهذه هي الجريمة الأعمق: أن يحاول القاتل قتل المعنى قبل الإنسان.

لكن المشهد الذي يرد على الرصاصة ليس رصاصة أخرى. إنه الأردني الذي يمد ذراعه ليتبرع بالدم، فلا يسأل عن اسم الضحية ولا عن صلاتها، ولا عن الصليب الذي تحمله أو المئذنة التي تصلي تحتها. الدم لا يقرأ بطاقات المعتقد، ولا يعرف الطوائف؛ يعرف فقط كيف يمنح الحياة لإنسان يواجه الموت. هناك، في المستشفى، تتهاوى الخرافة التي يريد الإرهاب أن يبنيها. جسد ينزف، ويد تمتد، وقلب ينتظر أن يعود إنسان إلى أهله. تلك هي الحقيقة التي لا تستطيع الرصاصة محوها.

لا يكفي أن نلعن الإرهاب بعد كل جريمة، ثم نترك الأفكار التي تفرخه تتجول بيننا في ثياب الوعظ والتكفير واحتقار المختلف. علينا أن نسمي التعصب باسمه، وأن نواجه الكراهية قبل أن تتعلم حمل السلاح، وأن نحمي سيادة القانون وحرمة دور العبادة وكرامة كل مواطن. فالإرهاب لا يولد في لحظة إطلاق النار وحدها؛ إنه يبدأ حين يُقنع إنسانا بأن الآخر أقل استحقاقا للحياة.

أنا غاضب، لأن هذا الوطن لا يستحق أن يُمتحن في أبسط حقوقه: أن يعيش أبناؤه معا. وغاضب لأن أحدا ما زال يتخيل أن بإمكانه العبث بنسيج صنعته أجيال من الناس العاديين، لا الخطب وحدها. لن نمنح القاتل ما يريده منا؛ لن نسمح له أن يختار لنا من نحب، أو أن يرسم حدود بيوتنا، أو أن يحول اختلافنا إلى خندق. الكنيسة بيت أردني، والمسجد بيت أردني، والدم الذي يسيل في الكرك دمنا جميعا. أما الرصاصة، مهما ادعت القوة، فلا تعرف الأردن؛ لأن الأردن أوسع من الكراهية، وأعمق من الطائفية، وأصلب من يد تحاول تمزيقه.

 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير