بقلم المحامي علاء الشوابكة
ليست الأحداث المؤسفة التي شهدتها محافظة الكرك مجرد واقعة عابرة يمكن تجاوزها دون التوقف عند دلالاتها الوطنية والاجتماعية، بل هي مناسبة للتأكيد على الثوابت التي قام عليها الأردن، وفي مقدمتها وحدة أبنائه، واحترام كرامة الإنسان، والتمسك بسيادة القانون، ورفض كل أشكال الفتنة والتعصب والكراهية.
إن ما شهدته الكرك العزيزة يستوجب منا جميعاً استحضار مسؤولياتنا الوطنية والأخلاقية، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة كل ما من شأنه تهديد السلم المجتمعي أو المساس بأمن الوطن واستقراره. فالأردن الذي احتضن أبناءه على اختلاف أديانهم وخلفياتهم، وظل نموذجاً في التآخي والتسامح والعيش المشترك، لا يمكن أن تسمح لهويته الوطنية الجامعة بأن تتأثر بأحداث مهما بلغت خطورتها.
لقد بُني الأردن بتضحيات أبنائه، وتعززت قوته عبر عقود من التلاحم بين مكوناته الاجتماعية، ولم تكن وحدته يوماً شعاراً عابراً، بل حقيقة راسخة تجسدت في المواقف والمحطات التي واجه فيها الأردنيون مختلف التحديات بروح الأسرة الواحدة. وما يجمع أبناء هذا الوطن أكبر من أي خلاف، وأعمق من أن تنال منه أحداث مؤسفة أو مواقف طارئة.
إن المسلم والمسيحي في الأردن شريكان في الأرض والتاريخ والمصير، تجمعهما روابط الأخوة والانتماء والولاء للوطن وقيادته الهاشمية. وقد شكّلت العائلة الأردنية الواحدة، بمسلميها ومسيحييها، على الدوام صورة أصيلة للتسامح والتكافل والعيش المشترك، وهي حقيقة لا يجوز السماح لأي طرف بأن ينتقص منها أو يحاول استغلال الأحداث للإساءة إلى أي مكون من مكونات المجتمع الأردني.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي رفض كل محاولات إثارة الفتنة أو بث الفرقة بين الأردنيين، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض والتعميم، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو الأحكام المسبقة. فالأوطان لا تُحمى بتأجيج المشاعر، ولا تُصان وحدتها بتبادل الاتهامات، وإنما بتغليب لغة العقل، والتحلي بالحكمة، والاحتكام إلى القانون والمؤسسات المختصة.
وفي الوقت ذاته، فإن سيادة القانون تمثل الركيزة الأساسية لتحقيق العدالة وحماية الحقوق وصون كرامة المواطنين. ومن الضروري أن تُكشف ملابسات الأحداث بكل وضوح، وأن يتحمل كل من تثبت مسؤوليته تبعات أفعاله وفقاً للقانون، بعيداً عن الانتقائية أو التعميم أو تحميل الأبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها. فالعدالة لا تتحقق إلا بمحاسبة المسؤول عن فعله، ولا يجوز أن تتحول واقعة فردية إلى ذريعة للإساءة إلى جماعة أو طائفة بأكملها.
ولا تقل مسؤولية أصحاب الرأي والكلمة أهمية عن مسؤولية الجهات المعنية؛ فالكلمة في مثل هذه الظروف قد تسهم في تهدئة النفوس وتعزيز الثقة، وقد تؤدي، إذا أسيء استخدامها، إلى توسيع دائرة الخلاف وإثارة الانقسام. ومن هنا، تبرز ضرورة التحلي بالمسؤولية الوطنية والمهنية، وتقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية، والعمل على حماية النسيج الاجتماعي الأردني من كل ما يهدده.
إن محافظة الكرك، بتاريخها الوطني العريق ومواقف أبنائها المشرفة، جزء أصيل من قلب الأردن ووجدانه وكرامته. وأهلها الكرام كانوا وسيبقون شركاء في بناء الوطن وصون منجزاته، شأنهم شأن سائر الأردنيين الذين يجمعهم مصير واحد ومستقبل مشترك، لا مكان فيه للفرقة أو التمييز أو الانتقاص من كرامة أي مواطن.
إن المرحلة الراهنة تتطلب منا أن نكون أكثر تمسكاً بوحدتنا الوطنية، وأكثر حرصاً على علاقات الأخوة والمحبة التي تجمعنا، وأن ندرك أن قوة الأردن لا تكمن في غياب التحديات، بل في قدرته على مواجهتها بالحكمة والعدالة والتكاتف، تحت مظلة الدولة وسيادة القانون والقيادة الهاشمية.
وسيظل الأردن، بإذن الله، أقوى من كل محاولات الفرقة والانقسام، وسيبقى أبناؤه نموذجاً في التآخي والتسامح والعيش المشترك. فالوحدة الوطنية ليست مسؤولية جهة دون أخرى، وإنما عهد يجمع الأردنيين جميعاً، وواجب تفرضه مصلحة الوطن ومستقبل أجياله.
حمى الله الأردن أرضاً وقيادةً وشعباً، وحفظ وحدته الوطنية وأمنه واستقراره، وأدام المحبة والألفة بين أبنائه، وأبعد عنه الفتن والمحن، ليبقى وطناً جامعاً لكل الأردنيين، وواحة للأمن والتسامح والكرامة والإنسانية.