اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

تعديلات قانون المهندسين.. بين الإصلاح والحقوق

الخميس-2026-10-22 07:40 pm
جفرا نيوز -
الدكتور علي الخوالده

تقف نقابة المهندسين الأردنيين أمام استحقاق تشريعي مهم مع عرض تعديلات قانونها على الهيئة العامة الاستثنائية، في خطوة يُفترض أن تتجاوز تحديث النصوص القانونية إلى إعادة تنظيم العلاقة بين النقابة والمهندس، بما يحقق العدالة المهنية والاستدامة المالية ويحفظ الحقوق عبر مختلف مراحل الحياة الهندسية.

فالقانون الذي ينظم شؤون نحو مئتي ألف مهندس ومهندسة لا ينبغي أن يُقاس نجاح تعديله بقدرته على تطوير الهيكل الإداري أو تنويع الإيرادات فحسب، بل بمدى استجابته لاحتياجات المهندس حديث التخرج الذي يبحث عن فرصته الأولى، والمهندس العامل الذي يواجه تحديات الأجور والتشغيل والاستقرار المهني، والمهندس المتقاعد الذي ينتظر من صندوق تقاعده ضماناً اجتماعياً كريماً يتناسب مع سنوات عطائه.

في هذا السياق، تطرح التعديلات جملة من المسارات المهمة؛ أبرزها منح صناديق النقابة شخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلتين، واستحداث الدمغة الهندسية لصالح صندوق التقاعد، وإعفاء الصناديق من ضريبتي الدخل والمبيعات، إلى جانب تخفيف الأعباء الإضافية على الاشتراكات السنوية وإتاحة تسوية أوضاع العضوية وفق شروط محددة. وهي تدابير يمكن أن تعزز الحوكمة المالية والاستدامة، لكنها تحتاج إلى إدارة شفافة، وإفصاح منتظم عن الإيرادات والنفقات والالتزامات، وربط واضح بين الموارد الجديدة وتحسين المنافع والخدمات المقدمة للمهندسين.

فالاستقلال المالي للصناديق ليس غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لتعزيز كفاءتها وحماية أموال المشتركين فيها. كما أن تنويع مصادر إيرادات صندوق التقاعد يمثل فرصة مهمة، شريطة أن يستند إلى دراسات اكتوارية دورية، وأن تتسم آليات تحصيل الدمغة الهندسية وتوزيع أعبائها بالعدالة والوضوح، حتى لا تتحول حماية الصناديق إلى أعباء غير مباشرة على المهندسين أو القطاعات الاقتصادية المرتبطة بهم.

أما المهندس حديث التخرج، فإن اشتراط اجتياز امتحان مزاولة المهنة أو استكمال تدريب لمدة ستة أشهر معتمد من النقابة يفتح الباب أمام تطوير حقيقي لجودة الممارسة الهندسية. غير أن نجاح هذا المسار يتوقف على توفير تدريب فعلي ومتاح وعادل في مختلف المحافظات، وبكلفة معقولة، بعيداً عن تحويل شروط الدخول إلى المهنة إلى حاجز إضافي أمام الشباب. فالمطلوب ليس تأخير دخول الخريج إلى سوق العمل، بل تمكينه من دخوله بكفاءة وثقة، مع توفير فرص تدريب وتأهيل مرتبطة باحتياجات السوق.

ويكتسب إدراج الهندسة التقنية ومعاملتها بوصفها هندسة تطبيقية أهمية خاصة في ضوء تطور البرامج الأكاديمية وتنوع التخصصات. لكن ذلك يستدعي تعريفاً واضحاً للمسارات المهنية والصلاحيات والمسؤوليات، بما يحفظ حقوق مختلف الفئات الهندسية ويمنع التداخل غير المنصف بينها.

وبالنسبة إلى المهندس العامل، تبرز أهمية النصوص المتعلقة بالرقابة على المخططات، والتحقق من الالتزام بكودات البناء الوطني، واستعادة صلاحيات الرقابة والتفتيش وضبط المخالفات، وحصر الأعمال الاستشارية بالمكاتب والشركات المسجلة لدى النقابة. فهذه الإجراءات يمكن أن تحمي جودة المهنة وسمعتها، وتعزز المسؤولية المهنية، وتحد من الممارسات غير المنظمة. كذلك، فإن إلزام المنشآت التي تمارس أعمالاً هندسية أو تحتاج إلى تشغيل وصيانة هندسية دائمة بتعيين مهندسين أعضاء في النقابة، دون ربط ذلك برأس المال، قد يوسع فرص التشغيل، شريطة تحديد نطاق التطبيق بوضوح، ومراعاة طبيعة النشاط وحاجته الفعلية إلى الكفاءات الهندسية، وضمان أن تكون فرص العمل الجديدة لائقة ومستقرة وليست مجرد استجابة شكلية للنص القانوني.

ولا تقل أهمية عن ذلك التعديلات المتعلقة بالفروع، وتوسيع صلاحياتها الإدارية والمالية، وفتحها على مستوى المحافظات، وتمثيل رؤسائها للنقابة داخل نطاقها. فالنقابة التي تريد حماية حقوق أعضائها ينبغي أن تكون قريبة منهم، قادرة على الاستجابة لاختلاف احتياجاتهم، وألا تتركز الخدمات والفرص والقرارات في العاصمة على حساب المهندسين في المحافظات.

وفي المقابل، فإن المهندس المتقاعد يجب أن يكون حاضراً في صلب الإصلاح، لا بوصفه مستفيداً من صندوق فحسب، بل بوصفه صاحب حق نشأ عن سنوات من العمل والاشتراكات والعطاء. ومن هنا، تبرز ضرورة أن تقترن التعديلات بضمانات واضحة لحماية أموال التقاعد، واستدامة المنافع، والعدالة بين الأجيال، مع عدم تحميل المهندسين الشباب وحدهم كلفة معالجة الاختلالات المالية، أو المساس بحقوق المتقاعدين ومكتسباتهم دون أسس اكتوارية وقانونية واضحة.

إن تخفيف الرسوم الإضافية، وتحديث وسائل التبليغ الإلكتروني، وتطوير البنية الإدارية، وتعزيز استقلالية الصناديق، كلها خطوات مهمة، لكن قيمتها الحقيقية تتحدد بمدى انعكاسها على حياة المهندس وكرامته واستقراره المهني والاجتماعي.

لذلك، فإن الهيئة العامة، وهي صاحبة القرار النهائي، مطالبة بالنظر إلى التعديلات بوصفها عقداً متجدداً بين النقابة وأعضائها، يوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، وبين ضبط المهنة وتوسيع فرص العمل، وبين حماية حقوق الأجيال السابقة وعدم التضييق على الأجيال الجديدة.

الإصلاح النقابي الحقيقي هو الذي يحفظ حق المهندس في بداية الطريق، ويصون كرامته خلال سنوات العمل، ويضمن أمنه التقاعدي بعد انتهاء خدمته. وبين هذه المراحل الثلاث تتحدد قيمة القانون، وتُقاس قدرة النقابة على أن تكون مظلة عادلة لجميع أعضائها، لا مجرد مؤسسة تدير الاشتراكات والصناديق والإجراءات.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير